مواضيع

اذخار العمل الصالح والشحّ بالنفس

من كتاب عهد الأمير للمسؤول والمدير للإمام الخامنئي

يقول: «فَليَكُن أَحَبَّ الذَّخائِرِ إِلَيكَ ذَخیرَةُ العَمَلِ الصّالِحِ». عليك أن لا تفكّر، باستلامك لهذه المسؤوليّة، بالتكديس لمستقبلك – من أموال وإمكانات مادّيّة وبيوت وغيرها – وأن لا تقول إنّك تدّخر هذه الأمور إلى ذلك اليوم الّذي ستُكفّ يدك فيه عن هذه الإدارة أو القدرة فتستفيد منها آنذاك. إنّ المنصب والمسؤوليّة الّتي يمكن أن نحصل عليها لاحقاً بسبب استلامنا لهذه المسؤوليّة هي أيضاً تعتبر من المدّخرات؛ ولقد سمعت أنّ بعض مسؤولي دول العالم المختلفة، يقوم بالمفاوضات بالنّسبة للمنصب الّذي سيستلمه في الشّركة أو المنظّمة الفلانيّة أو المركز التّجاري العالمي الفلاني، وهو ما زال لم يترك منصبه ذاك، يتمّ توقيع العقد وهو ما زال في فترة رئاسته للجمهوريّة أو استلامه للوزارة. ويستفيد البعض من الوثائق والمستندات التي يدّخرونها! إحدى الأمور الّتي لا أوافق عليها كثيراً هي أن يقوم الشّخص في فترة مسؤوليّته، باستغلال الوقت القليل والمحدود الّذي لديه – الّذي لو صرفه كلّه أيضاً قد ينجز ما عليه من أعمال – فيكمل دراسته لكي يأخذ مثلاً شهادة الدّكتوراه ويستفيد منها بعد انتهاء فترة مسؤوليّته! إنّ كلّ هذه مدّخرات يُهيّؤها الأشخاص الضّعاف والصّغار لأنفسهم في فترة مسؤوليّتهم. يقول أمير المؤمنين (ع) لمالك الأشتر: لا تدّخر هذه الأمور؛ ولتكن أحبّ المدّخرات في نظرك هي ادّخار العمل الصّالح. وليكن شعورك، عند انتهاء فترة مسؤوليّتك، أنّك قد ادّخرت لنفسك هذا العمل الصّالح الّذي تستفيد منه أمام الله وفي محكمة العدل الإلهيّة، وكذلك في أعين النّاس.
وليس صحيحاً أنّ النّاس لن تعرف بالأعمال الّتي نقوم بها والآثار الّتي تترتّب على وجودنا. وعلى فرض أنّهم لم يعرفوا لعدّة أيّام، فإنّهم في النّهاية سيعرفون. وليس صحيحاً أنّ العمل الصّالح يذهب ويفنى؛ كلّا، ففي النّهاية سيكون معروفاً ويكشف عن نفسه. إنّ الأقوال الخالية والكلام الدّعائي الموجود في كلّ العالم، ومن ضمنها بلدنا، هي مثل الأعاصير والرّياح والأشياء السّريعة الزّوال؛ لا تبقى؛ <فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ> إنّ العمل الصّالح الّذي فعلتموه – الّذي يجلب الفائدة – سيبقى وسيُعرف أيضاً. وإذا كان أمير المؤمنين قد قبل الحكم والسّلطة وسعى بجدٍّ وراء الوظائف الحكوميّة، فقد كان هذا الأمر هو السّبب. 20/12/2000
«فَليَكُن أَحَبَّ الذَّخائِرِ إِلَيكَ ذَخیرَةُ العَمَلِ الصّالِحِ». فليس من الضّرورة أن تدّخر الأموال والإمكانات المادّيّة. بالطّبع هو لا يقول: «لا تدّخر»؛ بل يقول أن لا تكون مرغوبة ومحبوبة. إنّ أفضل ما تدّخره يجب أن يكون العمل الصّالح.
ومن ثمّ يقول: «فَاملِك هَواكَ» عليك أن تلجم هواك وشهواتك وتروّضها وتتحكّم بها. «وَشُحَّ بِنَفسِكَ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ» الشّح: يعني البخل؛ بالطّبع فإنّ العرب لديهم كلمة البخل، ولكنّ الشّح هو شيئ أكثر من البخل. البخل هو أن لا يريد الإنسان أن يعطي شيئاً لأحد؛ ولكنّه حين لا يكون يريد أن يعطيه لأحد ويكون أيضاً متعلّقاً به بشدّة؛ فإنّهم يطلقون على هذا كلمة «الشّح»، فهي تركيب بين البخل والحرص. وآية <وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ> هي أيضاً بهذا المعنى. فإنّه (ع) يقول إنّ عليك أن تكون شحيحاً بنفسك؛ أي أن تحفظ نفسك بالبخل والحرص. ممّا؟ «عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ» فلا تضع ما هو ليس حلال لك في متناولها. فمعنى الشّح بالنّفس وحفظ النّفس بالحرص والبخل هو هذا. حقيقته هكذا.
«فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفسِ‏ الإنصافُ مِنها فيما أَحَبَّت أَو كَرِهَت» إنّ حفظ النّفس بحرص وبخل بأن لا يسمح الإنسان لها أن تضيع وتفنى، وإنّ حفاظه على هويّته، هو عبر إنصاف الإنسان لنفسه؛ في الأشياء الّتي تحبّها، وكذلك في الأشياء الّتي تكرهها. يعني أن لا يعطيها كلّ ما تحبّه، وأن لا يبعدها عن كلّ ما تكرهه. فإنّ هذا ليس الشّحّ بالنّفس، بل يجب أن يتعامل معها بإنصاف وعدل، فيعطيها ما تحتاجه وهو خير لها وفي صالحها، وهو ما حلّله الله لها، وأن لا يعطيها ما هو مضرّ لها، وهو ما حرّمه الله عليها. هذا هو معنى الشّحّ بالنّفس.
بالطّبع فإنّ هذا المضمون قد جاء أيضاً في روايات أخرى حيث أذكر أنّني رأيته في كلام للإمام السّجّاد سلام الله عليه. كما ورأيت حديثاً منقولاً عن أمير المؤمنين (ع) يقول فيه: «أَلَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّمَاظَةَ لِأَهْلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا» أي ألا يوجد حرّ يترك شهوات الدّنيا ومتطلّباتها إلى أهلها؟ إنّ ثمن أنفسكم هو الجنّة فقط، لا شيء آخر. يعني أنّه لو كان على الإنسان أن يبيع هذه النّفس، فعليه أن ينال في مقابلها الجنّة ولا شيء آخر. لا تبيعوا هذه النّفس بغير الجنّة. إنّ بيع النّفس يكون أحياناً بمعنى الذّل وتحقير النّفس وقبول الأمور الحقيرة – الّتي هي أقلّ من الجنّة. بالطّبع فإنّه مهما كان، فإنّه أقلّ من الجنّة. إنّ أيّ حاجة، مهما كان حجمها، لا تستحقّ أن يذلّ الإنسان نفسه ويحقّرها من أجلها، فإنّ إذلال النّفس أيضاً حرام في الشّرع. هناك تصريح في الرّوايات أنّ المؤمن يمكنه أن يفعل كلّ شيء بنفسه، إلّا أن يُذلّها. أحياناً يكون الأمر هكذا، وأحياناً يكون بإيقاع النّفس في المعاصي وهذا هو عينه بيع النّفس وخسارتها. 11/01/1998

المصدر
كتاب عهد الأمير للمسؤول والمدير | الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟