مواضيع

محورية الإنسان «هيومانيسم»

تمهيد

إنّ الإنسان المعاصر الذي يعيش الضياع والحيرة اتجاه مجموعة من الأفكار والمسائل المصيرية والتي لا يجد لها جواباً شافياً ومقنعاً، نجده في كل حينٍ من الزمان يأتي بفكرة عابثة أو أطروحة متناقضة أو فلسفة متهافتة!

ومن هذه الأطروحات البشرية «محورية الإنسان»، وقد تقدم الحديث عن هذه الأطروحة حيث تم عرضها وشرح المراد منها ومن ثم تم مناقشتها وردّها بالأدلة والبراهين.[1]

الرؤية الكونية والإيديولوجية

وما نضيفه في المقام[2] أنّ الحصول على الإيديولوجية الصحيحة والمنهج العملي الحق في الحياة، يتوقف على الرؤية الكونية الصحيحة، فإذا كانت الرؤية الكونية غير صحيحة ومنحرفة أو غير واضحة ومبهمة، وما دامت المسائل الأساسية – التي لا بُدّ أن يكون للرؤية الكونية جواباً فيها – لم تُحلّ بشكل صحيح، فإنّه لا أمل في الحصول على الإيديولوجية والمنهج العلمي المطلوب والذي يحقق السعادة والطمأنينة والأمان.

وبتعبير فلسفي: «ما دمنا لا نعرف ما هو موجود، فإنّنا لا نستطيع أن نعرف ما لا بد أن يُوجَد».

المسائل الأساسية للرؤية الكونية

  • معرفة المبدأ ومن أين جئنا؟
  • ومعرفة المنتهى إلى أين نحن ذاهبون؟
  • ومعرفة الطريق ما هو الطريق المستقيم إلى الغاية؟ ومن هو الدال عليه؟

هذه المسائل الثلاث تُمثّل أهم المسائل في الرؤية الكونية والتي يعبّر عنها علماء الإسلام بأصول الدّين، وهذه المسائل تحتاج إلى إجابات يقينيّة ومُقنعة.

رؤيتان كونيتان وإيدلوجيتان

إنّ النظام الإجتماعي يجب وضعه على أساس الإحاطة بجميع أبعاد الإنسان الوجودية، وذلك من خلال الالتفات إلى هدف الخلقة، ومعرفة العوامل التي تعين في الوصول إلى الهدف النهائي.

والعقول البشرية العادية لا تقدرعلى تشخيص «الطريق» الذي يوصل إلى «الهدف» النهائي الذي يوصل الإنسان إلى بر الأمان والسعادة في الدنيا والآخرة.

والوحي الإلهي المتمثل بالنبوة ومن خلال التشريعات الدينية يكون الطريق المستقيم الذي إن سلكه الإنسانُ وصل إلى الغاية المنشودة، والفقهاء والعلماء عندما يقومون بالبحث والاجتهاد العلمي، فهم في الواقع لا يأتون بقوانين من عندهم بل هم يبحثون عن حكم الله؟عز؟.

ويشخّصون إرادة الله؟عز؟ التشريعية ومنهجه للعائلة البشرية، وهذا المنهج على خلاف «المناهج الوضعية» والذي يتمثل في المقام بـ«الإتجاه الإنساني» الذي يقوم على أساس أنّ الإنسان هو الذي يخترع الطريق الذي يسلكه ويعبّد السكك بأهوائه ورغباته، من غير أن يرجع إلى الله؟عز؟ وإلى وحيه وتعليمات رسله.

والحاصل أنّ الذي يحمل الرؤية الكونية التوحيدية هو يعتقد بأن الله؟عز؟ هو الذي خلقه، وهو الذي يُميته، وهو الذي سيبعثه مرةً أخرى في الحياة الآخرة، والطريق الذي يحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة: هو طريق الوحي والنبوة وطاعة وامتثال أحكام السماء وطاعة الله؟عز؟، وعلى الإنسان البحث عن هذا الطريق وبعد معرفته لا بُدَّ أن يعمل به وبذلك تتحقق سعادته.

وأمّا الذي يحمل الرؤية الكونية الإلحادية: فهو منكرٌ للمبدأ ولا يؤمن بالمعاد والحياة الآخرة وبالتّبع لا يعتقد بالوحي والطريق الذي يوصِل إلى الهدف! فهو يبحث عن مصدرٍ آخر غير الله؟عز؟ فيجعل نفسه محوراً دون الله!

ويرفض منهج الأنبياء (عليهم السلام) وتعليمات السماء، فيأتي بالقوانين الوضعية التي ضلّ فيها وأضلّ البشرية.

والنتيجة أنّ البشرية اليوم تعيش التيه والضياع بسبب ابتعادها عن تعاليم السماء وتبنيها لقوانين الأرض، فوثقت بالإنسان وأعرضت عن رب الإنسان العالمِ بكل شيء مما يصلح الإنسان ومما يفسده!

وهكذا نجد المآسي في حياة «العالم الغربي» التي طالت حياته الفردية والأُسرية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية و…، كل ذلك بسبب الإعراض عن نهج الله؟عز؟، وطاعة الشيطان وقوانينه وتشريعاته.


-[1] تقدم في صفحة 39.

-[2] انظر المنهج الجديد في تعليم الفلسفة

المصدر
كتاب تأملات في الفكر السياسي | الشيخ زهير عاشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟