مواضيع

نفي النفوذ هو سبب العداء مع الثورة الإسلامية

السبب في عداء الاستكبار وعلى رأسه أمريكا والشبكة الصهيونية العالمية العميق الذي لا يقبل المصالحة للجمهورية الإسلامية ليس هذا الكلام الذي يقال هنا وهناك أحياناً، سواء الأمور التي يرفعون هم شعاراتها أو التصورات التي يحملها البعض في الداخل. المسألة هي أن الجمهورية الإسلامية لها «رفضها» ولها «إثباتها».

رفض الاستغلال، ورفض الخضوع للهيمنة، ورفض إهانة الشعب من قبل القوى السياسية في العالم، ورفض التبعية السياسية، ورفض نفوذ وتدخل القوى العالمية المهيمنة في البلد، ورفض العلمانية الأخلاقية، والإباحية، هذه أمور ترفضها الجمهورية الإسلامية بكل حسم.

و ثمة أمور تثبّتها الجمهورية الإسلامية كالهوية الوطنية، والهوية الإيرانية، وتكريس القيم الإسلامية، والدفاع عن مظلومي العالم، والسعي لفتح القمم العلمية وعدم الاكتفاء بالاتباع في المسائل العلمية بل فتح قمم العلم والمعرفة.. هذه هي من الأمور التي تصرّ عليها الجمهورية الإسلامية.

هذا الرفض والإثبات هما سبب عداء أمريكا والشبكة الصهيونية العالمية. إذا وافقنا النفوذ الأمريكي فسوف تقل العداوات. وإذا رضينا أن يهان شعبنا من قبل الأجانب وبمختلف الطرق، وتركنا جانباً الدفاع عن الهوية الوطنية أو القيم الإسلامية فلا شك أن العداوات ستقل بنفس النسبة. وهذا هو معنى قولهم إن على الجمهورية الإسلامية تغيير سلوكها. سمعتم بعض المسؤولين السياسيين في البلدان المستكبرة مثل أمريكا يقولون حينما يتحدثون عن إيران: نحن لا نقول يجب إزالة الجمهورية الإسلامية، بل نقول يجب أن تغيّر الجمهورية الإسلامية من سلوكها. هذا هو معنى يجب أن تغيّر من سلوكها. معناه أن تتخلى عن هذا الرفض والإثبات. هذا ما يريدونه.

بهذا الصمود على ما ترفضه الجمهورية الإسلامية وما تثبّته استطاعت مواجهة جبهة واسعة مجهزة بشتى أنواع الإمكانيات والمقاومة أمامها. وهذه هي نفس الحال التي شهدناها خلال ثمانية أعوام من الدفاع المقدس حيث تعاضد الشرق والغرب وأوروبا والناتو وبعض البلدان العربية والكل ضد الجمهورية الإسلامية، لكن الجمهورية الإسلامية استطاعت بالتالي فرض التراجع عليهم جميعاً بينما لم تتراجع هي أبداً. وتكررت هذه الحالة على المستوى السياسي وفي أعوام ما بعد الحرب إلى يومنا هذا.. أي إن الجمهورية الإسلامية استطاعت الوقوف بوجه الجبهة العظيمة التي تشكلت حيالها. أي إنها لم تتراجع أبداً، وليس هذا وحسب بل تقدمت إلى الأمام ووجهت الضربات للعدو.. هذا ما حصل.

لاحظوا الوضع الحالي لأمريكا في الشرق الأوسط، ولاحظوا ما كانت عليه قبل خمسة عشر عاماً وانظروا كيف هو حال أمريكا في الشرق الأوسط. يزداد كره الناس لها يوماً بعد يوم، وتزداد ذلة وإخفاقاً يوماً بعد يوم.. في القضية الفلسطينية بشكل، وفي قضية لبنان بشكل، وفي قضايا العراق وأفغانستان بشكل. لقد فشلت أمريكا في مخططاتها للشرق الأوسط، وغالباً من كان المستهدف في هذه المخططات هي الجمهورية الإسلامية قبل تلك البلدان. تلقّت أمريكا الضربات واستطاعت الجمهورية الإسلامية أن تقف وتصمد. طبعاً كانت المؤامرات متعددة وكثيرة.. في العقد الأول من الثورة بشكل من الأشكال، وفي العقدين الثاني والثالث للثورة كانت المؤامرات بأشكال متنوعة – وليس ثمة متسع من الوقت لذكر التفاصيل – على أن النقطة الرئيسية التي ينبغي للطلبة الجامعيين والمنتسبين الأعزاء للجامعات وكذلك كل أبناء الشعب لا سيما النخبة والواعون أن يتنبهوا لها: هي أن نظام الجمهورية الإسلامية يتمتع بالقوة والاقتدار الذاتي. وقد استطاع الصمود لحد اليوم طوال هذه الأعوام الثلاثين. انصبت كل هممهم على سحق الجمهورية الإسلامية والقضاء عليها، لكنها لم تسحق أبداً، بل ازدادت قوة في المجالات المختلفة باضطراد.

هذه القدرة على البقاء والاقتدار وإمكانية البقاء يجب أن تحفظ. ليس الأمر أننا مهما عملنا وبأية طريقة سرنا – حتى بطريقة اللا أبالية وعدم الاهتمام بواجباتنا الحساسة فستبقى إمكانية المقاومة كما كانت. كلا، ينبغي الحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية بالمعنى الحقيقي للكلمة كي يمكن نفع الشعب بمصالحه ومصالح بلاده، ولكي يمكن إيصال هذا الشعب إلى ذروة رقيه وطموحاته ومبادئه.[1]

لقد طرأ تغيير على طبيعة الجغرافيا السياسية لإيران، إلاّ أنّ موقعها السياسي لم يتغيّر، إيران تقع في أحد أهم المناطق الحساسة في العالم.

ولو أنكم ألقيتم نظرة على خارطة العالم لوجدتم مدى أهمية موقع إيران كحلقة وصل بين الشرق والغرب، كما أنّ له أهمية فائقة، بسبب وجود الاتحاد السوفيتي آنذاك، فضلاً عن أهميته بالنسبة لدول الجوار، وما تتمتع به إيران من ثروات طبيعية، ومن حيث شعبها الذي يتصف بالذكاء والإبداع والكفاءة.

هذا البلد، وما يحظى به من أهمية جغرافية وطبيعية وتاريخية وثقافية وثروات طبيعية، كان كله في قبضة أمريكا.

وكان مئات الآلاف من الأمريكيين يشغلون أكثر المراكز الحساسة في طهران على وجه الخصوص، ويتقاضون رواتب ضخمة من ميزانية هذا الشعب، ويقتاتون من مائدته ويستخفّون به.

وإذا أردتم أن تعرفوا كيف كانوا يستخفّون بالشعب راجعوا كلمة الإمام الخميني في يوم الرابع من نوفمبر عام 1964م التي شرح فيها كيف يُهان الشعب الإيراني على يد العناصر الأمريكية، ومن قبل شخص أمريكي برتبة رئيس عرفاء مثلاً – لا على يد الحكومة الأمريكية – وكيف كانوا يحصلون على المكاسب، ويُملون سياستهم على هذه المنطقة بواسطة حكام هذا البلد، ويحققون الكثير من أهدافهم.

وجاءت الثورة الإسلامية وكفّت أيديهم فجأة عن كل هذه المصالح؛ فكانت وكأنها وجهت طعنة لأمريكا، فتلقت أمريكا الطعنة وتكيّفت مع الظروف الجديدة وصارت تخطط لعمل ما، واستقر الرأي على السعي من أجل أن يكون الأشخاص الذين يأتون إلى السلطة في هذا البلد ثوريين في الظاهر ولكن تربطهم معها في الباطن علاقات حسنة ويرتضون الخضوع لسلطتها.

وهذا هو ما حصل في بداية الأمر وكاد أن يتّسع نطاقه لولا الوجود المؤثر والموقف الحازم لسماحة الإمام؛ فهو قد وقف كالطود الشامخ ووجّه لهم ضربة عنيفة في واقعة اليوم الرابع من نوفمبر عام 1979م، وانقلب السحر على الساحر فلم تصطبغ الثورة بصبغة أمريكية، بل وترسّخت لدى الشعب النزعة الاستقلالية والانعتاق من النفوذ الأمريكي المتزايد.

وهذا ما دفع بالنظام الأمريكي لتدبير المؤامرات ضد الشعب الإيراني على الدوام.

كانت إحدى المؤامرات الأمريكية هي تشجيع العراق على شن تلك الحرب التي استمرت ثماني سنوات، ومساعدته في أغلب قضايا الحرب، حتى من خلال وجود ضباط أمريكيين في العراق في مرحلة ما.

وأخذت هذه الأمور تتكشف يوماً بعد آخر، عبر ما ينشر من وثائق وما يكتب من مذكّرات. والمؤامرة الأمريكية الأخرى هي الحصار الاقتصادي بين عامي 1980 – 1981م بهدف إسقاط النظام، وقد تكرر هذا العمل مرّات عدّة، وأحد الجوانب الأخرى التي تنم عن العداء الأمريكي هي المحاولات الأمريكية الرامية لمنع أي تطور أو تقدم يحرزه الشعب الإيراني والنظام الإسلامي في شتّى الحقول والمجالات، وأُشير هنا إلى أنّ جميع المؤامرات الأمريكية المدبّرة ضد هذا الشعب قد مُنيت بالفشل علانية وأمام أنظار الجميع.[2]


[1]. نفس المصدر

[2]. بيانات سماحته في يوم مقارعة الاستكبار العالمي بتاريخ 5-11-1997م

المصدر
كتاب النفوذ في فكر الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟