مواضيع

مرحلة البناء الروحي والبدني

لا تتنافى مسألة الأخذ بالأسباب الطبيعية مع الحقيقة التكوينية للكمالات التي يملكها المعصومون، بمعنى إذا قلنا بأن الإمام اكتسب العلم فلا يعني أنّهُ مُعرّض للوقوع في نتائج الجهل والنقص، بحيث لو وقع في موقف يحتاج إلى علم فإن قابلية العصمة تحمل على تحصيل العلم الواقعي المسدَّد من الله سبحانه، وبحسب تعبير الشهيد مطهري: «إن الامتحان للأولياء هو لإظهار كمالاتهم وليس للتأكد من وجودها أولًا». وكذا في مسألة علم الإمام أن قابليته لاستقبال العلم أكبر وأوسع، ويلقمونه تلقيمًا في تعبير المعصوم: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ قَدْ زُقُّوا الْعِلْمَ زَقّاً»[1] وفي تعبير أمير المؤمنين (ع): «علمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب»[2]، وهكذا القوانين والسنن الإلهية في الوجود اقتضت الأخذ بالأسباب الطبيعية إضافة للتسديد الإلهي المخصوص بالمعصوم ليحصل على الرعاية الكاملة، كما حصل لنبي الله موسى في التعبير القرآني <وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي>[3] أي الرعاية الإلهية التي أحاطت بتربية موسى (ع)، وكفالته وهو بين يدي فرعون عدو الله.

وهنا الحسين ينشأ في ذلك البيت الطاهر ينهل الهدى والعلم والأخلاق والعبادة. يأتي أحد الحسنين يومًا إلى أمه الزهراء (ع) وهي في حال العبادة وهي تدعو في وردها لجيرانها، فلما سألها (ع): «يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت (ع): يا بني الجار ثم الدار»[4]، وفي يومٍ كان رسول الله يدعو الناس في المسجد كي يواسوا بعضهم ويحث على التصدق، فتسمعه الزهراء (ع) فتبعث بحليّها وما تملك في بيتها إلى رسول الله وهو في المسجد، فترسل ما عندها مع الحسين ليوصله إلى رسول الله (ص)، هذا الموقف يعطي البعد التربوي في أن يعيش الابن حسّ المسؤولية وقيمة العمل الطيب وأهميته، كما يأتي البناء والإعداد الروحي الكبير والمكثف من لدن رسول الله أولاً ثم أمير المؤمنين والزهراء (ع) يرافقه إعداد بدني وجهوزية تنضم للكمالات الأخرى التي يجب أن يتحلى بها المعصوم وتظهر آثار ذلك الإعداد لاحقًا في المراحل الأخرى من حياة الإمام الحسين كيوم وقوف الحسنين عند بيت عثمان أو في حروب أمير المؤمنين وفي كربلاء.

فعندما يقول النبي (ص): «علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل»[5] إعدادًا للجهاد كان أولى بها الحسن والحسين. كما قال أمير المؤمنين (ع): «واللّه ما أمرتكم بطاعة إلاّ وقد ائتمرت بها»[6]، وسنأتي على هذه الشواهد في المراحل اللاحقة من حياة الحسين (ع). كل هذا تهيئة للإمام الحسين لأداء المهمة الإلهية العظيمة التي ستناط به مستقبلاً.


[1]– نفس المصدر، جزء 45، صفحة 137

[2]– نفس المصدر، جزء 26، صفحة 29

[3]– طه: 39

[4]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 43، صفحة 81

[5]– الكافي، الكليني، جزء 6، صفحة 47

[6]– تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، جزء 3، صفحة 195

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى