مواضيع

التناسب العكسي بين التطور والنفوذ

إن نجاح أي شعب في تحقيق طموحاته التقدّمية، له تناسب عكسي مع نفوذ الأعداء والأجانب في ذلك البلد؛ أي إنه كلما ازداد نفوذ الأعداء والأجانب ـ حتى ولو لم يكن صريحاً – بين الجماهير وفي الأوساط الشعبية والفئوية المختلفة وفي المحيط السياسي، زادت الشُّقّة وبُعدت بين هذا الشعب وبين تحقيق عزّته ومجده وصناعة مستقبله، وإن كان هذا لا يعني دائماً مناهضة كل أجنبي وفي أي وقت؛ كلا، فأحياناً يحسن التسالم مع بعض الأجانب في سبيل المصلحة، ولكنه لا ينبغي إعطاء الفرصة لهذا الأجنبي الصديق للقيام بدور في الشؤون الداخلية لهذا البيت، وهذه العائلة، وهذا البلد، وهذا المجتمع الواحد.

لقد اجتثّت تماماً جذور النفوذ الأمريكي وسواها من قوى السيطرة الأخرى – لم تكن أمريكا وحدها وإن كانت أسوأهم جميعاً – منذ بداية الثورة في هذا البلد.

لقد كانوا يفكّرون دائماً في إعمال نفوذهم، وفرض أفكارهم، وأقوالهم وأفعالهم، وتحقيق أطماعهم وأهدافهم في هذا البلد بأيّ شكل من الأشكال، ولقد استخدموا شتّى الوسائل والأساليب في سبيل ذلك حتى خلال السنوات الإحدى والعشرين من عمر الثورة.

وإنّ أكثر الأساليب التي يعتمدونها هو أسلوب المناورات السياسية، حيث تتمظهر هذه الممارسات السياسية بصور وأشكال مختلفة؛ فعندما يريد أحد السياسيين بلوغ أهدافه فإنه قد يكشّر أحياناً، وقد يبتسم أحياناً، وقد يظهر الضيق أحياناً، وقد يهدّد أحياناً، وقد يكرّ أو يفرّ أحياناً أخرى، فهذه كلّها مناورات سياسية؛ فيوماً يقولون: لقد أسأنا إلى الشعب الإيراني وإننا – مثلاً – نعبّر عن أسفنا! ويوماً يصادقون في مجلس الشيوخ على قرار ضد الشعب الإيراني، ويوماً يمتدحون الخونة وأشدّ التنظيمات حقداً وعداءً للثورة، ويوماً يشنّون الهجمات الإعلامية ضد إيران؛ لأنها أعلنت بكل صراحة عن معارضتها للصهيونية الغاصبة لفلسطين، ويوماً يخصّصون الأموال الطائلة؛ بغية إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية! فهذه كلها مناورات سياسية، وكلها أساليب سياسية.

إنهم يتوسّلون بشتّى الطرق، في إذاعاتهم ووسائلهم الدعائية، وفي اتصالهم بالشخصيات الداخلية، وفي خداعهم، فحيثما وجدوا تساهلاً أو ضعفاً في هذا السد العظيم الذي أقامه الشعب الإيراني في مواجهة نفوذ الأعداء فإنهم يركّزون عليه ويستغلّونه لبسط نفوذهم، سواء تمثّل هذا التهاون في أحد الشخصيات أو الأحزاب السياسية أو في أحد المسؤولين الحكوميين.

ولهذا فإن الله تعالى يقول في سورة الفتح المليئة بالعبر والدروس ـ حول أصحاب النبي <أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ>[1]؛ فالمراد بالكفّار هنا ليسوا هم اليهود أو المسيحيون الذين كانوا يعيشون في المدينة في كنف الرسول(ع) والذين كانت تربطهم علاقات حسنة بالرسول وأصحابه، بل المراد بالكفار هنا أمثال قريش الذين كانوا دائمي الإغارة وشنّ الهجمات العسكرية على الإسلام وعاصمته المدينة المنورة، أو أمثال يهود بني قريظة ويهود خيبر وسواهم من الذين كانوا لا ينفكون أبداً عن نقض العهود والمواثيق، فيذهبون إلى هنا أو هناك من أجل تعبئة التجمّعات المختلفة ضد الإسلام وبثّ عوامل الإثارة والإشاعات، أو أولئك الذين كانوا يعيشون في المدينة وهم يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وتربطهم علاقات حميمة بهذه المجموعة من الكفار أو تلك؛ فقوله: <أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ> يعني أشدّاء على هذه المجموعات الثلاث.

وأما <رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ>، فمعناه التعاطف والشفقة والتراحم فيما بينهم. فهذا هو المنهج الإسلامي الذي لا يسمح للعدو بالنفوذ أبداً في أوساط هؤلاء الأشدّاء.

فما معنى أشدّاء؟ إنها تعني الصلابة المطلقة.

والقرآن يصف الحديد بقوله: <فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ>[2] أي قويّاً ومستحكماً. فالشدّة هنا لا تعني الظلم أو ضرورة إراقة الدماء، بل تعني القوة والصلابة والاستحكام، أي أن هذا الساتر لا ينبغي أنّ يكون هشّاً، أو متهاوياً، وهذا الجدار يجب أن يكون سالماً من الثقوب والعيوب والفجوات.

إنّ ما أرغب في قوله اليوم ودائماً للأجنحة السياسية والشخصيات السياسية في هذا البلد هو: ألاّ يظهروا أمام العدو بالشكل الذي يجعله يشعر أنّ بإمكانه النفوذ والتسرّب في عمق الثورة من خلال هذا الطريق؛ وهذا هو السبب الذي يجعلني أشتكي أحياناً من بعض الشخصيات أو بعض الصحف في هذا البلد. فعليهم الابتعاد عن كل ما يجعل العدو يشعر أنّ بوسعه التغلغل وبسط نفوذه داخل النظام، وهو ما دفعنا إلى القول: بأنه كلما ازداد نفوذ العدو تزعزعت أركان العزّة الوطنية، والاقتدار الوطني، والعظمة الوطنية، وضعف الأمل في تشييد مستقبل البلاد.

فالنسبة بين هذين الأمرين نسبة معكوسة. فلو تخلّى أحد للعدو عن الساحة، ولو بدّل أحد يوم الثالث عشر من آبان – الذي هو يوم التعبير عن العداء لأمريكا – إلى يوم للذل والخضوع أمام أمريكا، وإذا ما شغل أحد ذهنه دائماً بالتفرقة بدلاً من الاتحاد والتضامن الوطني، فهذا معناه أنه يمهّد السبيل أمام نفوذ الأعداء. وليس من حق هذا الشخص الادّعاء مطلقاً بأنه من دعاة الوحدة الوطنية وأنصار المصالح الوطنية.

إنه لمن القبيح جداً أن يسلّم البعض في النظام الإسلامي قلوبهم للأعداء، وحتى إنهم لا يكتفون بذلك، بل يكررون كلام الأعداء، ولا يكتفون أيضاً بذلك، فيثيرون التساؤلات حول مقدسات النظام، وليتهم يكتفون بذلك، بل إنهم ينفّذون إرادة الأعداء بحذافيرها، فيزعزعون الإيمان – أي ذلك الشرط الأول – في نفوس الجماهير، ويقضون على الشجاعة والثقة بالنفس في قلوب الشباب، ويتناولون المعول ليضربوا هذا النظام ويحدثوا شقّاً في هذا الجدار! إنهم يقومون بكل هذه الممارسات، فيدفعون النظام للتعرض لهم واعتبارهم مجرمين، وهي وصمة عار لهم إلى الأبد، إلا <إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا>[3] فيعفو الله عنهم وتتحوّل سيئاتهم إلى حسنات، إلاّ أنهم يظلّون خطاة مجرمين ما لم يقوموا بذلك، ثم يأتي من يدافع عن مثل هؤلاء خلافاً للقانون، وهذا من أقبح القبائح![4]


[1]. الفتح: 29

[2]. الحديد: 25

[3]. البقرة: 160

[4]. بيانات سماحته أمام الآلاف من أفراد الحرس الثوري، وطلبة الجامعات والمدارس، والمعوقين بمناسبة لبيوم العالمي لمقارعة الاستكبار بتاريخ 1-11-2000م

المصدر
كتاب النفوذ في فكر الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟