مواضيع

المؤمن يسترخص نفسه

الشيخ ياسر الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم

كان يتقدم بخطوات واثقة دون أن ينظر إلى الوراء, ودون أن يستمع إلى نداءات المثبطين, أو بعض صرخات النفوس التي تهفو إلى حياة الدعة والراحة، لقد خط مصيره بشجاعة حينما خط عبارته بوضوح: «نفسي فداء لوطني» مختزلاً فيها كلّ معاني الحق والقيم والحقوق التي تُسترخص الأرواح من أجلها.

ثلاث كلمات بسيطة تحولت إلى شعار عميق ومشروع كبير، ذلك أنها لم تُكتب باصابع العبث في فضاءات الفيس بوك، وإنّما كُتبت بالدم في ساحات الثبات، مختصرة المسافة الشاسعة بين القول والفعل، في ثوب بهيّ انتهى بالشهادة المضمخة بالدماء، فالوطن ليس فقط تلك الأرض التي مشى عليها الشهيد المؤمن بل هو مساحات من الحقيقة الصارخة دوماً بكلّ القيم؛ ابتداءً من التوحيد الذي هو قوام الكون وحياة النفس كما يقول أمير المؤمنين (ع)، ومروراً بكلّ القيم كالحرية والكرامة والعزة.

كان الشهيد علي المؤمن في تلك الليلة يسير بسكينة وقد طفقت الصور الملتهبة تطارده وهو يجدُّ في الفرار منها، ولكنه ما إن يتملص من قبضة إحداها حتى يقع في قبضة الأخرى، هل يتجاهل صورة الظلم الفاحش الذي يراه يومياً أمام عينه واضحاً جلياً، أم يغض طرفه عن صور سحق الكرامة التي تُمارس كلّ يوم، صور البيوت الفقيرة في قرى سترة تلاحقه، وابتسامات أطفال القرى ترقبه.

توهّج في عينيه بريقٌ عجيب يُخبئ تحته عزماً كبيراً نحو تغيير الواقع الفاسد، قد استمد ذلك العزم الراسخ من كلمات الإمام الحسين (ع) التي ما غادر صداها اذنه: «هيهات منا الذلة»، كلمات تربى عليها منذ الصغر، وعُجنت بها طينته، فراح اليوم يرفعها شعاراً عملياً رافضاً كل أنواع المذلة، وطامحاً نحو حياة الكرامة والحرية.

حقاً لقد عاش الشهيد علي في الأيام القليلة التي سبقت شهادته في ميدان الشهداء حياة عريضة ملؤها الحرية لم يكن له بها عهد من قبل إلا أطيافاً في أحلام اليقظة، حياة طاهرة كريمة، حياة من يجود بنفسه عن طيب خاطر من أجل شيء باهر أجمل وأجلّ من الغالي والنفيس، حياة مفعمة بالتسابق نحو الشهادة من أجل دين الله وكرامة عباد الله.

هانت الحياة عنده حتى أنها لم تعد تزن ذرة، ونادته الشهادة كعروس تنتظر عريسها الشاب الذي لم يُكمل دراسة الهندسة بعد، فتلاقى الموت مع الحياة في منظر رهيب حيث تآخيا فكانا يداً واحدة في خدمة أمل واحد؛ هذه تؤيده بالجهاد، وذاك يؤيده بالفداء.

لا أدري كيف تلقّى جسمه الغضّ تلك الرصاصات الغادرة، ولكن ما أعرفه ويعرفه الجميع أن تلك الرصاصات لم تستطع إطفاء وهج ابتسامته، ولم تستطع قتل حلمه أو القضاء على أهدافه التي استشهد من أجلها، فالشهادة ليست محطة .. بل إنها قاطرة يركبها الأبطال للوصول إلى مرافئ الحرية الحمراء، قاطرة صعد فيها الشهيد علي المؤمن والتحق به أبطال كثر كسامي وعلي ومحمد ورضا ومحمود وزكريا وحسين وغيرهم .. حقاً «إن الشعب لن يُهزم، ومن لا يحس بمعاناة هذا الشعب فهو ميت الضمير» كما قال والده المجاهد حينما سمع بخبر شهادة ابنه البطل.

المصدر
كتاب المؤمن الممهد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟