مواضيع

النسبية

تمهيد

إنّ أحد الأركان الأساسية في تكوين الدولة المدنية هو القول بفكرة «النسبية»: النسبية على صعيد الفكر والنتائج العقلية، والنسبية على صعيد العمل والقيم والممارسات الخارجية.

والقول بالنسبية يُؤدي بأصحابها للقول بـ«التعددية» الذي يعتبر أيضاً من خصائص الدولة المدنية، كما يتضح قريباً إن شاء الله تعالى.

النسبية في الفكر

تعتقد بعض المدارس الفكرية أنه لا توجد حقيقة ثابته وعقيدة حقّة وأطروحة صحيحة 100%، بل المسألة على خلاف ذلك: فكلُ شيءٍ فيه نسبة من الحقّانية ونسبة من البطلان، وكذا العقائد فلا يمكن القول بأنّ عقيدة التوحيد مثلاً هي العقيدة الحقة 100%، وغيرها من العقائد – كعقيدة التثليث – خاطئة 100% بل كل عقيدة تمتلك شيئاً من الصحة وشيئاً من البطلان، فلا يُمكن الإلتزام في المعارف إلا بالنسبية، ولا يحق لنا إعطاء الأحكام المطلقة!

واستدلّوا على هذه الأطروحة بأنّ الإنسان قد يعتقد بحقانية شيء، ثم يتبين له بعد ذلك خطأ تفكيره واعتقاده السابق، لينتقل – في بعض الأحيان – إلى الفكرة المقابلة والمضادّة لما اعتقد به سابقاً.

فالخطأ الذي يحصل في الحواس أمرٌ لا يمكن إنكاره، فكيف – بعد ذلك – يتأتّى لنا الجزم «بالمدركات العقلية» وأنّها مطابقة للواقع 100%؟!

 إذن لا بد لنا أن نعترف بالنسبية في الأفكار، ولا ينبغي لنا التّعصب والتّشدد اتجاه الأفكار التي نصل إليها ونعتقد بها، لأنّها قد تتغير يوماً ما.

تعدد القراءات

والالتزام بالنسبية جرّ البعض للقول بـ«تعدد القراءات» وأنّه لا يوجد ثبات، بل الأمور في تغيّرٍ وتحوّلٍ دائم.

وحاصل كلامهم أنّه يوجد بين العلوم ترابط وثيق، وأيّ تغيير في أيّ علم فهو يؤدّي إلى التغيير في باقي العلوم.

فمثلاً: إذا حصل تغيّر في فكرة فيزيائية فإنّ هذا التغير سوف يؤثر – ولو بمستوى طفيف – في علم العقائد وعلم الفقه، وعلم الأخلاق و…؛ كما لو ألقيت حجراً في بحيرة: فإنّ سقوط الحجر يؤدي إلى حصول تموّجات على كل البحيرة، وإنّ كان بمستويات مختلفة.

والحاصل أنّه ما دامت العلوم تعيش واقع التغيير يؤثّر ذلك على كل العلوم، فلا ثبات في المعارف وهذه هي النسبية.

المصدر
كتاب تأملات في الفكر السياسي | الشيخ زهير عاشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟