مواضيع

النفوذ أحد أعمدة العدو في المنطقة

هذا العدو يقيم مخططه في المنطقة على ركيزتين أساسيتين – طبعاً هناك الكثير من التفريعات والشعب، غير أن هذين هما الشيئان الأساسيان – الأول: خلق الخلافات، والثاني: التغلغل والنفوذ. هذا هو أساس خطة العدو في هذه المنطقة. خلق الخلافات بين الحكومات وبعد ذلك بين الشعوب، والخلافات بين الشعوب أخطر من الخلافات بين الحكومات. بمعنى أنهم يريدون تخريب قلوب الشعوب ووغرها بعضها ضد بعض، وخلق عصبيات بمسمّيات مختلفة. في زمن من الأزمان كانت هناك شعارات القومية الإيرانية والعربية والتركية وما إلى ذلك، وفي يوم آخر برزت قضية السنة والشيعة والتكفير وما شابه. يخلقون الخلافات تحت أية عناوين استطاعوا. هذا صنف من أعمالهم، وهم يعملون بهذا الاتجاه بشدة. طبعاً المتخصص في هذه العملية هم البريطانيون، هم المتخصصون في خلق الخلافات المذهبية. وقد تعلم الأمريكان منهم، وراحوا يعملون اليوم في هذا المجال بكل طاقاتهم وقواهم. هذه الجماعات التكفيرية التي تشاهدونها كلها من صناعتهم. وقد قلنا هذا منذ عدة سنين، فشكك البعض وكانوا مترددين، واليوم راح الأمريكان أنفسهم يعترفون بذلك، يعترفون بأنهم هم الذين أوجدوا داعش، ويعترفون بأنهم هم الذين أوجدوا جبهة النصرة، وهم الذين أوجدوا التكفيريين وصنعوهم. وقد انخدع بهم عدد من المسلمين السذج رغم أنهم صادقون. هذا هو المهم. هذا شيء فيه لنا الكثير من العبر والدروس ويجب أن نتنبه له. لذلك قد يدخل الإنسان الصادق النية في مخطط العدو ويعمل لصالحه بسبب عدم البصيرة. هذا شيء حدث.

والمثال الواضح هو قضية سورية. عندما سقطت الحكومات الطاغوتية في تونس ومصر بشعارات إسلامية، بادر الأمريكان والإسرائيليون فوراً إلى استخدام نفس هذه المعادلة للقضاء على حكومات المقاومة وبلدان المقاومة، فسارعوا إلى سورية، ودخل عدد من المسلمين السذج وعديمي البصيرة في هذا المخطط، وقد أوصلوا الأمر بسورية إلى ما ترونه، فرضوا مثل هذا التلاطم على بلد طوال أربعة أو خمسة أعوام، وليس من المعلوم متى سينتهي. هذا ما فعله العدو، وقد دخل المسلم الساذج في مخطط العدو هذا فأكمل جدول العدو. هذا حدث ويقع في حالات كثيرة. هم الذين أوجدوا الجماعات التكفيرية، والجماعات الهتاكة المتجبرة المتعسفة وأطلقوها على الأمة الإسلامية. ويصورون هذا على أنه حرب طائفية مذهبية. أقول لكم إن الخلافات التي ترونها اليوم في العراق وسورية وفي باقي المناطق وتسمّى معارك مذهبية، ليست معارك مذهبية بحال من الأحوال، بل هي معارك سياسية. الحرب في اليمن حرب سياسية وليست حرباً مذهبية، وهم يقولون كذباً إنها مشكلة شيعة وسنة، إنها ليست قضية شيعة وسنة، الذين يفقدون تحت قصف السعوديين في اليمن أطفالهم ونساؤهم وأطفالهم الرضع ومستشفياتهم ومدارسهم، بعضهم شافعيون وبعضهم زيديون، ليست القضية قضية شيعة وسنة، بل هي معركة سياسية، ومعركة سياسات.

إنهم يوجدون مثل هذا الوضع اليوم في المنطقة، وقد أوجدوه وخلقوا خلافات، ويجب السعي لإزالة هذه الخلافات. لقد قلناها صراحة وعلناً للجميع إننا نمدّ يد الصداقة لكل حكومات المنطقة – الحكومات المسلمة – وليست لدينا أية مشكلة مع الحكومات المسلمة، وطبعاً علاقاتنا علاقات صداقة وأخوّة مع الكثير من الجيران، أي مع أغلب جيراننا، في الشمال والجنوب والغرب والشرق، البلدان التي تحيط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية لها علاقات حسنة معنا. طبعاً هناك اختلافات من قريب أو بعيد، حيث يمارسون اللجاجة والخبث، هذا شيء موجود طبعاً، لكن نيتنا هي العلاقات الحسنة مع الجيران، مع الحكومات وخصوصاً مع الشعوب. علاقة بلدنا مع الشعوب علاقة جيدة. وطبعاً نعتقد بالالتزام بالأصول والمبادئ، ونقول: ينبغي صيانة الأصول، وقد استطاع إمامنا الخميني الجليل بفضل الالتزام بالأصول أخذ الثورة إلى الانتصار وحفظ الثورة وتثبيت الجمهورية الإسلامية، لقد كان ملتزماً بالأصول. من هذه الأصول <أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ>[1]، هذا أحد الأصول. لا نتصالح مع الأعداء والاستكبار، ولا نروم العداء والعداوة مع أخوتنا المسلمين، بل نريد الصداقة والرفقة والأخوة، لأننا نعتقد بـ<أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ>. هذا درس الإمام الخميني الكبير لنا، وهذا هو النهج الأكيد للجمهورية الإسلامية. إننا لا ننظر في دعم المظلوم إلى مذهب المظلوم، ولم ننظر. لقد كان هذا نهج الإمام الخميني الجليل.

كان للإمام الخميني مع المقاومة السنية في فلسطين نفس السلوك الذي كان له مع المقاومة الشيعية في لبنان، من دون أي فرق. نفس الدعم الذي كان لنا تجاه أخوتنا في لبنان كان لنا تجاه أخوتنا في غزة، من دون أي تفاوت. أولئك كانوا سنة وهؤلاء شيعة. القضية بالنسبة لنا هي الدفاع عن الهوية الإسلامية، ودعم المظلوم. القضية هي فلسطين التي تقف اليوم على رأس قضايا المنطقة والمسلمين. هذه هي القضية الرئيسية بالنسبة لنا. وكذا الحال في عدائنا، فقد كافح الإمام الخميني الجليل ضد محمد رضا بهلوي وهو شيعي حسب الظاهر، وكافح ضد صدام حسين وقد كان سنياً حسب الظاهر. طبعاً لم يكن ذاك شيعياً ولم يكن هذا سنياً. كانا أجنبيين على الإسلام كلاهما، لكن ظاهر هذا كان سنياً وظاهر ذاك كان شيعياً. لقد كافح الإمام الخميني ضد هذين بشكل واحد. ليست القضية قضية سنة وشيعة وطائفية وما إلى ذلك. القضية هي قضية أصول الإسلام: <كونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً>[2]. هذا هو أمر الإسلام، وهذا هو طريقنا وخطنا.

تصعيد الخلافات في العالم الإسلامي ممنوع. إننا نعارض السلوكيات التي تقوم بها بعض الجماعات الشيعية والتي تؤدي إلى خلافات. لقد قلنا صراحة إننا نعارض توجيه الإهانة لمقدسات أهل السنة. جماعة من هذا الطرف وجماعة من ذاك الطرف يزيدون تأجيج العداوات ويصعدونها، والكثيرون منهم نواياهم نوايا حسنة، لكنهم بلا بصيرة. لا بدّ من بصيرة. ينبغي رؤية ماهية مخطط الأعداء. مخطط الأعداء بالدرجة الأولى خلق الخلافات والنزاعات. والمخطط الثاني للأعداء هو التغلغل والنفوذ. يريدون أن يكون لهم نفوذهم في البلدان الإسلامية وبلدان هذه المنطقة، وأن يستمر لعشرات السنين. لم يعد لأمريكا في الوقت الحاضر السمعة التي كانت لها في السابق في هذه المنطقة، ويريدون إعادة بناء هذه السمعة. وهذا هو قصدهم في بلادنا أيضاً، نيتهم هي هذه في إيران أيضاً. إنهم يتصورون عبر سياق هذا الاتفاق في المفاوضات النووية، والذي لم يتضح قراره لا هنا ولا في أمريكا، لم يتضح هل سيقبل أم سيرفض هنا؟ ولم يتضح كذلك، هل سيرفض أم سيقبل هناك؟ نيتهم أن يصنعوا من هذه المفاوضات وهذا الاتفاق وسيلة للنفوذ إلى داخل البلاد. لقد أغلقنا هذا الطريق وسوف نغلقه على نحو القطع والحسم، لن نسمح لا بالنفوذ الاقتصادي للأمريكان في بلادنا، ولا بنفوذهم السياسي، ولا بتواجدهم السياسي، ولا بنفوذهم الثقافي. سوف نواجه ذلك بكل الطاقات، وهي طاقات كبيرة اليوم والحمد لله. سوف لن نسمح بذلك. وكذا الحال في المنطقة، فهم يريدون النفوذ في المنطقة وتوفير مقدمات للتواجد ومتابعة أهدافهم في المنطقة. وسوف لن نسمح بحدوث ذلك بحول الله وقوته وفي حدود قدراتنا. سياساتنا في المنطقة على الضد تماماً من سياسات أمريكا. وحدة أراضي بلدان المنطقة مهمة جداً بالنسبة لنا، وحدة أراضي العراق ووحدة أراضي سورية، هذه أمور مهمة جداً بالنسبة لنا. وهم يسعون إلى التجزئة.

لقد قلتُ سابقاً: إن الأمريكان يسعون لتجزئة العراق، فتعجب البعض، وفي الآونة الأخيرة صرح الأمريكان أنفسهم بأنهم يسعون لتجزئة العراق، يريدون تجزئة العراق، وإذا استطاعوا يريدون تجزئة سورية، يريدون إيجاد بلدان صغيرة خاضعة لأوامرهم وسيطرتهم، وهذا ما لن يحدث بحول الله وقوته. إننا ندافع عن المقاومة في المنطقة، وعن المقاومة في فلسطين وهي من أنصع فصول تاريخ الأمة الإسلامية؛ المقاومة الفلسطينية طوال هذه السنين، نحن ندافع عنها. كل من يحارب إسرائيل ويدك الكيان الصهيوني ويؤيد المقاومة، نحن ندعمه ونحميه، بمختلف صنوف الدعم الممكنة بالنسبة لنا، كل أشكال الدعم الممكنة بالنسبة لنا سنقدمها لكل من يجابه الكيان الصهيوني. ندعم المقاومة وندعم وحدة أراضي البلدان وندعم كل الذين يصمدون بوجه سياسات التفرقة الأمريكية، ونحن ضد كل الذين يختلقون هذه التفرقة، ونجابههم. إننا لا نوافق التشيع الذي تكون لندن مركزه ومقره الإعلامي. ليس هذا هو التشيع الذي نشره الأئمة(عهم) وأرادوه. التشيع القائم على خلق الخلافات والنزاعات والتمهيد والتوطئة لتواجد أعداء الإسلام، هذا التشيع ليس بتشيع، بل هو انحراف، التشيع هو التجسيد التام للإسلام الأصيل، وتجسيد القرآن الكريم. إننا ندعم الذين يساعدون على الوحدة، ونعارض الذين يعملون ضد الوحدة، وندافع عن كل المظلومين. إننا لن نترك الساحة بهذا الكلام الذي يقولونه من أنكم تتدخلون في قضية البحرين وما إلى ذلك، ونحن لم نتدخل أبداً، لكننا ندعمهم. إننا نتألم للشعب البحريني المظلوم وللشعب اليمني المظلوم، وندعو لهم ونقدم لهم أية مساعدة نستطيعها. الشعب اليمني اليوم شعب مظلوم حقاً، إنهم يدمرون بلداً من أجل الأهداف الاستكبارية والسياسية بحماقة. يمكن متابعة الأهداف السياسية بأشكال أخرى، وهؤلاء يتابعون هذه الأهداف السياسية بحماقة. أحداث اليمن مؤلمة بالنسبة لنا، والكثير من أحداث العالم الإسلامي في باكستان وأفغانستان وغيرها، هناك أحداث كثيرة مؤلمة حقاً. على العالم الإسلامي معالجة هذه الأوضاع بالصحوة والبصيرة.[3]


[1]. الفتح: 25

[2]. نهج البلاغة، الكتاب: 47

[3]. بيانات سماحته أمام المشاركون في المؤتمر العالمي لأهل البيت(عهم) ومؤتمر اتحاد الإذاعات والتلفزيونات بتاريخ 17-8-2015م

المصدر
كتاب النفوذ في فكر الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟