مواضيع

الديمقراطية

تمهيد

تعتبر مفردة «الديمقراطية» من أكثر المصطلحات تداولاً في هذه الأيام، ومن أكبرها شأناً في المداولات السياسية وغيرها، والديمقراطية هي تحفة الغرب التي أُريد لكل البشرية أن يتعاطوها، ويعاقبوا من لا يأخذ بها، واصفين الأنظمة التي لا تعمل بها بالأنظمة الديكتاتورية، والدول المتحضرة لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بالديمقراطية وما يلازمها من إفرازات تعتبر من مقتضياتها وإشعاعاتها وظلّ لوجودها، وتمثّل الديمقراطية أحد الأركان الركينة في الدولة المدنية.

ونحن نعرض معنى الديمقراطية، ثم نذكر رؤية الإسلام تجاهها، ونعقّب بذكر دور الشعب في الحكومة.

معنى الديمقراطية

إنّ الديمقراطية تعني: حاكمية الشعب؛ فبعد أن أثبتنا ضرورة وجود الحكومة، حيث أنّ الناس لا تقدر على العيش من دون وجود حكومة وجهاز تشريعي وآخر تنفيذي وثالث قضائي، يأتي الحديث عن الجهة التي تُشرّع وتحكم وتنفّذ.

فهؤلاء التزموا بأنّ حق التشريع وحق الحاكمية هو شأن من شؤون الإنسان، وأنّ المرجع فيه هو نفس الإنسان، فكل إنسان هو يحكم نفسه، وهو الذي يملك الحق لإصدار القوانين على نفسه.

ولكن باعتبار أنّ الإنسان مدني بالطبع ويحتاج لأن يتعايش مع الآخرين، فيستفيد من النّاس ويستفيدون منه، فعندها مسّت الحاجة لوجود الحكومة ووجود القوانين ووجود المنفّذين والحاكمين.

وباعتبار أنّ الإنسان هو صاحب الحقّ الأصيل؛ فإنّه هو القادر على أن يمنح الغير مثل هذا الحقّ؛ فإذا أراد النّاس حاكماً يحكمهم اجتمعوا وصوّتوا، فمن كانت الأصوات الغالبية معه كان حاكماً.

وكذلك من يصوّت له الناس في المجالس التشريعية فإنّه يكون مخوّلاً من قبل الشعب لإصدار القوانين.

والحاصل أنّ ممارسة الناس لحقهم – في الحكومة والتشريع – يتجسّد من خلال الديمقراطية، حيث يكون الشعب حاكماً على نفسه ومحققاً لسعادته ورفاهه من خلال هذه الآلية التي انتجتها العقول الغربية. وأيّ طرح غير هذا يعني استحواذ البعض على مقاليد الحكم بالغصب والقوة، والتسلّط على الرقاب بغير وجه عقلائي، وهو معني «الديكتاتورية» المرفوضة عند كلّ الأمم والشعوب.

نقد الديمقراطية

بعد اتضاح معنى الديمقراطية التي تعني حاكمية الشعب، نذكر مجموعة من الملاحظات والاشكالات عليها:

أولاً: إنّ القول بالديمقراطية لا يقوم على أساسٍ فلسفي وعلمي متين؛ فمن أين ملك الإنسانُ الحقّ في الحاكمية أو الحقّ في التشريع؟ ومن أين ملك الحق في إعطاء هذا الحق إلى الغير؟ وقد تقدم منّا: أنّ هذا الحق – في الحاكمية والتشريع – هو حق خاص بالله تعالى، وهو الذي يملك الحق في إعطاء هذا الحق لمن يشاء، فراجع ما ذكرناه قبل ذلك[1].

ثانياً: إنّ القول بالديمقراطية يواجه إشكالية عويصة لم تُحلّ إلى الآن وحاصلها: أنّه يكفي في الديمقراطية نسبة (51%) ليكون الشخص حاكماً على البلاد، والسؤال: إذا كان أصحاب نسبة (51%) قد انتخبوا فلاناً رئيساً، فهذا يعني أنّهم خوّلوه وأعطوه حقهم في الحاكمية والتشريع، ولكن ماذا يكون حال أصحاب نسبة (49%) الذين لم يخوّلوه في الحكم ولم يجعلوه حاكماً من طرفهم ولم يعطوه حقّهم في الحاكمية والتشريع؟! ألا يُعتبر هذا الحاكم ديمقراطياً لأصحاب نسبة ( 51% ) وديكتاتورياً لأصحاب نسبة ( 49% )؟!

ثالثاً: إنّ الديمقراطية لا يمكن الركون إليها والثّقة بها لوصول الأشخاص الأكفاء الذين يعتمد عليهم لتحقيق رفاه الناس وسعادتهم، فلا نصل من خلال الديمقراطية إلى الهدف الذي على أساسه آمن الناس بها، ونعني بالهدف: أن يصل الناسُ إلى سعادتهم بأن يعيشوا حياةً كريمة وآمنة.

والسرّ في ذلك أن الديمقراطية سُلّمٌ لأصحاب الثراء والإعلام وأصحاب الدهاء في المجتمع، حيث أنّهم يوظّفون كلّ إمكانياتهم للوصول إلى سدّة الحكم، ومن ثم يحصلون على ما يريدون على حساب مصالح النّاس، كما نشاهد ذلك اليوم في الدول الديمقراطية.

وأمّا أصحاب الكفاءات والخبرة والأمانة، والذين غالباً ما يكونون من الطبقات الفقيرة أو المتوسطة، وهي الأقدر على خدمة الناس، فإنّهم لا يقدرون على مجاراة أموال الأثرياء، ولا مجابهة إعلام الأغنياء، ولا كشف ألاعيب الدهاة.

والنّاس خلف المال ينخدعون، ووراء الإعلام يُضلَّلون، وبالخدع والأضاليل يتيهون، فينتخبون بإرادتهم من يضرّهم ولا ينفعهم، ومن يسرقهم ويجعلهم يعيشون الفقر والحرمان، كل ذلك بأيديهم وباختيارهم!

رابعاً: إنّ الديمقراطية ليست بطريق يملك القداسة بذاته، بل بما تحققه من غايات، والديمقراطية – التي تمثّل أصوات الغالبية – لا تكون مصيبة للواقع دائماً، فهل كثرة الأصوات دليل على حقّانية رأيهم، وقلّة الأصوات دليل على خطأهم؟ وهل المدار في أصابة الواقع على الكثرة؟ أم أن هناك أموراً أخرى لها دخل في إصابة الحق؟

مثلاً: لو اضطرّ شخصٌ لأن يُقدِم على علمية جراحية خطيرة، وتحيرّ بين بتر العضو كاملاً أو استئصال جزء منه فقط، فلو أجمع كُلّ الحدادين مع المزارعين والمهندسين على بتر العضو، وفي القبال قال الطبيب البروفسور المتخصص في هذا الفرع أن اللازم هو استئصال جزء من العضو، فَمن المُتبَّع في المقام: أصحاب الأصوات الغالبة؟ أم أصحاب التخصص فنرجع إلى الطبيب؟!

وعليه فإذا أقيمت الانتخابات وصوّت العوام – من الرجال والنّساء – على شخصٍ للرئاسة، وكانت أصواتهم هي الغالبة، وفي القبال صوّت الخواص على شخصٍ آخر، وكانت أصواتهم هي الأقل، فهل من العقلانية تقديم العوام على الخواص حتى نقدم مرشح العوام على مرشح الخواص؟!

الإسلام والديمقراطية

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا:

إنّ الإسلام لا يُؤمن بهذا الطرح الغربي للديمقراطية، فلا يرى فيها المسوّغ الشّرعي ولا المبرر العقلائي لاتّباعها والعمل بها، بل يراها تتصادم مع اعتقاده ومع ما يحقق السعادة.

فالإسلام يرى أن صاحب الحق في الحاكمية هو الله عز وجل، وهو يعطيه من يشاء من عباده، وقد أعطاه للأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، والفقهاء في زمن الغيبة.

<إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ>[2] والنّاس لا تملك حق الحاكمية، كما أنّها لا تملك إعطاء هذا الحق إلى الغير من خلال التصويت والانتخابات.

وفي زمن الغيبة فإنّ الفقهاء هم الذين يملكون مثل هذه الصلاحية واستنباط واستخراج الأحكام من منابعها ومصادرها الشرعية والدّينية.

والإسلام يرى أنّ صاحب الحق في التشريع هو الله تعالى، وأيّ حكم يؤتى به من غير إرادة الله تعالى فهو كفر وظلم وفسق <وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ>[3]، <وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ>[4]، <وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ>[5].

والإسلام من خلال أطروحته السياسية تمكّن من حلّ المعضلة التي ما تمكّن الغرب من حلّها؛ وذلك لأنّ الإسلام يرى بأنّ الله تعالى هو الحاكم بالذّات، فإذا نصّب الله عز وجل أحداً – مباشرةً أو بالواسطة – فإنّه يكون حاكماً على النّاس. وما دام حق الحاكمية هو حق خاص بالله عز وجل وبمن نصّبه حاكماً، فلا مورد للإشكال السابق حيث ينتفي من جذوره: لأنّنا لا نعتقد بحق ثابت للإنسان حتى نُشكِل بأنه لم يُعطِهِ لأحد، بل الحق ثابتٌ لله تعالى ولمن نصّبه حاكماً.

والإسلام يرى طريق النصّ كما في الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، فلا مجال لوصول الفاسدين إلى سدّة الحكم، كما أنّ الإسلام قد نصّب الفقهاء كحكّام على النّاس، وذلك إذا استجمعوا الشروط، من فقاهة وعدالة وبصيرة بالأمور ومتغيرات الزمان.

فيندر أن يقع الخلل ويتسلّط على الرّقاب فقيه عادل بصير يجرُّ الشعب إلى الضياع والتّيه في معاشهم ومعادهم.

هذا مع وجود آلية لعزل «القائد الفقيه» على فرض عدم كفاءته أو وجود من هو أفضل منه أو…، وذلك من خلال مجلس كـ«مجلس الخبراء».

الديمقراطية المقبولة

نعم، إنّ المعنى الذي نقبله ولا نعارضه من الديمقراطية، هو كون الديمقراطية طريقاً لإصابة الحق والوصول إليه، لا بمعنى أنّ غالبية الأصوات هي المدار في إصابة الحق، بل بمعنى: أن كثرة الأصوات قد تكون علامة ودليلاً وكاشفاً لإصابة الحقّ.

ومثال ذلك أن يجتمع خمسة أطباء متساوين في الخبرة والمستوى العلمي ويقع الخلاف بينهم اتجاه تشخيص طبّي، فأربعة منهم يرى تشخيصاً، والشخص الخامس يرى تشخيصاً آخر، فما هو العمل: فهل نعمل بتشخيص الأربعة أم بتشخيص الخامس منهم؟!

والجواب: إنّ العمل بتشخيص الأربعة هو الموجِب للإطمئنان بصوابية رأيهم والعمل به، فمثل هذه الكثرة قد تكون دليلاً وكاشفاً عن إصابة الحقّ، والحقّ أحق بالاتباع، فلا نرى للأكثرية أيّ قيمة إلا بما هي كاشفة عن الحق وإصابة الواقع.

الشورى في الإسلام

ومفردة«الشورى» أقرب إلى الطرح الإسلامي من مفردة «الديمقراطية»، لا بلحاظ اللغة فحسب بل بما تحمله كلّ مفردةٍ من تبعات لا محل لذكرها الآن.

وفي الإسلام ترغيب للتشاور والمشاورة فـ«مَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا»[6] و«أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله»[7]

فالتجربة تُثبت أنّ تلاقح الأفكار واجتماع العقول وتبادل الآراء تكون في الغالب أكثر في إصابة الحق والواقع من الرأي الفردي والعقل الواحد.

والحاصل أنّ الشورى لا تملك قيمة مستقلة إلا بمقدار كاشفيتها عن الحق وإصابة الواقع وهو المطلوب.

دور الشعب في الحكومة

وهناك دور هام «لآراء الشعب» يُعتبر في «النظرية السياسية الإسلامية» القيمة المعتبرة في بناء الحكومة وهو يتمثّل بإعطاء القوّة والفعلية للحكومة لا إضفاء الشرعية والاعتبار.

وبيان ذلك أنّنا نعتقد بأن «الشعب» لا يُضفي الشرعية على الحكومة والحاكم، بل الشرعية تحصل من قبل الله عز وجل، كما تقدم مراراً.

نعم، للشّعب دور في إضفاء القوّة والعينية والتحقق الخارجي للحكومة؛ فإذا صوّت الشّعب إلى حاكمٍ، فإنّهم سيقفون معه ويكونون سنداً لحكومته، فلو كان الحاكم شرعياً، ولكنّ الأمّة لم تقف معه ولم تسانده، فما هي الفائدة العملية والخارجية للشرعية التي يتمتع بها.

فالإمام علي (ع) كان حاكماً شرعياً من قبل السماء، ولكن وبعد وفاة الرسول الأعظم (ص) لم تقف الأمّة معه ولم تبايعه فبقي حاكماً شرعياً، ولكن هذه الشرعية لم تُفعّل ولم تتحقق خارجاً، وبعد مرور 25 عاماً وعندما جاءت الأمّة وبايعته وصار حاكماً على المسلمين، فإنّ الأمّة لم تعطه الشرعية، بل أعطته الفعلية والعينية والتحقق الخارجي.

والحاصل أنّ الشّعب له دور في إضفاء القوّة للحكومة والحاكم، لا إعطاء الشرعية؛ لأنّ الشرعية يحصل عليها الحاكم من الله عز وجل والأمّة مطالبةٌ بأن تقف مع هذا الحاكم.

الأهداف الاستعمارية من أطروحة الديمقراطية

إنّ المستعمر الغربي الذي لا همّ له إلا نهب الشعوب وسرقة مقدرات البلدان، والذي قام بالقتل والتعذيب والتغريب عندما سيطر على بلداننا في فترة الاستعمار، وجد نفسه في الأزمان الأخيرة لا يقدر أن يسيطر على بلداننا تحت طائلة الاستعمار، خصوصاً بعد أن واجه مقاومة الشعوب التي كبّدته الخسائر وأذاقته مذلة الانهزام مرات ومرات.

ولذا فإنّ الغرب غيّر أسلوبه في الاستعمار، وبدّل منهجه في السيطرة على الشعوب والأوطان؛ فبعد «الحرب العسكرية» والغزو العسكري القائم على القتل وهدم البيوت على أهلها وغيرها من الأساليب، وإذا به اليوم ينتهج الحرب الفكرية «الغزو الثقافي» القائم على قتل العقول وذبح النّفوس والأرواح على مسالخ الملذات والشهوات.

والديمقراطية، هذه المفردة الفضاضة الغائمة كانت وسيلة للوصول إلى أهدافهم، وسيفاً قاطعاً سُلّط على الأمة الإسلامية ليشطّرها أشطاراً ويقسّمها لقمة سائغة تملأ أكراش فراعنة الغرب.

والديمقراطية، هي الخيار والبديل القادم الذي يسعى الغرب لتمكينه في الأمة الإسلامية؛ فبعد «الاستعمار» جعلوا على رقاب الشعوب هذه «الأنظمة الديكتاتورية» العملية للغرب! وهي الآن تُعِدُّ العدة لإبدال هذه الأنظمة الديكتاتورية – التي ستسقط بمقاومة الشعوب – بأنظمة ديكتاتورية أخرى، وتمكين أفرادٍ بنوهم فكرياً وروحياً من متغربين آمنوا بالغرب إلهاً يُعبد من دون الله تعالى!

هؤلاء العملاء والمتغربين هم الذين سيحلّون محل الحكام السابقين ليحققوا أطماع الأسياد الغربيين، وبذلك تستمر هيمنة الغرب على الأمة الإسلامية!

المصدر
كتاب تأملات في الفكر السياسي | الشيخ زهير عاشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟