مواضيع

قوام الدولة

من كتاب عهد الأمير للمسؤول والمدير للإمام الخامنئي

يقول (ع) بعد البسملة: «هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ». ومن ثمّ يذكر أمير المؤمنين (ع) أربع مسائل، ومن الملفت أنّني حين دقّقت فيها، رأيت أنّ هذه المسائل الأربعة هي أهمّ الأمور المُتوقّعة من الدّولة ومنّا. فمع غضّ النّظر عن الدّبلوماسيّات والسّياسة الخارجيّة والعلاقات، تقع جميع الأمور الأخرى ضمن هذه المسائل الأربعة الواردة في هذا العهد، وقد تمّ ذكر هذه المسائل الأربعة وفقاً لترتيب الأولويّة. فلنفرض أنّ والياً أو أميراً يريد أن يتصرّف في دولة ما، فإنّ أوّل ما سيحتاجه هو الميزانيّة. فعلى أيّ حال، هناك تكاليف لا بدّ من تأمينها. ولذا، كانت أوّل مسألة من المسائل الأربعة في هذا العهد هي: «جِبَايَةَ خَرَاجِهَا» أي اِجمع المال من النّاس، إجمع الضّرائب؛ لأنّك في النّهاية، بحاجة للمال لتقوم بأيّ عمل. هذه هي الخطوة الأولى. ومن ثمّ يجب عليك أن تزيل المعوّقات الدّاخليّة والخارجيّة الموجودة: «وَجِهَادَ عَدُوِّهَا» فالجهاد ضدّ أعداء مصر هو أيضاً على عهدتك. وإذا هجم عدوّ داخليّ أو خارجيّ عليها، فيجب أن تدافع عن هذا البلد وشعبه. 11/01/1998
يجب عليك أن تتعامل مع الجهات المهدّدة للأمن – إن كان الأمن الدّاخليّ أو الخارجيّ؛ فإنّ العدوّ الدّاخليّ يذهب بالأمن، وكذلك العدوّ الخارجيّ. فكان الاستقرار الأمني ومواجهة العوامل المزيلة للأمن – إن كانت داخليّة أو خارجيّة – هو أحد المسائل الّتي طلبها (ع) من مالك الأشتر. 04/02/2003
هذه هي المسألة الثّانية. والآن فلنفرض أنّ الميزانيّة المطلوبة متوفّرة وليس هناك من عدوّ، فإنّه حتماً يجب أن يبدأ بالبناء والإعمار. أحد أقسام البناء أهمّ من الأقسام الباقية، بناء الإنسان، ولذا قال (ع): «وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا». والمقصود من الصّلاح ليس فقط الصّلاح المعنويّ؛ بل هو الصّلاح الماديّ بالإضافة إلى الصّلاح المعنويّ. والصّلاح المعنويّ يعني الصّلاح العلميّ والصّلاح الدّيني والاستصلاح. نقرأ في دعاء «مكارم الأخلاق»: «وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي» والاستصلاح يعني أن تجرّني إلى الصّلاح. فاجعل ما كان منّي قابلاً لأن يكون صالحاً وجيّداً، اجعله صالحاً. ولذا، فإنّ أوّل عمليّة للبناء هي بناء البشر والإنسان. ورابع مسألة وآخرها هي قوله: «وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا».
إذا تمّ تعيين مالك الأشتر كمحافظ ووالٍ وحاكم على مصر، فإنّه لن يذهب كي يكسب منصباً وسلطة أو يجلب الاستفادة الماديّة إلى نفسه. بل سيذهب كي يقوم بإنجاز هذه الأمور: أن يأخذ من النّاس الحصّة المتوجّبة عليهم لإدارة الأمور الماليّة للدّولة. أن يواجه أعداء النّاس، ويحفظهم من أعدائهم. أن يقرّبهم من الصّلاح؛ الصّلاح على وسعه، الماديّ والمعنويّ، الّذي هو المُتعيّن في كلام عليّ (ع) وفي منطق نهج البلاغة. أن يُعمر المدن ومناطق حكمه. باختصار، أن يبني الإنسان، يعمر الأرض، يرفع الأخلاق والقيم المعنويّة، وأن يجبي من النّاس ما يتوجّب عليهم دفعه من ضرائب للدّولة. 19/05/1981
فإذن أصبح واضحاً، ومن أجل إدارة دولة ما، لا بدّ لنا من إنجاز أربعة أمور طبيعيّة. أوّلاً، أن نؤمّن الميزانيّة من الشّعب. وهذا الأمر لا يفيد فقط في قدرتنا على إنجاز الأعمال؛ بل يفيد الأشخاص الّذين يقومون بتأمين هذه الميزانيّة. إنّ تأمين الميزانيّة من قبل الشّعب هو إنفاق. وأفضل الإنفاق هو المال الّذي يعطيه الشّعب للدّولة وللوالي حتّى يقوم بتسيير أمورهم. والخمس والزّكاة هو من هذا القبيل. إنّ فائدة الإنفاق تصل أوّلاً إلى باذل النّفقة، ومن ثمّ تصل إلى المُنفق. إنّ آية: <وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ> هي أيضاً من باب الإنفاق. إنّ قيامنا بإنقاذ أنفسنا من الشّح والبخل والطّمع الموجود في قلوبنا عبر إعطاء المال، عبر وضع اليد داخل الجيب وإخراج المال منه، هو شيء في صالحنا. بالطّبع، فإنّه بعد أن يصل هذا المال إلى المكان المخصّص له ويتمّ إنفاقه بشكل صحيح إن شاء الله، فإنّ الفائدة الثّانية منه ستصل إلينا.
وفقاً لأمر الإمام عليّ (ع) إلى مالك الأشتر، عليه أن يبدأ أوّلاً بـ«جِبَايَةَ خَرَاجِهَا»، ومن ثمّ «وَجِهَادَ عَدُوِّهَا»، وبعدها «وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا» ومن بعدها «وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا». ومن هنا يتّضح أنّه لو كان موضوع السّياسة الخارجيّة أيضاً أمراً مطروحاً في ذلك الزّمن، فإنّه لم يكن في عهدة والي مصر. يعني أنّ صاحب القرار في هذا الشّأن ليس هو والي مصر – أي مالك – وإذا كان لا بدّ من أخذ قرار في هذا الشّأن، فإنّ أمير المؤمنين (ع) هو من سيقوم بهذا الأمر.

المصدر
كتاب عهد الأمير للمسؤول والمدير | الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟