مواضيع

بناء النفس

من كتاب عهد الأمير للمسؤول والمدير للإمام الخامنئي

لقد ذهب مالك إلى مصر كي يهتمّ بأمور المنطقة، فهل يكون أوّل أمر يوصيه به (ع) مرتبطاً بشؤون العمل؟ كلّا، لم يكن مرتبطاً بشؤون العمل، بل مرتبطاً به نفسه. في الواقع إنّ الأصل هو أنّنا إذا أردنا بناء النّاس والدّولة، فعلينا أوّلاً بناء أنفسنا. لم يقل أمير المؤمنين (ع) لمالك في الوهلة الأولى أن يقوم مثلاً بالتّعامل مع النّاس بالشّكل الفلاني. بل بادر إلى تعليمه فن العمل والحكم. فبدأ منه أوّلاً، وقال: «أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ» فإنّني عند إرسالك إلى مصر، آمرك أوّلاً أن يكون عندك تقوى. والتّقوى تعني أن تحذر الله وأن تستحضره. إنّ «الحذر» كلمة جيّدة. والاحتماء، والّتي ما زالت مستعملة في اللّغة الفارسيّة منذ القدم، أيضاً كلمة جيّدة. لقد كنّا لسنوات نتحسّس بشدّة من هذه الكلمة، وكنّا نقول أنّ استعمالها خاطئ، ولكن بعد أن فكّرنا فيها، رأينا أنّه كلّا؛ إنّ الاحتماء هو للإنصاف اختيار صحيح. بالطّبع لربّما كان «الحذر» يؤدّي معنى أكمل، ولكنّ الاحتماء كذلك ليس معنى خاطئاً. والاحتماء لا يعني الاجتناب. إنّ الاحتماء يعني المراقبة. والمحتمون تعني أهل المراقبة، وفي الواقع إنّ الإحتماء هو نوع من الحذر؛ والمراقبة هي نفسها الحذر. على كلّ، فإنّ الحذر هو معنى مناسب للتّقوى. فلتحذر الله. ولتكن متنبّهاً إلى أنّ الله موجود. وهذا هو المقصود من التّقوى الإلهيّة. وعلى الإنسان، عند أيّ أمر يريد فعله أو أيّ أمر يريد تركه، أن يعلم أنّ الله يراقبه ويحيط علماً بكلّ أفعاله. وهذا هو نفس قول الإمام (ق) في أحد خطاباته: «اعلموا أنّكم في محضر الله»، ولقد كان هذا مهمّاً جدّاً. وهذا في الواقع تعبير آخر عن التّقوى الإلهيّة. أن يكون الإنسان مراقباً لنفسه دائماً وأن يقول في داخله: أنا وأتكلّم الآن، الله يراقبني؛ فعليّ أن أنتبه أن لا أجعل نفسي عرضة للغضب والإعراض الإلهيّ؛ هذه هي التّقوى الإلهيّة. 11/01/1998
إنّ أساس عملي أنا وأنتم هو التّقوى. هذا يعني أنّ كلّ الأعمال الّتي نريد القيام بها والّتي هي بعهدتنا – والّتي هي أعمال كبيرة وصعبة جدّاً – لا يمكن أن تتحقّق من دون التّقوى. فإذا لم نتحلّ بالتّقوى، لن يكون بمقدورنا إنجازها. بالطّبع، فإنّه من البديهيّ أنّ التّقوى هي شرط لازم للكثير من الأعمال الدّنيويّة والإداريّة، ولكنّها ليست شرطاً كافياً؛ ولكنّ متى ما فُقدت التّقوى، فإنّ تأثير هذا الأمر السّلبيّ سيكون واضحاً؛ ومتى ما وُجدت التّقوى، سنشاهد آثارها الإيجابيّة؛ وهذا هو السّبب في أن يخاطب أمير المؤمنين (ع) مالك في أوّل رسالته «اَمَرَهُ بِتَقوَى اللهِ». فإنّه من دون التّقوى لن ينمو أيّ جذع شجرة؛ وهذا التّعبير أيضاً موجود في نهج البلاغة؛ أي من دون التّقوى، لا يتمّ أيّ عمل. إذا لم يكن هناك حذر من الله، ولم يعتنِ الإنسان بالتّقوى في وظيفته الإلهيّة ولم يحذر من الغضب الإلهيّ، فإنّ هذه الأعمال لن تتمّ بسهولة وبالشّكل الصّحيح.
ولذا فإنّكم وفي اختياركم للأشخاص، عليكم أن تراعوا التّقوى. وبالطّبع فإنّني حين أقول أن تراعوا التّقوى، فإنّ هذا لا يعني أن لا تراعوا المؤهّلات الأخرى؛ كلّا، وإنّ هذا القول هو قول غير منطقيّ أبداً ولا معنى له ولا يقوله أحد. ولكنّ الكلام يدور حول الإنسان الذي يتمتع بالمؤهّلات الأخرى، والأمر يدور بين شخص تقيّ وشخص آخر غير تقيّ، فعلينا أن نترك غير التقيّ جانباً ونختار التّقيّ، وإلّا فإنّ من ليس لديه المؤهّلات، لا يمكنه أن ينجز عملاً. ومن البديهيّ أنّ الطّبيب التّقيّ مفيد أكثر من الطّبيب غير التقيّ. وهذا لا يعني إذا كان يوجد شخص لا يعرف الطّبابة ولكنّه تقيّ، أن نأتي به ليعاين المريض؛ لا يتفوّه أحد بكلامٍ كهذا؛ هذا واضح.
يفصّل (ع) في هذه الرّسالة في نماذج التّقوى: «وَإیثارِ طاعَتِهِ» فيؤثر طاعة الله على طاعة النّاس. وهذا بنفسه مثالٌ عظيمٌ على التّقوى، بأن يقوم الإنسان دائماً بترجيح طاعة الله على طاعة عباد الله والأمور الأخرى الشّخصيّة والفرديّة والعائليّة والاجتماعيّة والسّياسيّة.
«وَإتِّباعِ ما أَمَرَ بِهِ في كِتابِهِ» فعليك أن تقوم بجميع الواجبات الموجودة في القرآن والسّنّة؛ وهذا يعني أن لا تتغاضى عن إحدى الواجبات الإلهيّة أو المحرّمات الإلهيّة من أجل مصلحة ما. فإنّه لا يوجد أيّ مرجّح لأيّ مصلحة على الواجبات. بالطّبع يوجد لدينا أحكام دينيّة ثانويّة والّتي لها مكانها وهي أمور واضحة؛ لكنّ الأصل والأساس يجب أن يكون في تنفيذ الأحكام والواجبات الإلهيّة. 20/12/2000
وبالطّبع فإنّ التّعبير بـ«الكتاب» في «وَإتِّباعِ ما أَمَرَ بِهِ في كِتابِهِ» وفي الكثير من الأماكن الأخرى؛ حتّى في الكثير من التّعابير القرآنيّة، لا يعني نفس الكتاب، بل ما كتب الله. نحن نبحث في هذا الأمر في بعض الأبحاث في الفقه، هل المراد من الكتاب هو كلّه؟ أي ما هو مكتوب في القرآن، إذ يسأل بعض الأشخاص، ما الآية الّتي دلّت على الحكم الفلاني؟ كلّا، ليس هذا هو المراد. ما كتب الله تعني ما كتب الله. 11/01/1998
«مِن فَرائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتي لا يَسعَدُ أَحَدٌ إِلّا بِإتِّباعِها وَلا يَشقَى إِلّا مَعَ جُحودِها وَإِضاعَتِها» فالله تعالى قد أمر أن لا يستطيع أحد أن يؤمّن سعادة المجتمع أو سعادته الخاصّة إلّا عبر اتّباع الأحكام الإلهيّة. وإذا أردنا تشبيه التّقوى الإلهيّة بقصيدة ما، فسيكون أحد أبياتها البارزة هو ترجيح طاعة الله على طاعة الآخرين. 20/12/2000
«مِن فَرائِضِهِ وَسُنَنِهِ» فإنّ الأمور الّتي جاءت في كتاب الله بمعنى «ما كَتَبَ الله» هي الفرائض وكذلك السّنن. فالسّنن هي أيضاً «ما كَتَبَ الله»؛ أي أنّ السّنن هي أيضاً أمر قد كتبه الله علينا؛ ولكنّه لم يجعلها واجبة علينا. لا يجب أن يظنّ الإنسان أنّ السّنن والأمور الّتي نعبّر عنها بالمستحبّات والنّوافل هي أمور متروكة. كلّا؛ هي تبقى كما الواجب، كما وقد كان الكثير منها واجبة على النّبيّ (ص). فقد ورد في بعض رواياتنا أنّ نافلة اللّيل مثلاً كانت واجبة على النّبيّ (ص). أو كما ورد في سورة المزّمّل: <قُمِ اللَّيلَ اِلّا قَليلاً 2 نِصفَهُ اَوِ انقُص مِنهُ قَليلاً 3 أَو زِد عَلَيهِ وَرَتِّلِ القُرءانَ تَرتيلاً> ومن ثمّ يقول: <إنّا سَنُلقِى عَلَيكَ قَولاً ثَقيلاً> وكأنّ هذا القول الثّقيل هو ظاهرة أو حادثة تحتاج إلى تلك المقدّمات والمؤهّلات الفلانيّة. فعليك أن تجهّز نفسك لذلك القول الثّقيل والطّريق إلى ذلك هو أنّه عليك أن تقوم الّليل. وفقاً لما يظهر لي من هذه الآية، فإنّ الغرض هو هذا. ولكنّني لا أعلم إذا كان قد ورد هذا في الرّوايات أم لا.
ومن ثمّ يقول: «اَلَّتي لا يسعَدُ أَحَدٌ إِلّا بِإتِّباعِها» فلن يسعد أيّ شخص إلّا عبر اتّباع هذه الفرائض والسّنن؛ أي لن يكون هناك أيّ سعادة لأيّ شخص إلّا عبر اتّباع الفرائض والسّنن.
«وَلا يَشقَى إِلّا مَعَ جُحودِها وَإِضاعَتِها» ولا يأتي على الإنسان أيّ شقاء إلّا بإنكار الفرائض والسّنن أو إضاعتها. ويكون الإنكار من الكفّار وعديمي الإيمان؛ وإضاعتها من قبل المؤمنين والمنتمين، ولكنّهم يضيّعون الحدود الإلهيّة. وإذا حصل هذا الأمر، فسيحلّ الشّقاء والبؤس.
وهناك أمر آخر وهو: «وَأَن يَنصُرَ اللهَ سُبحانَهُ بِقَلبِهِ وَيَدِهِ وَلِسانِهِ» وهذا يعني أنّ نصرة الله واجبة حتّى في مرحلة القلب. ماذا تعني نصرة الله في مرحلة القلب؟ علينا أوّلاً أن نعرف أنّ نصرة الله تعني نصرة دين الله، ونصرة سبيل الله ونصرة القيم الإلهيّة. على هذا، كيف يمكن أن ينصر الإنسان الله بقلبه؟ والعدوّ أيّ عدوّ؟ لأنّ النّصرة تعني نصر شيء على شيء. فمن هو العدوّ الّذي سنغلبه بقلوبنا ونسمّي هذا الأمر النّصرة القلبيّة؟ إنّ هذا العدوّ في الواقع هو الأهواء والميول والانحرافات الّتي هي في داخلنا، وهي الّتي علينا أن نتغلّب عليها. وهذه النّصرة هي أعلى مراتب النّصرة. فإنّنا إذا لم ننصر الله في هذه المرحلة وخذلناه – بناء لتعبير النّصرة، فإنّه إذا صحّ استعمال كلمة «النّصرة» مع الله، فإنّ الخذلان يصحّ أيضاً – إذا لم ننصر الله هنا، فلن يكون من الممكن أبداً أن ننصر الله في مرحلة اليد واللّسان. فإنّنا سننصر الله بيدنا ولساننا بعد أن نكون قد نصرناه في قلوبنا، وأوجدنا في القلب ذلك الدّافع القويّ. 11/01/1998
وأينما شعرت أنّ الجبهة الإلهيّة والأهداف الإلهيّة تحتاج إلى مساعدتك، عليك أن تفعل هذا الأمر حتماً. أوّلاً عليك أن توافق بقلبك، ومن ثمّ تستخدم يدك وبعدها لسانك.
في الأمر بالمعروف، المرحلة قبل العمل هي قلب الإنسان. فإذا أراد الإنسان بصدق أن يأمر بالمعروف، فعليه أن يكون عاقداً قلبه على ذلك المعروف، وإلّا فلن يكون صادقاً فيه. وهنا أيضاً كذلك الأمر؛ فإذا كانت نصرة الله فقط بالّلسان – ولم يكن القلب موافقاً – فهذا لا يكفي. إذا لم يكن القلب موافقاً، يصبح العمل رياءً، وخالياً من المضمون، وفارغاً، وظاهريّاً ومعدوم البركة؛ وفي الخارج أيضاً لن يكون له تأثير؛ ولذا يجب أن يبدأ العمل من القلب ومن ثمّ يتمّ تنفيذه باليد وبعدها باللّسان. 20/12/2000
آنذاك يقول (ع): «فَإِنَّهُ جَلَّ اسمُهُ قَد تَكَفَّلَ بِنَصرِ مَن نَصَرَهُ وَإِعزازِ مَن أَعَزَّهُ» 11/01/1998
وليس هناك ما هو أهمّ بالنّسبة لكم من أن تُنصروا؛ وهل هناك ناصر أفضل من الله؟ إذا نصرك الله فستجتاز المشكلات؛ يمكنكم أن تعبروا أضيق المعابر، ولن تقف في وجهكم العوائق وستتغلّبون عليها. وبعد هاتين المسألتين فوراً، أي اتّباع الأمر والنّهي الإلهيّين والنّصرة الإلهيّة، يقول: «وَأَمَرَهُ أَن يَكسِرَ نَفسَهُ مِنَ الشَّهَواتِ» أي أن يتحكّم في شهوته. إنّ المسؤول عن عدد من النّاس لا يمكنه أن يكون أسيراً لشهوته وغضبه، ويجب أن لا تهزّه تلك الميول والشّهوات والاغراءات الطبيعيّة بسهولة، وهي الّتي تجعل الإنسان العاديّ كالسّفينة تتقاذفه الأمواج من جهة إلى أخرى. ولذا فلا بدّ أن يكسر طغيان الشّهوات في نفسه. 20/12/2000
فبعد أن يتخطّى المرحلة المتعلّقة بالعمل والنّفس والقلب والفكر، يؤكّد على مسألة المواجهة مع شهوات النّفس، مع أنّ كل ما سيقوله هو مشهودٌ في طيّات كلامه السّابق.
فإذن، عليه في الواقع أن يكسر نفسه في مواجهة الميل إلى الشهوات والإقبال عليها. فحين تحدّد النّفس هدفاً لها وتسير باتّجاه الأمور الّتي ترغب بها، يجب هنا أن يكسر الإنسان هذه النّفس عمّا هو حرام وليس لله فيه رضى.
«وَيَزَعَها عِندَ الجَمَحاتِ» الجمحات تعني التّمرّد. النّفس تتمرّد أحياناً. فقد يكون الإنسان مسيطراً على نفسه بشدّة، حافظاً لها، ولكن يحدث أحياناً، أن يرى الإنسان نفسه فجأة قد بدأت بالتمرّد. بالطّبع فإنّ الإنسان الّذي يستطيع أن يروّض نفسه، لن يكون تمرّد نفسه طويل الأمد في أغلب الأحيان. فيجب عليه، وبمجرّد أن تبدأ بتمرّدها واضطرابها ووقاحتها أن يقبض عليها ويكبح لجامها. وقد جاء في شرح «أَن يزَعَها» أنّها تعني أن يَكفِها؛ أي أن يكبح لجام النّفس في تلك اللحظة.
«فَإنَّ النَّفسَ أَمّارَةٌ بِالسّوءِ إِلّا ما رَحِمَ اللهُ» نفس الإنسان «أَمّارَةٌ بِالسّوءِ». وحين يُقال «النّفس الأمّارة» يظنّ البعض أنّ في داخل الإنسان حقائق وأحدها «النّفس الأمّارة»، والحال أنّ الأمر ليس هكذا. النّفس تعني الذّات. ونفسك تعني ذاتك. ونفسي تعني ذاتي. هذه «الذّات» قد تركّبت من خصائص وغرائز وحقائق. إحدى هذه الحقائق هي الحقيقة السُّفلة، وهي الّتي تشدّ الإنسان نحو الأمور الحقيرة والمسائل المادّيّة الّتي تطلبها غرائز الإنسان؛ مثل الشّهوة النّفسانيّة، الشّهوة الجنسيّة، شهوة المنصب، شهوة المال وما شاكل. وإحدى الحقائق الموجودة في نفس الإنسان وتتركّب منها تلك النّفس هي الحقيقة العِلويَّة وهي الّتي تشدّ الإنسان نحو الله، ويُعبّر عنها بـ«النّفس المطمئنّة». على أيّ حال، إنّ هذه كل ذلك هي ذات الإنسان، وليس هناك شيء وراء ذات الإنسان. فعلينا أن نحفظ أنفسنا. «فَإِنَّ النَّفسَ أَمّارَةٌ بِالسّوءِ» نفس ابن آدم «أَمّارَةٌ بِالسّوءِ»؛ أي كثيراً ما تأمره بالأمور السّيّئة. «إِلّا ما رَحِمَ اللهُ» 11/01/1998

المصدر
كتاب عهد الأمير للمسؤول والمدير | الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟