مواضيع

شخصية القائد

تمهيد

 القيادة هي المركز الذي يعطي الحياة لمحيطها، فالقائد هو كالقلب النابض في جسم الكائن الحي، وهو العقل المحرك والمدبر لشؤون الإنسان، فهو مركز القرار ويترتب عليه صلاح وهلاك الأتباع، ولا يعقل أن تترك الأمور بلا منظم هكذا عبثًا وهو خلاف السنن الكونية وخارج منطق العقلاء، كما لا يمكن القبول بالقيادة الفاسدة أو الضعيفة والاستمرار معها لأن النتيجة والمصير سيؤدي لخراب وضياع الهدف. ففساد القلب مفسدة لأعضاء الجسم، ولن يؤدي دوره الذي وضع من أجله، وحينها يستوجب استبداله أو قبول المصير السيء، بينما القيادة الفاعلة والمقتدرة تؤدي دورها بكل اقتدار، وتصحح على المنتسبين وتسلك بهم الطريق القويم والسبيل السهل للوصول إلى الغايات. ومن هنا نأخذ إطلالة على شخصية مفجر الثورة الإسلامية المباركة سماحة السيد الإمام لنتعرف على نموذج الشخصية القائدة للأمة وأبعادها البيئية والاجتماعية والعلمية والظروف السياسية التي تأثرت بها والسمات الذاتية والملكات المتحققة فيها. بطبيعة الحال لا يمكن بأي حال استنساخ المثيل، ولكن هناك مشتركات لها دور فاعل في تكوين شخصية القائد الفذ، وكذا استيعاب تجربة القدوات والتمثل بها يؤسس لقيادات واعية ومقتدرة، فلا أحد يستطيع أن يكون عليًا أمير المؤمنين، ولكن اتخاذه معلمًا ومنهجًا يجعلك كعلي في السلوك والعمل.

يقول ساحة الإمام الخامنئي: «المهم أن نحافظ على تمسكنا بالإسلام وعدم الخوف والهيبة من أعداء الله والإسلام، وقد تعلمنا هذا الدرس من أمير المؤمنين ومن تلميذه وابنه البار الإمام الخميني».

النشأة الاجتماعية

وُلد السيد الإمام في منطقة خُمين في عائلة محافظة تنتسب إلى الرسول الأكرم (ص) من السادة الموسويين، ووالده أحد علماء المنطقة المعروفين بمعارضته لسياسات السلاطين القاجاريين في فترة حكمهم، وفي العام 1902 وُلد الطفل المبارك لتلك العائلة العلوية الذي سُمي «روح الله» الذي لم يلبث طويلاً حتى توفي والده وهو ابن 6 سنوات، فعاش اليتم ومرارته في الصغر متأسيًا بجده الرسول (ص) الذي فقد كلا الوالدين وهو لم يتعد 6 سنوات، فعاش روح الله اليتيم لاحقًا في كفالة أخيه الأكبر السيد محمد رضا بسنديده، الذي تعهده ورباه وكان طالب علوم دينية، فنشأ في كنفه وكان مدرسه الأول.

رحلته العلمية

مع بداية القرن العشرين عاد الشيخ عبد الكريم الحائري من النجف الأشرف إلى حوزة مركزية في إيران في قم المقدسة بجوار السيدة المعصومة (ع). عندها انتقل جمع غفير من العلماء في أنحاء إيران ليستقروا في قم، ولما بلغ السيد الإمام عمر 16 سنة غادر من بلدته خمين، واستقر في قم، وسكن في القسم الداخلي التابع لحوزة الشيخ عبد الكريم الحائري الذي كان يجمع الطلبة القادمين من أنحاء إيران. كان زميل الغرفة من الطلبة مع السيد الإمام «السيد رضا الگلپایگاني» الذي أصبح لاحقًا من أكبر مراجع الشيعة وقد تميز بعلو الهمة والرغبة الشديدة في طلب العلم وتحصيله والتعمق في دراسة العلوم الدينية. وفي سن 19 حصل على غرفة خاصة في المدرسة الفيضية، لأنه كان مجدًا وكان يقضي أكثر وقته في الدراسة، ولكن في نفس الوقت كان متابعًا جيدًا للأخبار السياسية والمستجدات في إيران والعالم. وكان أحيانًا يذهب لطهران لحضور جلسات البرلمان ومتابعة الشؤون السياسية. كان سماحة السيد الإمام يجمع ما بين الدراسة والعبادة ومتابعة السياسة في وقت واحد، وقد تأثر بشخصية السيد حسن المدرسي العالم العضو في البرلمان الإيراني.

سيماء القيادة

في إحدى المرات كان السيد الإمام غارقًا في بحوثه الدراسية والشيخ عبد الكريم الحائري زعيم الحوزة كان زائرًا في إحدى الليالي لأحد العلماء في غرفته المجاورة لغرفة السيد الإمام، وبقي الشيخ عبد الكريم الحائري لوقت متأخر مع ذلك العالم وكان صوتهم يصل لمسامع السيد الإمام، وكان يشغله عن الدروس، فتوجه السيد الإمام إليهم وطرق الباب، ولما فتحوا الباب نظروا فوجدوا ذلك الشاب العظيم يطلب منهم خفض صوتهم كي يستطيع إكمال مذاكرته، فأعجب الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة بجدية وصدقية وجرأة ذلك الشاب، فتفرس في وجه السيد روح الله قائلاً عنه: «لقد رأيت صفات القائد في وجهه».

واصل السيد الإمام رحلته العلمية في الفقه والأصول، والتحق بالمسلك العرفاني وطريق أهل السير والمعرفة بالله، وارتبط بالعالم الرباني الشاه أبادي، وقطع معه مراحل العرفان النظري والعملي كمرشد ومربي، وألّف كتبًا على طريقة أهل المعرفة من أمثال مصباح السالكين والآداب المعنوية للصلاة. ونهج  منهج الأخلاقيين في تهذيب نفسه، ودَرَس ودرّس الأخلاق على مدى أربعين سنة، كما درس الفلسفة وعلوم القرآن على أيدي كبار علماء الحوزة العلمية في قم آنذاك، وحصل على رتبة الاجتهاد في الفقه بإجازة من آية الله العظمى البروجردي ومراجع آخرين.

بعد وفاة آية الله عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة في قم كان لا بد من تمكين أحد المراجع ليكون زعيمًا للحوزة ومرجعًا عامًا، وكان حينها السيد الإمام من أهل النظر، فوجد ضرورة تثبيت مرجع ثوري قادر على مواجهة مخططات الشاه المخالفة للإسلام، فأشاروا عليه بالسيد حسين البروجردي، ولما كان يعرفه من صلابة هذا المرجع ودرايته بالجوانب السياسية والاجتماعية قام بدعوته وتسميته وقد كان حينها البروجردي موجودًا في أصفهان، فاستقدم لقم واستقبله العلماء ورحبوا به ودعوا الناس إلىالرجوع إليه. ومن جهته بعد قدومه أشار السيد البروجردي على السيد الإمام بأن يكون الممثل السياسي له، وكان السيد الإمام يؤمن بضرورة مواجهة رضا بهلوي شاه إيران وإزالة حكمه، وحاول السيد الإمام جاهدًا لإقناع السيد البروجردي بفكرة التصدي لهذا الدور إلا أن هناك مجموعة من العلماء وحاشية السيد البروجردي التي تحيط به أقنعته بعدم جدوى ذلك وأنه، لا يستطيع مواجهة الشاه لأن جميع الدول الكبرى تقف معه وتدعمه.

لفتة: وهذا دلالة على أن رؤية الإمام بضرورة إزالة حكم الملكية الشاهنشاهية لم يكن وليد الثورة سنة 1964 وإنما كانت هذه القائمة سابقة منذ أمد طويل في وعي السيد الإمام وقد كرستها حادثة استشهاد السيد نواب صفوي.

شهادة السيد نواب صفوي

من الحوادث التي تأثر بها السيد الإمام حادثة إعدام الشهيد السيد نواب صفوي وهو أحد رجال الدين المجاهدين الذي كان يؤمن بمواجهة الطاغوت والكفاح ضده بالسلاح. وقام هذا الشهيد بإعداد مجموعات وأسس حركة في مطلع الخمسينات تستهدف القيادات والمسؤولين في نظام الشاه وبالخصوص العسكريين، وبعد اعتقاله قام السيد الإمام وطلب من السيد البروجردي باعتباره المرجع آنذاك أن يأخذ موقفًا، لأن السكوت سيؤدي إلى إقدام النظام على إعدام السيد نواب، وبسبب الحاشية المحيطة بالمرجع وجد البروجردي بأن النظام لن يقدم على هذه الخطوة. وعندما صدر حكم الإعدام بحقه عاد السيد الإمام للسيد البروجردي وطالبه بموقف إلا أن السيد البروجردي امتنع عن ذلك. وقال لا أرى مصلحة في ذلكّ، وحينها قال السيد الإمام مقسمًا: «أقسم لو سكت السيد البروجردي في ذلك اليوم لقلبت إيران رأسًا على عقب».

الخروج من بيت السيد البروجردي

كان الإمام يؤمن بالثورة على الشاه لكن العائق أمام إعلان الثورة في حينها إيثار عدم الاصطدام بالمرجعية، وأنه من غير المناسب البدء بالنشاط السياسي العلني طالما السيد البروجردي موجود باعتباره المرجعية العليا. واتخذ السيد الإمام قراره بالخروج من بيت السيد البروجردي والطاقم الإداري المحيط بالسيد المرجع، لعدم القدرة على التأثير. ويرجع الإمام السبب إلى الحاشية المحيطة بالمرجعية والتي كانت تؤثر تأثيرًا كبيرًا في قراراتها؛ حيث يقول السيد الإمام في هذا الشأن: «إن الجماعة التي تحيط بالسيد البروجردي أقنعته بأننا لا نستطيع فعل شيء» ومع ذلك كان السيد الإمام يدافع عن السيد البروجردي، ولم يكن يقبل لأحد أن ينتقد البروجردي في الأوساط العامة، لأنه كان يريد أن يحافظ على مقام المرجعية.

حوادث أثرت في بناء الشخصية السياسية الثورية للسيد الإمام

إضافة لما سبق ذكره هناك ثورتان عاصرهما السيد الإمام ساهمتا في بلورة شخصيته السياسية، وتأثر بهما وكان لهما نصيب في خطابه لاحقًا وفهمه العميق للقضايا السياسية وتشخيصه الدقيق للمواقف بكل جرأة وشجاعة، كما كان لشخصية السيد حسن المدرسي أثرها في تشكيل شخصية الإمام القائدة والتي تتخذ مواقفها الشجاعة بكل إخلاص وشجاعة.

السيد حسن المدرسي هو أحد رجال الدين الذين دخلوا عالم السياسة، وشاركوا في الحياة السياسية في ثلاثينات القرن الماضي، وكان عضوًا في البرلمان الإيراني وقد استشهد لاحقًا على يد جهاز السافاك الإيراني «جهاز المخابرات»، وله مواقف متعددة في مواجهة الاستعمار الأجنبي ومقارعة استبداد نظام الشاه، ومن إحدى تلك المواقف عندما أرادت روسيا الدولة الكبرى ابتزاز الدولة الإيرانية، وهددت بغزو إيران إن لم تمتثل السلطات في إيران لأوامرها، وكان السيد حسن المدرسي في البرلمان والكل لم يحرك ساكناً أمام التهديدات الروسية. وقف السيد المدرسي على منصة البرلمان وقال وبكل ثقة: «إذا كانت المشيئة أن يسلبوا حريتنا واستقلالنا بالقوة، فليس من اللائق أن نوقع على سلب حريتنا بأيدينا».

الحركة الدستورية المشروطة 1920- 1921

وهي من أهم الثورات التي أثرت في المزاج الإيراني، وقد عاصرها السيد الإمام وتأثر بالأجواء المحيطة بها والتعقيدات التي مرت بها؛ حيث شارك رجال الدين بفعالية في هذه الثورة. وقد انقسموا إلى جهتين: طرف يدعو إلى تقييد سلطة الشاه عبر مجلس تشريعي وبرلمان يكون صاحب القرار في الشأن العام وبإرادة شعبية، ورأي آخر يدعو لعدم قبول النظام السياسي المستورد من الغرب وهو موضع اختراق من البريطانيين بحجة الديموقراطية. وأهم رمز من العلماء المؤيدين للمشروطة المرجع الآخوند الخراساني. والطرف الآخر كان يمثله المرجع السيد كاظم اليزدي، ولكل طرف قناعاته وحججه ورغم الاختلاف إلا أن الإخلاص للدين والعقيدة كان حاضرًا، لكن الأمور صارت إلى انحدار عبر مؤامرات بريطانية والشاه، وقد نتج عنها الحكم بإعدام أحد علماء الدين، والتفاف الدول الكبرى إلى الحركة واجتهادها، وقد دقق السيد الإمام في هذه الحركة بشكل دقيق، وتعرف على الخلل الأساس فيها، وعالجه عبر إعلانه أن الخيار الوحيد الصالح هو إقامة الحكومة الإسلامية لا مشروطة ولا مستعبدة.

حركة مصدق 1950 – 1954 «ثورة التأميم»

وهي حركة سياسية قادتها القوى السياسية وتزعمها «محمد مصدق»، وكانت تطالب بإصلاحات سياسية واسعة تصل لانتخاب رئيس وزراء ذي صلاحيات واسعة وتقييد دور الشاه وصلاحياته، ولأن هذه الحركة نخبوية وواجهت عقبات على مستوى الجماهير، استعان مصدق برجال الدين، وبحكم تأثيرهم على المجتمع شاركهم السيد النائيني المرجع المعروف في دعم الحركة التي تكللت بالنجاح، ووصل مصدق لرئاسة الوزراء، لكنه نكث بوعوده للسيد النائيني وفك الارتباط به. ومن جهة أخرى قام مصدق بتأميم شركات النفط، وأصبحت تبعيتها للدولة الإيرانية مما أثار أميركا التي عملت عبر جهاز استخباراتها وبالتعاون مع الشاه على إسقاط حكومة مصدق وإرجاع السلطة بيد الشاه.

فائدة: توصل السيد الإمام إلى نتيجة من خلال هاتين الثورتين والحوادث الأخرى بأن الخلل ناتج عن أمرين: 1. التدخل الأجنبي ودول الاستكبار العالمي ضد مصالح الشعوب.

  1. يجب تصحيح النظام القائم بالخلاص نهائيًا من الملكية وإقامة حكم الإسلام كنتيجة حل جذري وإلا ستعود أي ثورة إلى الفشل ما لم يتصدى رجال الدين بأنفسهم لإقامة الحكومة.
المصدر
كتاب وذكرهم بأيام الله | الأستاذ محمد سرحان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟