مواضيع

شروط الدولة الرشيدة

قد ظهر فرعون في المشهد بصفة الخصم والمشرّع للقوانين والقاضي في الخصومة والمنفذ للعقوبة، كما هو دأب الأنظمة الدكتاتورية والملكيات المطلقة والحكومات المستبدة في العالم على طول التاريخ وعرض الجغرافيا، في علاقاتهم مع شعوبهم المستضعفة عموماً والمعارضين خصوصاً، التي تقوم على الاستعباد والاستحمار في الأساس، فهي في الحقيقة والجوهر، علاقة السيد المالك بالعبد المملوك، ويكون فيها العبد المملوك وكل ما يملك ملك للسيد المالك وخاضع لإرادته المطلقة، فلا يملك العبد المملوك أن يقرر مصيره بنفسه أو يستقل في شيء من إرادته؛ لأنه لا إرادة له مستقلة عن إرادة سيده ومالكه وفي مقابلها، فالسيد المالك يتمتع بسلطات مطلقة غير مقيدة وغير مشروطة على العبد المملوك، ليس فقط على جسمه، بل على عقله وقلبه وروحه ووجدانه وضميره أيضاً، وإن اتخذت في الظاهر عنوان العلاقة بين الحاكم والمواطن، ووُجدت مؤسسات الدولة الرسمية تشريعية (برلمان) وقضائية (قضاء ونيابة عامة ومحامون وغيرهم) وسلطة تنفيذية (حكومة) ومؤسسات حقوقية ورقابية ومستشارين وغيرهم، ومؤسسات مجتمع مدني وأحزاب ونقابات وصحافة ووسائل إعلام وغيرها، ووُجِد دستور وقوانين وأعراف ونحوها، فكلها صورية وشكلية (ديكور) وغير فاعلة، وُجدت للزينة والزخرفة، وكلها تابعة للدكتاتور والحاكم المستبد وخاضعة لإرادته المطلقة، وتعبر عنه وتعمل باسمه وتسبح بحمده وتقدسه، وتتجلى فيها روح الدكتاتورية والاستبداد ونفسهما، والهدف منها عملياً إعطاء صورة عصرية جميلة للنظام الدكتاتوري، و تحسّن وجه الحاكم المستبد أمام الرأي العالمي، وتحجب عيون المراقبين عن مشاهدة جرائمه، والدفاع عنه، وتخفف الضغوط عليه، وترفع الإحراج عن أصدقائه وحلفائه المتحضرين جداً في العالم، وتساعدهم على التسويق إليه، وتغنيهم من الضغط عليه من أجل الإصلاح؛ لأنه موجود وتدريجي ومناسب ونحو ذلك من الجوقات والمعزوفات السيئة والقبيحة جداً وغير الإنسانية، إلا أنها تناسب مصالحهم وتنسجم مع فلسفتهم وسياستهم البرجماتية.

ويستفاد مما سبق: لكي تتحقق العدالة والأمن والاستقرار والتنمية المستدامة والرفاه في أية دولة في العالم، يجب أن تتوفر خمسة شروط رئيسية، وهي:

1. إيجاد دولة المؤسسات والقانون الفعلية وليست الصورية، وفيها لا يوجد شخص يستمد الشرعية من نفسه، ويتمتع بسلطات مطلقة، ويعمل خارج مؤسسات الدولة وفوق القانون، والكل يمكن مراقبته ومحاسبته على أعماله، والكل سواسية أمام القانون، ولا تمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والتمييز جريمة يعاقب عليها القانون.

2. شرعية القوانين وعدالتها، ولا شرعية في الأساس بحكم العقل والمنطق وفق التفكير المنهجي السليم لغير التشريع الإلهي؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المالك للإنسان والمدبر إليه والعالم بما يصلحه ويفسده، وإليه معاده وعليه حسابه وجزاؤه في يوم القيامة، فهو الوحيد صاحب الولاية الحقة التامة عليه، والحكم والتشريع مختصان به، وهو صاحب الحق الوحيد فيهما، وليس فيهما لأحدٍ حق غيره سبحانه، قول الله تعالى: <هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا>[1] وقول الله تعالى: <إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ>[2] والأنبياء والأوصياء الكرام (عليه السلام) مبلِّغون مبشِّرون ومنذرون عن الله (عز وجل)، ومنصوبون باسمائهم عنه للحكم، والفقهاء العدول مستنبطون للأحكام الشرعية الإلهية من مصادرها المعتبرة وفق قواعد علمية ومنهج واضح دقيق، ومبينون لها ومنصوبون بصفاتهم عن الله  (جل جلاله) للحكم، ومجالس النواب (البرلمان) يمارسون (التقنين) للقوانين والتخطيط ووضع البرامج والسياسات، ويراقبون عمل الحكومات على ضوء الأحكام الشرعية الإلهية التي يقوم الفقهاء باستنباطها، وليست لهم وظيفة إنشاء التشريعات وسنها في الدولة الإسلامية، قول الله تعالى: <أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ>[3].

وعليه: فإن الحكومات والتشريعات القائمة في المجتمعات البشرية، يجب أن تكون شرعيتها في الأساس مستمدة من ولاية الله سبحانه وتعالى وحكمه، في ظل شروط خاصة، مثل: العدل والرحمة ورعاية الأحكام الإلهية والاستقامة عليها ونحو ذلك، لا من ذات الحاكم أو المحكوم، وإلا عدّت شرعاً حكومات وتشريعات جاهلية طاغوتية لا قيمة لها ولا وزن عقلاً وشرعاً. ولا يقبل العقل بحسب المنطق السليم في الحكومات والتشريعات الوضعية بأقل من التعبير عن الإرادة والمصلحة والقبول الشعبي، ويُعتبر فرض حكم الأمر الواقع مخالف للعقل والمنطق والفطرة والطبع السليم، وينتهك حقوق الإنسان وحريته وكرامته بكل المقاييس، ويجب رفضه ومقاومته والسعي لتغييره وفرض الإرادة الشعبية من أجل حرية الإنسان وكرامته ومصلحته وسعادته الحقيقية في الحياة، بل ومن أجل الأمن والاستقرار والتنمية والرفاه والازدهار في الحياة.

3. صلاح القائمين على السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية، والمتولين للوظائف العامة والمناصب العليا في الدولة، قول الله تعالى: <إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ>[4] أي: أن الله (عز وجل) لا يغير ما بقوم من الأحوال والأوضاع التي يعيشونها، الإيجابية والسلبية، مثل الغنى والفقر، الصحة والمرض، القوة والضعف، التقدم والتخلف، التحلل والتماسك، التحضر والانحطاط ونحو ذلك، حتى يغيروا ما بأنفسهم من الحالات الفكرية والروحية، التي تصدر عنها أفعال الإنسان وتصرفاته ومواقفه وعلاقاته في الحياة، فهناك تلازم حتمي بين النعم الموهوبة من عند الله تبارك وتعالى، وبين الحالات الداخلية الفكرية والروحية الراجعة إلى اختيار الإنسان، وأنها تتغير تبعاً لتغيرها. وعليه: بدون هذا الصلاح تفسد جميع المؤسسات وتبطل فاعلية الدساتير والقوانين الصالحة العادلة، وفي الحديث الشريف: «كيف يصلح غيره من لا يصلح نفسه»[5].

4. تفعيل الرقابة والمحاسبة؛ لأن غيابهما يشجّع حتى الصالحين ويغريهم مع التمكن والقوة على التجاوز والثواب، على قاعدة: «من أمن العقوبة أساء الأدب» وتفعيل الرقابة والمحاسبة في النظام السياسي، يتطلب أموراً عديدة، منها:

أ.   ضمان استقلال السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتمكينها دستورياً وعملياً من مراقبة بعضها بعضاً، ومحاسبتها وفق آليات دستورية واضحة ومحددة، وقد أثبتت التجارب العديدة التاريخية والمعاصرة، بأن السلطة التنفيذية هي التي تتغول عادة بسبب ما في يدها من أسباب القوة، المخابرات والأمن والجيش والأجهزة المدنية التنفيذية، وتفرض نفسها وهيمنتها على باقي السلطات، وتجبرها على تبعيتها، وربما تحولها إلى موجودات صورية لا فاعلية لها، ومن السلطة التنفيذية تخرج رؤوس الطواغيت والفراعنة والحكام المستبدين الظلمة، وعليه: يجب فرض الرقابة عليها والمحاسبة لها من قِبل السلطتين التشريعية والقضائية بشكل حازم جداً وفق آليات دستورية واضحة ومحددة، ومنعها من التغول وتجاوز حدودها وصلاحياتها الدستورية، وإفساد النظام السياسي برمته.

ب. بناء مؤسسات المجتمع المدني، ومنها: الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية المستقلة، ووسائل الإعلام الحرة المرئية والمسموعة والمقروءة، وضمان استقلالها التام عن السلطات الرسمية الثلاث، لتكون بإزائها وموازية لها، وتمارس الرقابة والضغط عليها وفضح أخطائها وتقصيرها.

ج. تفعيل الرقابة الشعبية على جميع مؤسسات الدولة الرسمية والأجهزة الحكومية، بضمان حرية الرأي والتعبير، وحرية الاحتجاج والتجمع، الكتابة والتواصل الاجتماعي عن طريق الشبكات الإلكترونية، الإنترنت والفيس بوك وغيرها، وفي الحديث الشريف: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل توزنوا»[6] والمحاسبة قسمان: محاسبة ذاتية للنفس، ومحاسبة الغير للشخص أو الطرف، وهما متكاملتان ومطلوبتان على المستويين الخاص والعام، والمحاسبة للغير على المستوى العام قسمين: رسمي وشعبي.

5. الاهتمام بالتنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، والاهتمام بالعلوم والتعليم والفنون والأدب والتكنولوجيا والتربية الروحية والأخلاقية، بالإضافة إلى الأمن الداخلي والخارجي لحماية الوطن والمواطن والمنجزات وليس للاعتداء على الحقوق والحريات وحماية السلكة وقمع المواطنين، وتترتب على توفير الشروط الخمسة نتائج مهمة عديدة، منها: العدالة الاجتماعية، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص بين الجميع، وإصلاح الأحوال والأوضاع العامة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتحقق الأمن والاستقرار وترشيد الإنفاق والاستهلاك، وتوفير فرص العمل العادلة وزيادة وتيرة التنمية الشاملة وتسارعها، وتحقيق الرخاء والرفاه للمواطنين والازدهار الشامل للوطن، قول الله تعالى: <وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا>[7] وقول الله تعالى: <وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إليهم مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ>[8] أي: لو أن العباد اتبعوا الأنبياء الكرام (عليه السلام)، وعملوا بشريعة الحق والعدل والفضيلة، واتخذوها منهجاً لهم في الحياة، واستقاموا على العمل بها، وعاشوا إخواناً متحابين متضامنين متعاونين فيما بينهم على البر والتقوى، لتحقق لهم الأمن والاستقرار وعم بينهم السلام الأهلي والعالمي، ولتوجه الانتاج بالكامل إلى السلم والتنمية وسد الحاجات وتيسرت لهم أسباب الرزق، وفتحت عليهم بركات الأرض والسماء، وعم الازدهار، ورفعت عنهم النقم، وظفروا براحة البال، ورغد العيش، وسعة الرزق، وعاشوا منعّمين مرفّهين، ونالوا التقدم والتطور، والقوة والهيبة والمناعة والمنافسة على الدرجات الأولى والمراتب العليا من المدنية والحضارة ونحو ذلك.

الجدير بالذكر: من الحمق والجهل والسفاهة البالغة أن تتقيد المعارضة بالعمل الرسمي وبالقوانين المقيدة للحريات في ظل الأنظمة الدكتاتورية والحكومات المستبدة الظالمة؛ لأن المؤسسات الصورية والقوانين المقيدة للحريات، وجدت أصلاً من أجل حماية الأنظمة الدكتاتورية والحكومات المستبدة وإدامة بقائها والقضاء على فرص تغييرها وإصلاحها، والتقيد بالعمل الرسمي وبالقوانين المقيدة للحريات من شأنه أن يرسّخ الدكتاتورية والاستبداد ويبطل مفعول المعارضة ويقضي على فرص الإصلاح ويحقق للدكتاتور والمستبد ما يريد حتماً.

وثمة سؤال مهم جداً: هل يتمتع المعصوم بسلطات مطلقة في الدولة الإسلامية؟

الجواب: البعض يقول نعم؛ لأن المعصوم مفوّض من الله سبحانه وتعالى، ولا يصدر منه الظلم والجور والحيف، ولا يفشل ولا يخيب في نفسه، وإن فشل بسبب غيره، ولا يتبع هواه ولا يعمل من أجل مصلحة نفسه، بل يعمل بما فيه الخير والصلاح والمصلحة للناس، فهو منزّه عن جميع الآفات التي يحذر منها الناس في السلطات المطلقة للحاكم، وقد جعل الله سبحانه وتعالى له ولاية التصرف في الأموال والأنفس، وولايته مقدمة على ولاية الناس على أنفسهم قول الله تعالى <النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ>[9] وذلك لتمام صلاح نفسه وكماله الإنساني المطلق، وتطابق إرادته مع إرادة الله سبحانه وتعالى، فلا يريد أبداً خلاف ما يريده الله (جل جلاله).

ويقول البعض: لا؛ لأنه لا يستمد سلطته من نفسه بل يستمدها من الله سبحانه وتعالى، وهو مقيد في عمله بإرادة الله سبحانه وتعالى وتشريعه، فلا يمكنه ولا يجوز له الخروج عليهما، وهو يطلب رضا الله ذي الجلال والاكرام عنه، قول الله تعالى: <وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ 44 لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين 45 ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ 46 فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ>[10] وقد أمره الله  (جل جلاله) بالتشاور مع المسلمين فيما يعود إليهم من أمور، قول الله تعالى: <وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ>[11].

في جميع الأحوال، الإرادة الإلهية وإرادة المعصوم متطابقتان، فلا يريد المعصوم خلاف ما يريده الله (عز وجل)، وهو معصوم فلا يصدر منه الظلم والجور والحيف، ولا يفشل ولا يخيب في نفسه، وفي زمنه لا يختلف المؤمنون معه حول صلاحياته، بل يسلمون له ويطيعونه فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويتبعونه فيما يريده منهم، فالاختلاف في موضوعه نظري، والقيمة العملية هي في بحث صلاحيات الولي الفقيه في الدولة الإسلامية في زمان الغيبة، وهو لا يتمتع بسلطات مطلقة في الدولة الإسلامية بحسب المفهوم الإصلاحي، أي: يجب أن نميز بين الصلاحيات الولائية الواسعة الممنوحة للولي الفقيه التي هي عينها للمعصوم كحاكم شرعي في الدولة الإسلامية، وبين السلطات المطلقة بالمعنى الحرفي وهو التعري عن كل قيد أو شرط أو حصر أو استثناء، ولا يتوقف على غيره، بل يعمل ويستمد سلطته من نفسه، وهذا لا يقول به أحد من المؤمنين حتى للمعصوم، رغم التسليم بالحالة الاستثنائية (العصمة) والصلاحيات الاستثنائية الممنوحة له من الله رب العالمين، وعلى هذا الأساس بُني الرأي القائل بنفي السلطات المطلقة عنه.


المصادر والمراجع

  • [1]. الكهف: 44
  • [2] الأنعام: 75
  • [3]. المائدة: 50
  • [4]. الرعد: 11
  • [5]. عيون الحكم والمواعظ، الليثي، صفحة 383
  • [6]. وسائل الشيعة، الحر العاملي، جزء 16، صفحة 99، باب وجوب محاسبة النفس كل يوم…، حديث21082
  • [7]. الجن: 16
  • [8]. المائدة: 66
  • [9]. الأحزاب: 6
  • [10]. الحاقة: 44-47
  • [11]. الشورى: 38
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك - الجزء الأول | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟