مواضيع

تحقق هدف إيجاد المجتمع الإسلامي

الهدف الثاني الذي يتمّ السعي لتحقيقه من خلال العمل التنظيمي هو إيجاد المجتمع الإسلامي. هذا الأمر يعتمد على الفهم الصحيح للمجتمع والجوانب المختلفة له، وهو أمر يتجسّد في إطارين:

الأول: أداء التنظيم الاجتماعي للتنظيمات ممّا يؤدي إلى أن تؤدي المساعدة التي تقدمها التنظيمات إلى وضع أفراد المجتمع بعضهم بجانب البعض، والأهم من ذلك تأسيس البنية التحتية للمجتمع والأمة الإسلامية.

الثاني: ستكون علامة وتجسيد للجمهورية وهو أمر يسهم في إقحام عموم الشعب في الساحة في الأمور المختلفة، فتكون مساهمة الشعب في إدارة الشؤون الاجتماعية على أعلى مستوى ممكن.

أ‌.       وظيفة التنظيم الاجتماعي للتنظيمات

 المجتمع لا يعني اجتماع الأفراد المنفردين والمنعزلين عن بعضهم، بل إنّ من شروط تأسيس المجتمع الإنساني وجود قواعد دفاعية ونقاط قوة يعتمد عليها الأفراد حتى أن يجتمعوا ويلتفّ بعضهم حول بعض، وتُحدّد هويتهم الاجتماعية على أساس هذه النقاط. إنّ الفرق بين تجمّع عدد من بني البشر في مكان واحد وبين المجتمع البشري هو العلاقة الوثيقة بين أفراد المجتمع التي هي هوية وروح المجموعة، وهو أمر يمكن اعتباره أمراً أصيلاً.

وبناءً على هذا فإنّ المجتمع يتكوّن من أشخاص، ومؤسّسات، ودوائر رسمية وهيكليات مختلفة تحتاج إلى تنظيم صحيح حتى تحصل على هويتها المشتركة. وبعبارة أخرى: لا يمكن أن نكتب تعريفاً للمجتمع من دون الإنسان، وإنّ الاتحاد والتناغم بين أبناء الأفراد يؤدّي إلى تشكيل المجتمع. يطرح هذا الموضوع في أسس علم المجتمع الإسلامي تحت عنوان أصالة الفرد وأصالة المجتمع في آنٍ واحد، وهو باب يضمُّ الكثير من الأبحاث التفصيلية.[1]

يجب أن نعلم ما هي أسباب الاتصال الإنسان بالمجتمع وتناغمه؟ وكيف يمكن ذلك؟ بالنظر إلى أنّ هذا الأمر يُعد جزءاً أساسياً وتلقائياً من المجتمع، ويجب أن نعمل على تعزيز ذلك. كذلك يجب الالتفات إلى أنّ هذا النظم يظهر في إطارٍ معيّن في المجتمع وهو إطار يفهمه ويراه المراقب الخارجي. بعبارة أخرى: في مجتمع مثل مجتمع إيران الإسلامية، يجب أن يكون الاتصال بين الأجزاء بصورة مميزة وفريدة بالمقارنة مع المجتمعات الأخرى. ومن الواضح أنّ هذا الاتصال لا يحصل بصورة مفاجئة، بل يحتاج إلى آليات وحلقات اتصال. نحن نؤمن بأنّ هذه الآليات هي «التنظيمات» أي أنّ المجتمع يتشكّل إذا كانت أجزاء المجتمع «الأفراد» قد انتظمت ضمن إطار تنظيمات. والنتيجة أنّ اصطفاف الأشخاص معاً يؤدي إلى ظهور التنظيمات، واصطفاف التنظيمات بعضها إلى جانب بعض يؤدي إلى ظهور المجتمع.

يمكننا أن نستعير الإشارة إلى جسم الإنسان الذي يتكوّن من الأعضاء والحواس، حيث إنّ اللحم، والجلد، والقلب، والمعدة وغيرها لا تكوّن جسم الإنسان، ولكن عندما تصطف هذه الأجزاء المهمّة وتجتمع معاً حول الهيكل العظمي وتتصل يتكون هيكل الجسم، حيث إنّ الهيكل العظمي هو مصدر قوة الجسم، وبناءً على هذا الهيكل يتكوّن الجسم. التنظيمات والمؤسّسات الاجتماعية تلعب نفس الدور في تكوين المجتمع؛ لذلك يمكن تنظيم المجتمع عن طريق التنظيمات الموجودة في داخله ممّا يؤدي إلى ظهور المجتمع بأشكال مختلفة.

وضع رسم بياني 7

مراحل اتصال الإنسان بالمجتمع

  1. أفراد
  2. الالتحاق بالتنظيمات
  3. الخوض في المجتمع

إنّ عملية قيام الحضارة الإسلامية المعاصرة وفقاً لكلام سماحة قائد الثورة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي تتكوّن من خمس مراحل: الثورة الإسلامية، والنظام الإسلامي، والحكومة الإسلامية، والبلد والمجتمع الإسلامي، وفي النهاية الحضارة الإسلامية[2]. ونحن حالياً في مرحلة الحكومة الإسلامية. إنّ التنظيمات والعمل التنظيمي هما البنية التحتية اللازمة للعبور من مرحلة الحكومة الإسلامية إلى مرحلة تكوين المجتمع الإسلامي؛ ولذلك يجب أن نتابع موضوع التنظيمات بصورة جدية حتى تتمّ التنظيمات الاجتماعي في إطار المجتمع الإسلامي. نحن بحاجة إلى بناء خلايا إنسانية مستدامة تستطيع أن تُلمَّ شمل الأفراد المتشتتين في داخلها وأن تقود نحو تأسيس تشكيلات اجتماعية.

تمّ تأسيس المجتمعات البشرية منذ سنوات طويلة على أساس التنظيم الاجتماعي المبني على أساس القبلية، وقامت هذه المجتمعات ببناء هويتها على هذا الأساس. وينصُّ القرآن الكريم على القوم والقبيلة[3]، وهو ما يمثّل اعترافاً رسمياً بذلك، وهذا أمر يجب التفكير به. عندما يتمّ تأسيس النظام الاجتماعي على أساس القبيلة، فهذا يعني أنّنا عندما ننظر إلى المجتمع الإسلامي نظرة إستراتيجية فإنّنا سنرى أنّه قد تكوّن من قبائل، كلّ شخص من قبيلة ولكل قبيلة رئيس أو شيخ يتولّى مسؤولية القيادة والإمساك بزمام أمور أفراد القبيلة. لذلك بدأ رسول الله (ص) الدعوة إلى الإسلام من رؤساء القبائل؛ لأنّ رئيس القبيلة إن أسلم ستتوفر البنية التحتية اللازمة من أجل دعوة عموم الناس. ومن المشاكل التي نعاني منها الآن هي زوال النظام القديم في حين لم نقم بتوفير نظام بديل له، على الرّغم من أنّ نظام الإقطاعية احتوى على مشاكل وأضرار خاصة في إيران، ولكنّ ذلك كان نظاماً اجتماعياً وبزواله لم يتمّ بناء نظام اجتماعي بديل في المجتمع.

بناءً على ذلك يجب أن نقول: إنّ التنظيم الاجتماعي يمكنه أن يؤدّي إلى ظهور التغييرات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي وتأسيسها. وفي الآية 13 من سورة الحجرات، يذكر الله سبحانه وتعالى سبب تقسيم المجتمع إلى شعوب وقبائل، وهو تأسيس المعرفة العامة في المجتمع الإسلامي: <وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا>. لذلك فإنّ المعرفة العامة أمر مهم في المجتمع الإسلامي. وبعبارة أخرى: الحالة المرغوب بها في الجمهورية الإسلامية هي أن يعرف الجميع بعضه بعضاً. ومن الصعب جداً أن يعرف الجميع بعضه بعضاً وأن يحب بعضهم البعض، ولكن هكذا وصِفَ المجتمع المؤمن. يجب أن يعرف الجميع بعضهم البعض. وهذا على العكس في زماننا المعاصر فقد انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنّها دفعت الجميع نحو الفردية؛ بحيث أصبحنا لا يعرف بضعنا بعضاً أبداً، وحتى الجار لا يعرف جاره ولا يتواصل معه بصورة حقيقية. ولكن قبل 1400 سنة كان الجميع في العالم الإسلامي يعرف من هو مالك الأشتر النخعي عندما يتمّ ذكر هذا الاسم. هذه المعرفة هي أساس قيام وتنظيم المجتمع في المجتمع الإسلامي.

وفي آية أخرى، عندما يذكر القرآن الكريم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول: <وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ>[4]؛ أي على الرّغم من أنّ جميع أبناء المجتمع يجب أن يكونوا من الدعاة إلى المعروف والنهي عن المنكر، إلا أنّ مجموعة منكم يجب أن تتولّى هذا الأمر في المجتمع بصورة خاصة، ومن أجل تأسيس هذه المجموعة يجب تنظيم المجتمع بحيث يكون إسلامياً.

لذلك فإنّ المجتمع الإسلامي يجب أن يتحرّك وأن يكون حيوياً ويجب أن يتمّ تنظيمه وكلّما أصبح المجتمع أكبر، أصبح تنظيمه أهم وأصعب، وتعدُّ التنظيمات من ضروريات نشوء وقيام النظام الاجتماعي. يجب تنظيم الشعب في المجتمع الإسلامي ضمن قالب تشكيلات صغيرة ومرتبطة فيما بينها. إذن قيام المجتمع الإسلامي منوط بالتشكيلات والعمل التنظيمي، ومن أجل الوصول إلى ذلك نحتاج إلى شرح صحيح لماهية وكيفية ذلك، وهو الأمر الذي يركّز عليه هذا الموضوع.

إنّ عبارة «الأمة الواحدة» في كلام سماحة الإمام الخميني (رضوان الله عليه) وسماحة قائد الثورة دام ظلّه حول المجتمع الإسلامي[5] تشير إلى هذا التعاضد. ويجب أن يسود هذا التعاضد في المجتمع الإسلامي في جانبين:

الأول: التعاضد والارتباط بين أفراد المجتمع بعضهم مع البعض.

الثاني: هو التعاضد بين أبناء المجتمع والأمة الإسلامية مع إمام المجتمع.

العلاقة الثانية توصف بأنّها العلاقة بين الإمام والأمة. وإذا لم تُقم أيٌّ من هاتين العلاقتين بصورة صحيحة، فإنّ المجتمع الإسلامي لن يتمكّن من التحرّك نحو أهدافه ومثله العليا بصورة صحيحة. وفي هذا المجال، تقوم التنظيمات بدورها في العلاقة الأولى.

وضع رسم بياني 8

الأمة الواحدة = تعاضد أفراد المجتمع + تعاضد أبناء المجتمع مع القائد

يمكن اعتبار أنّ الفارق الرئيسي بين حكومة الإمام الحجّة  (عجل الله فرجه) وحكومة أمير المؤمنين  (ع) في عام 40 للهجرة هو وجود هذا النوع من التعاضد بين أبناء المجتمع. من أهم المشاكل التي وجدت في عصر أمير المؤمنين  (ع) انهيار الوحدة وانتشار الخلاف بين الناس، وفي ذلك العهد لم يلتزم الشيعة وأنصار الإمام بما يكفي، ولم يهتموا اهتماماً كافياً بالعلاقة الوثيقة مع أفراد المجتمع ممّا أدّى إلى انهيار هذه العلاقة. لا تقوم الأمة الواحدة عندما تزول العلاقة والاتحاد بين أفراد المجتمع حتى لو كان الإمام هو من يقود المجتمع.

إنّ هذا الاتصال والترابط والتعاضد أمر ضروريٌّ جداً للمجتمع الإسلامي ولأي مجتمع آخر، ويلعب دوراً كبيراً في حلّ المشاكل والتحيات التي تواجه المجتمع؛ على سبيل المثال، إذا فُرض حصار على المواد الغذائية، كيف سيتعامل المجتمع مع هذا الحصار؟ في الجواب يمكن أن نتصوّر حالتين:

الحالة الأولى: هي أنّ المجتمع سيتصّرف من دون أيّ تنظيم محدّد وبصورة غير منسجمة، وبمجرد إعلان خبر الحصار، سيقوم البعض بالهجوم على المتاجر بدلاً من الاقتصاد في الاستهلاك، وسيشترون السلع من المتاجر ممّا يؤدّي إلى تقليل الحجم المعروض في الأسواق. فهذا الأمر سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار أكثر وزيادة تأثير العقوبات عدة أضعاف وزيادة الضغط على جميع طبقات المجتمع وبصورة خاصة الطبقة الفقيرة في المجتمع.

الحالة الثانية: على العكس من ذلك، عندما يكون المجتمع منظّماً بصورة جيدة، ومع زيادة قوة الحصار سيتبع جميع أبناء المجتمع سياسات تقليل الاستهلاك وزيادة كفاءة الاستهلاك؛ لأنّ التنظيمات تفهم حالة المجتمع ويتمّ شرح السياسة الصحيحة لها ويقوم كل تنظيم بتشجيع أعضائه على هذه السياسة. كما أنّ كلاً من هذه التنظيمات يمكنه أن يتخذ سياسات خاصّة ويقوم بنشاطات وفعاليات اجتماعية كثيرة، وفي هذه الحالة، سيؤدي وجود التشكيلات والتنظيم الاجتماعي إلى تقليل تأثير العقوبات والحصار بدلاً من زيادة تأثيراته كما في الحالة الأولى.

إنّ التآزر بين أفراد المجتمع يمهّد من أجل قيام علاقة صحيحة بين الإمام والأمة حيث إنّه في ظلّ وجود هذا الاتحاد خلال قيادة الإمام للأمة سيتحرّك المجتمع بسهولة وفقاً لرغبة الإمام وسينفذ سياساته وأوامره. لذلك يُقال: إنّ انتظار الفرج هو انتظار حركي وإيجابي؛ لأنّ المجتمع يجب أن يصل بنفسه إلى مستوى من الاستعداد يستطيع من خلاله أن يوفّر التعاضد اللازم؛ كي يكون مستعداً للتحرك ويكون الإمام قائداً للمجتمع. يشابه ذلك العربة التي تكون جميع أجزائها مستعد وفي بانتظار السائق كي يجلس ويبدأ بقيادتها، وهذا الأمر هو ما يُوصف بالارتقاء الاجتماعي. إنّ المجتمع المترقّي اجتماعياً هو المجتمع المنظّم الذي يتحرك بصورة متناغمة، هذا المجتمع هو الأمة التي تشير إليها النصوص الدينية، وإذا عملنا وفقاً لهذا الإطار واستطعنا إيجاد هذا التنظيم الاجتماعي في المجتمع، عندها سنكون من مصاديق الآية: <وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ>[6]، أي أنّ الأمم الأخرى عندما سترى أنّنا استطعنا أن نعمل بهذه الطريقة رغم امتلاكنا إمكانيات قليلة، سيتخذوننا قدوة لهم وسيتحرّكون نحو الارتقاء والبلوغ.

ب‌.   الجمهورية

يجب أن نراجع مفهوم الجمهورية من أجل فهم أفضل للأداء السياسي للتنظيمات في المجتمع الإسلامي. نحن أقمنا الجمهورية الإسلامية عن طريق الثورة الإسلامية. ولا تتخلص الجمهورية في هذا النظام بمشاركة الشعب في الانتخابات وعمليات التصويت. الحكومة الجمهورية تعني الحكومة التي تتحرّك عن طريق الشعب والتي نشهد مشاركة جميع أبناء الشعب في تحركاتها وردود أفعالها. بعبارة أخرى: الجمهورية تعني أن يقود الناس الاقتصاد وأن يسهم الشعب في تطوير الثقافة وسوقها نحو الازدهار. إنّ مشاركة الشعب في مختلف شؤون المجتمع لا تتحقق سوى عندما يكون المجتمع قد تحول إلى العمل في إطار معيّن ومنظم؛ لذلك فإنّ المجتمع الإسلامي يحتاج إلى التشكيلات والتنظيمات من أجل تحقيق مفهوم الجمهورية. وفي هذا المجال سيكون الهم الأكبر لنا هو دفع أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب إلى المشاركة في إدارة الأمور الاجتماعية. والكمية المشار إليها في هذا المجال تدفع نحو وجود القدرات اللازمة من أجل تنظيم هذه الكميات. بناءً على ذلك فإنّ تحقق الجمهورية في البلد ممكن عندما تتوفر لدينا البنية التحتية اللازمة لأداء جميع أبناء المجتمع دوراً في إدارة البلاد، وإذا تحقق هذا الأمر فعندها يمكننا أن نأمل قيام الجمهورية الإسلامية الكاملة.

يمكننا أن نعثر على هذا المعنى من معاني الجمهورية وارتباطه بالتنظيم الاجتماعي في كلام وأعمال الإمام الخمني (رضوان الله عليه) في مجال تأسيس تنظيم التعبئة الشعبية «البسيج» الذي يبلغ عدده 20 مليون فرد. وصف سماحته قوات التعبئة الشعبية بأنّها جيش متكون من 20 مليون شخص[7]، وشجّع أبناء المجتمع على مشاركة في هذا الجيش المتكوّن من 20 مليون شخص، وقال: «إن البلد الذي يملك 20 مليون شاب، يجب أن يضم 20 مليون مقاتل، وأن يكون له جيش متكون من 20 مليون فرد»[8]. هذا يعني أنّ جميع أفراد المجتمع في المجتمع الإسلامي يجب أن يُبالوا بالأحداث التي تحصل في المجتمع الإسلامي وفي الثورة الإسلامية. لذلك يمكن اعتبار قوات التعبئة الشعبية رمزاً من رموز الجمهورية في النظام حيث إنّ هذه المؤسّسة ليست مؤسّسة عادية، بل هي النموذج الذي طرحه الإمام الخميني (رضوان الله عليه) من أجل التنظيم الاجتماعي للشعب والحضور الشعبي الشامل في المجالات المختلفة. واليوم يجب أن نتوقّع من هذه المؤسّسة العمل بنفس الهوية وتقديم نفس الأداء الاجتماعي.

إذا تمّ تنفيذ هذه الخطة بصورة جيدة عندها ستكون قوات التعبئة الشعبية قادرة على تنظيم 20 مليون شخص في المجالات المختلفة، وعندها سيمتلك المجتمع 20 مليون مجاهد تمّ تنظيمهم، وهذا العامل يؤثّر بقوة في قدرتنا على مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين، ويزيد قدرتنا على التأثير خارج إطار حدودنا بصورة كبيرة.

خلال فترة حكومة الشهيد رجائي في رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ساد مفهوم «حكومة الأربعين مليون»، هذا التعبير ينقل بوضوح أنّ الجمهورية الإسلامية في الحكومة التي يشارك فيها جميع أفراد الشعب بصورة واضحة ولافتة للنظر، واللافت للنظر هو أنّ حضور الشعب ومشاركته لا يقتصران على هذا الموضوع، بل إنّ هذا الأمر له أهمية كبيرة في الكثير من البلدان حول العالم ويتم التخطيط للمشاركة الشعبية؛[9] وعلى سبيل المثال خلال السنوات الماضية وفي دراسة أمريكية بيّنت أنّ حوالي 80 مليون شخص من مجموع 2809 ملايين شخص، يعملون لمدة لا تقل عن ساعة في الأسبوع بصورة تطوعية في المؤسسّات الخيرية. أي أنّ المؤسّسات الخيرية أصبحت ساحة ومجالاً من أجل مشاركة 80 مليون شخص بصورة منظمة لحلّ مشاكل الطبقة الفقيرة والمحرومة.

نحن نواجه – ويا للأسف الشديد! – ضعفاً وكثيراً من المشاكل في هذا المجال؛ على سبيل المثال لماذا لا يوجد في إيران نظام وآلية واضحة لتنظيم النخب الناشطة في المجالات المختلفة لعرض مشاكل البلاد على هذا النظام وحلّ هذه المشاكل بسرعة كبيرة عن طريق شبكة كبيرة من النُخب؟ مثال آخر على هذه الحالة؛ في إحدى المدن لدينا حوالي 2000 مؤسّسة ثقافية، ولكن هذه المؤسّسات غير متّصل بعضها ببعض وغير متصلة بالمواطنين، في حين أنّ كلاً من هذه المؤسّسات تستطيع أن تُنظّم ألف شخص، ونتيجة لذلك يتمّ تنظيم مليوني شخص في المدينة ضمن تنظيم معين، وبوسعهم أن يؤثّروا بطريقة كبيرة في الأمور الثقافية في تلك المدينة، ولكنّ التشتّت الموجود بين هذه المؤسّسات أدّى إلى ضياع هذه الفرصة.

والنتيجة أنّ المجتمع الإسلامي يُعدُّ:

أولاً: مجتمعاً يؤثّر في هويته جميع أفراد المجتمع وأنّ المجتمع الإسلامي يتحرك عن طريق تحرك جميع أفراد المجتمع. وهذا المفهوم هو ذات مفهوم الجمهورية في الجمهورية الإسلامية.

ثانياً: إنّ مشاركة الشعب بصورة متّحدة يؤدي إلى حصول نوع من الاتحاد بين أفراد المجتمع «التنظيم المشترك».

إنّ هذه المشاركة والاتحاد إلى جانب العلاقة بين الإمام والأمة هي الأركان الثلاثة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي. وعند تحديد الهيكل الاجتماعي الضروري لقيام المجتمع الإسلامي، يجب أن نجيب عن السؤال الآتي: كيف يمكننا أن نرسم الهيكل الاجتماعي؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال نقول: إنّ مشاركة التنظيمات في المجتمع وانتشارها ودعمها ونشر الأدب والحوار التنظيمي في البلاد هو الطريق الذي يقود نحو قيام تنظيم اجتماعي.

وعندما يدور الكلام عن العمل التنظيمي يتخيل البعض – ويا للأسف! – أنّ الأمر يقتصر على اجتماع عدد من الشباب وتطوّعهم للقيام بمهمّة معينة في حين أنّ هذا الأمر لن يقود إلى تحقيق ما نريده من العمل التنظيمي. يجب أن تظمّ التنظيمات جميع الفئات العمرية من الأطفال إلى الشباب وحتى الكبار والمسنين. يجب أن يتمكّن التنظيم من إقامة علاقة واتصال وثيق بين أبناء المجتمع ليكون مقدمة لقيام المجتمع الإسلامي.

وضع رسم بياني 9

أركان المجتمع الإسلامي

  1. الإمام
  2. الأمة
  3. الاتحاد والمشاركة بين الإمام والأمة

1-   تحقيق عملية التربية والارتقاء؛ ساحة عرض الإمكانات

الجواب الثالث عن علّة العمل التنظيمي هو أنّ له دوراً كبيراً في حياة جميع الأفراد الذين يشاركون في هذا العمل، على الرّغم من أنّنا سنشرح هذا الموضوع بإذن الله بالتفاصيل في نظرية الارتقاء[10]، ولكن سنشير هنا أيضاً إلى هذا الموضوع بصورة عامة؛ لأنّ له جانباً كيراً جداً من الأهمية؛ فهو حالياً الأمر الوحيد الذي يسدُّ الفراغ الحاصل في مجتمعنا وفي نظامنا التعليمي والتربوي. إنّ التنظيمات الإسلامية هي مرآة كشف القدرات، ومن ناحية أخرى تُعد ساحة لارتقاء هذه القدرات والمواهب وازدهارها؛ لذلك فإنّ لهذه التنظيمات أهمية تربوية كبيرة جداً. إنّ الحيوية الداخلية في هذه الهيكلية والدور الذي تستطيع أن تلعبه في القدرات الداخلية للإنسان هو أهم نقطة في الإطار التنظيمي.

لماذا يجب أن يشارك بنو البشر في التنظيمات؟ «بغض النظر عن حلم تحقيق الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي»، وما هي فائدة المشاركة في هذه التنظيمات؟ نجيب عن ذلك بجملة واحدة: التنظيمات هي ساحة لعرض طاقات البشر.

لفهم هذه الجملة يجب أن نفهم ثلاثة مفاهيم أصلية موجودة فيها هي: الساحة، والعرض، والقدرات.

وهذا يعني أنّ كل إنسان يتكوّن من مجموعة من المواهب والقدرات، ويجب أن يستغل قدراته لمعرفة مواهبه وتفعيلها واستخدام مجموعة هذه المواهب للتأثير على المحيط الذي يعيش فيه. وفي الحياة الاجتماعية تزول الكثير من المواهب من دون أن يدرك أصحابها أنّهم كانوا يمتلكونها أساساً. إضافةً إلى ذلك أنّ بعض المواهب لا تتُرجم جيداً إلى قدرات؛ ممّا يؤدي إلى انكسار نفسيات أصحابها؛ فإنّ الإنسان يملك طاقات لا تُعد ولا تُحصى ولكن لا يتمّ استغلال هذه القدرات بسبب الجهل أو أنّها تستخدم في الاتجاه غير الصحيح وغير المؤثر.

إنّ هذه القدرات الكامنة في الإنسان من الممكن أن تؤدي إلى انحطاط الفرد والمجتمع أو أن تقود نحو ازدهار الإنسان والمجتمع وسموهما. بناءً على هذا فإنّ معرفة القدرات والسعي من أجل تحويلها إلى إمكانيات فعلية هي من بديهيات أولويات أصول التربية؛ وهو أمر يحتاج إلى تخطيط وخطوات حقيقية.

التنظيمات هي ساحة والساحة تعني الميدان، ومن خواصّ الميدان أنّه يوفّر الفرصة لرؤية القدرات ويمنح المجال من أجل لعب الأدوار. وبعبارة أخرى: عندما يجلس الشخص في منزله ولا يقوم بأيّ عمل، لن يرى شيئاً من إمكانياته وقدراته، ولكن عندما ينزل إلى الميدان ويبدأ بلعب الأدوار والقيام بالمهمّات المختلفة، فإنّ الآخرين سيرونه. إنّ الإنسان يعاني من الخوف والتوتر عندما يعمل تحت أنظار الآخرين بالمقارنة مع العمل في مكان معزول وبعيداً عن الأنظار؛ لذلك فإنّه يحتاج إلى المزيد من الخبرة والإتقان للأعمال من أجل القيام بها بصورة صحيحة، وهذا الأمر يحتاج على المزيد من التمرين والاعتماد على القدرات بشكل أكبر؛ أي أنّ العمل تحت أنظار الآخرين يدفع الإنسان إلى مراجعة المواهب المنطوية في ذاته والعمل على إظهارها ليقوم بالعمل بصورة مناسبة أمام أنظار الجموع؛ فإنّ العمل التنظيمي يوفّر الساحة للإنسان.

العرض يعني الظهور والاستعراض. إنّ التنظيمات تشبه الميدان الذي يطلب المقاتلين والخصوم، ويمكن من يُشمر عن ذراعيه ويعلن عن استعداده أن يعلب دوراً في هذا الميدان؛ فيستغل الإمكانيات الموجودة في هذا الميدان ويدخل إلى الساحة من أجل القيام بالعمل. الصفة المميّزة للعمل التنظيمي هي أنّه يدفع الأشخاص نحو الظهور والتميّز، وفي التنظيمات يُدفع الشخص نحو إبراز ذاته؛ إذ إنّ العمل التنظيمي لا يُبنى على إرادة الفرد، بل إرادة الآخرين تؤثر أيضاً، وإرادة الآخرين تدفع الشخص نحو الحركة والعمل والظهور.

الإمكانات هي القدرات والمواهب، القدرات هي الأمور التي يستطيع الشخص القيام بها، أي القدرات الحالية للشخص التي ظهرت وأصبح يعتمد عليها. في حين أنّ المواهب هي القدرات الكامنة فيه، أي أنّها الأمور التي لم يتمّ اكتشافها فيه بعدُ، ولم يعلم بها هو أو الآخرون، ولكن إذا فتّش في داخله فإنّه سيعثر على هذه المواهب الكامنة، ويمكنه أن يحوّلها إلى قدرات. إنّ ما يتمّ عرضه في ساحة التنظيمات هو قدرات الإنسان والأشخاص يبرزون في هذه الساحة، وخلال بروز الأشخاص سيعرفون أنفسهم وسيعرفهم الآخرون، وبالتمرين الذي يتمّ في هذه الساحة ستزداد إمكانياتهم.

وفي تجربة خاصة، خلال إحدى رحلات «راهيان نور» وهي رحلات لزيارة المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية في الماضي، مرضَ سائق الحافلة ولم يعد باستطاعته قيادة الحافلة، في أثناء ذلك أعلن أحد الطلاب المشاركين في الرحلة أنّه يستطيع أن يقود الحافلة. تعجب الآخرون واستفسروا عن امتلاكه رخصة لقيادة حافلة! فقال: إنّه يملكها فإنّ والده يقود شاحنة وقد تعلّم القيادة من خلال والده، ومن ثمّ حصل على رخصة قيادة الشاحنات والسيارات الثقيلة ليتمكّن من مساعدة والده. إنّ هذه القدرة التي كان يملكها كانت مجهولة لجميع المشاركين في الرحلة قبل أن تتجسّد في الساحة، ولكن ما إن ظهرت قدرته هذه في الساحة حتى أصبح الجميع على علم بذلك.

الأهم من معرفة الآخرين بقدرات الشخص ومواهبه، يجب أن يتمّ عرض طاقات الشخص وقدراته على نفسه؛ فكثيراً ما نرى أشخاصاً يملكون مواهب وهم لا يعلمون بها، ولكن عندما يدخلون إلى الساحة ويعملون، فإنّهم يكتشفون هذه القدرات وبعد معرفتهم بامتلاك الموهبة يمكنهم أن يتمرّنوا على ذلك وأن يكرّروه حتى تتحوّل الموهبة إلى قدرة ملموسة وأن يستفيدوا من ذلك.

وفي تجربة أخرى كان لدينا صديق لم يكن يستطيع التكلم بصورة جيدة، ولم يكن أحد يظنّ أنّه يستطيع أن يتكلم لعدّة دقائق في اجتماعٍ رسميّ، وخلال العمل التنظيميّ وضع هذا الشخص في ظرف حتّم عليه فيه أن يلقي كلمة ويخاطب الجموع، فقد وجد ساحةً لذلك وبحث عن القدرات الكامنة في نفسه وبالتمرين والتكرار قام بتنمية الموهبة إلى أن أصبح اليوم من المحاضرين المحترفين بحيث إنّ أيّ شخص من الأصدقاء القدامى يراه اليوم لا يصدّق أنّه نفس ذلك الشخص الذي كان لا يستطيع الكلام قبل سنوات.

نقل حجة الإسلام والمسلمين الشيخ قرائتي أنّه سأل عدّاءً محترفاً في أحسن الحالات كم ستكون سرعتك؟ قال مثلاً: أقطع مائة متر في 10 ثوانٍ. فقال له الشيخ قرائتي: لا أنت تستطيع أن تعدو أسرع من ذلك، هذه السرعة منخفضة، فردّ على الشيخ ساخراً وقال: هذا تخصّصي، نتمرّن مع المنتخب الوطني وغير ذلك وهذه هي سرعتي. فقال الشيخ: لا! بل يمكنك أن تعدو أسرع من ذلك؛ هل طاردك ذئب حتى الآن؟ فكر قليلاً وقال: لا. قال الشيخ: إذا لاحقك ذئب فإنّك ستعدو أسرع بكثير من سرعتك الحالية. فكر قليلاً وقال: نعم، لم أفكر بهذا الأمر حتى الآن! هذه القصة تطرح السؤال الآتي: ما الذي يحصل للإنسان عندما يطارده ذئب فتزداد سرعته؟

الجواب: يمكننا القول إنّ الذئب يؤدّي إلى ظهور توتّر وخوف إيجابي في الشخص يجبرانه على اعتماد جميع طاقاته ومواهبه من أجل الفرار من الذئب. ونفس هذا الأمر يحصل في العمل التنظيمي؛ العلاقات والارتباطات بين الأشخاص وغيرها تؤدي إلى ظهور توتر إيجابي يجبر الإنسان على استخدام جميع طاقاته؛ لذلك يستثمر الشخص الذي يعمل في التنظيمات جميع طاقاته بصورة جيدة، وبعد مدة سيكون على معرفة بجميع طاقاته ومهاراته وإمكانياته وسيعرفه الآخرون بذلك أيضاً، ولكن من لم يعمل لن يتوصّل إلى هذه المعرفة.

وضع رسم بياني 10

شرح المفاهيم

الساحة = الميدان

العرض = الظهور والاستعراض

الإمكانات = القدرات بمعنى الأمور التي تستطيع الآن القيام بها، والمواهب بمعنى الأمور الكامنة في الشخص الذي لم يكتشفها إلى الآن

ما هي المزية الموجودة في العمل التنظيمي التي تجعله يتحول إلى ساحة عرض الإمكانات؟ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في جملة واحدة، وهي أنّ العمل التنظيمي هو ساحة من أجل التواصل بين الأشخاص، وهذا التواصل بين الأشخاص يفرض عليهم قيوداً وقوانين، ومواجهة الأشخاص لهذه القيود والقوانين بصورة صحيحة تجعلهم يعرضون طاقاتهم في الظروف المختلفة؛ فمثلاً عندما يعمل شخص بمفرده من أجل التخطيط للقيام بعمل ما، فإنّه يسيطر على جميع الأمور؛ مثلاً يستطيع أن يخطّط للبدء في الساعة الخامسة عصراً وإنهاء العمل في الساعة السابعة؛ ولكن عندما يكون هذا الشخص ضمن تنظيم ويعمل بإمرة شخص آخر، لن تكون لديه الصلاحية المطلقة في العمل وسيتم فرض قيود عليه. يجب أن يتوافق عمله مع ما يحدّده له المسؤول الأعلى منه، وفي ظلّ هذه الظروف يجب أن تتطابق تصرفات الآخرين مع التعليمات ويجب على الشخص أن ينظم المجموعة، هذا الأمر سيوفر له ساحة من أجل عرض قدراته في التنسيق وإيجاد التعاضد والتعاون بين أفراد المجموعة. يجب أن يتعلم طريقة التعامل مع كل شخص وكيف يقوم بأفضل أداء في ظلّ الظروف المختلفة.

الكثير من الرذائل والصفات النفسانية السيئة لا تظهر إلا عندما يكون الإنسان في معرض التعامل مع الآخرين، وعندها سيفهم مدى مقدرته على إدارة هذه الرذائل والتعامل معها، فما دمت لا تتعامل مع شخص ما، لن تظهر فيك بعض الصفات، كصفة الحسد أو التكبر، ولكن عندما تدخل في عمل تنظيميّ وترى تطور الآخرين، سيظهر عندك موضوع الحسد. وعندها ستفتح أمامك ساحة لعرض قدراتك في السيطرة على النفس ومنع الحسد. وهذه هي الصفة التي تجعلنا نستطيع أن نصف العمل التنظيمي بأنّه مدرسة للأخلاق؛ إذ إنّ هذه المدرسة تضعك عملياً في ظروف مختلفة من أجل أن تواجه أهواءك النفسية وتعرض ذلك على نفسك وأحياناً على الآخرين.

إن التعامل بين الأفراد والتواصل بينهم، يؤدي إلى حصول ثلاثة أنواع من المعرفة:

النوع الأول: هو معرفة نقاط الضعف والقوة؛ أي أنّ الأفراد بالعمل التنظيمي سيعرفون المجالات التي يعانون من ضعف فيها والمجالات التي لديهم فيها نقاط قوة، وكذلك سيعرفون مجالات ضعف الآخرين ونقاط قوتهم. وهذه المعرفة لها ثلاث ثمار:

الثمرة الأولى: هي أنّ الفرد سيعمل من أجل تلافي نقاط ضعفه وسيخطط لتحويلها إلى نقاط قوة.

الثمرة الثانية: هي أنّ الشخص سيتجنب وضع نفسه في موقع يحتاج فيه القوة في مجال يعاني من ضعف فيه.

الثمرة الثالثة: هي أنّه سيتمكّن من رؤية تفوق الآخرين ونقاط قوتهم في التنظيم، وهذا سيدفعه نحو قبول تفوقهم والابتعاد عن الحسد والضغائن.

عندما تتضح نقاط القوة والضعف، سيكون من السهل للضعيف أن يقبل القوي وستكون قيادة القائد مدعومة بقوة أكبر. ومن المشاكل التي نعاني اليوم منها في التنظيمات هي عدم قبول الآخرين بشخصية القائد. وهذا الأمر بسبب عدم معرفتهم بقوة القائد ومواهبه؛ ولذلك لا يستطيعون تقبل فكرة أنّه متفوّق عليهم، وهذا الأمر يؤدي إلى الخلافات والمشاكل.

النوع الثاني من المعرفة: هو معرفة النقص والكمال. في النقص والكمال نفهم ما الشيء الذي لا أملكه أسساً ويملكه الآخرون، وهذا يختلف عن الضعف والقوة، ففي الضعف والقوة مثلاً يكون للشخص قدم ولكنّها ضعيفة ولا تستطيع أن تحمله إلى القمّة؛ ولكن في النقص والكمال لا يملك الشخص قدماً، أي أنّه ناقص.

النوع الثالث: معرفة الأهداف والوضع القائم؛ أي أنّ الشخص سيفهم الفارق بين حاله وبين الحال المطلوب والمستهدف، لذلك يجب ألا يتوقّف عن السعي، وهذا الأمر يجعله يفهم أنّه ما يزال يملك الكثير من المواهب غير المكتشفة التي يجب أن يترجمها إلى إمكانيات. وبناءً على ذلك فإنّ العمل التنظيمي يؤدي إلى حركة على مستوى المجتمع وعن طريق التنظيم الاجتماعي يتمّ تنظيم المجتمع ودفعه نحو التحرك، وكذلك المجال الفردي يؤدي إلى عرض طاقات أكبر للفرد وتسليط الضوء على الفارق بين الحال الذي هو عليه والحالة المطلوبة، ممّا يدفع الإنسان إلى المثابرة والعمل وعدم الاقتناع بما قد حقّقه، وهذا الأمر يدفعه إلى التحرّك نحو الحالة المثالية.

الثمرة النهائية لهذه الأنواع من المعرفة هي أنّ الإنسان إذا ما عرضوا عليه تولي مسؤولية ما، فإنّه سيقيّم نفسه بناءً على المعرفة الكاملة التي حققها حول قدراته وإمكانياته والظروف التي تتطلبها تلك المسؤولية، وسيرفض تولّي المسؤولية إذا لم يكن أهلاً لها، أو أنّه سيتطوّع للعمل في المكان الذي يعلم أنّه يستطيع أن يقوم بأداء جيد فيه. فالنبيّ يوسف  (ع) بعد أن فسّر رؤية حاكم مصر وحصل ما حصل بعد ذلك، طلب منه الحاكم أن يدير أمور المجتمع، ولكنّه تقدّم وقال: <اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ>[11]. وهذا يعني اجعلني وزير الاقتصاد والمالية، ومن ثمّ يشرح سبب هذا التعيين ويشير إلى الميزات التي يحتاجها هذا المنصب والتي يتّصف بها سيدنا يوسف بقوله: <إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ>[12]، وهذا يعني أنّني شخص لا أخون الأمانة إذا عيّنتني عليها. إنّ أخذ هذا الموضوع بنظر الاعتبار خلال تولية المسؤوليات للأفراد المختلفين من الممكن أن يؤدّي إلى منع الكثير من المفاسد والمشاكل؛ فإذا علم الأفراد مدى استطاعتهم لمقاومة الأموال والإمكانيات الاقتصادية من دون أن يخونوا الأمانة، فإنّهم لن يقبلوا مسؤولية فيها مغريات أكبر من طاقتهم على التحمّل.

بناءً على ذلك فإنّ سيدنا يوسف  (ع) وبسبب معرفته بنفسه، تطوع من أجل القيام بمسؤولية يملك القدرة على القيام بها، ويجب أن تتكرّر هذه الحالة في الحكومة الإسلامية، أي أنّ الأفراد في التنظيمات يجب أن يكونوا على معرفة بأنفسهم إلى درجة جيدة حتى يتطوعوا للقيام بالأعمال التي يستطيعون القيام بها، وأن يتجنّب الآخرون غير القادرين على القيام بهذه المسؤولية قبول المنصب.

وضع رسم بياني 11

معارف التواصل والتعامل بين الأفراد

  1. معرفة نقاط القوة والضعف
  2. تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة
  3. اجتناب استلام موقع يحتاج إلى قوة في مجال يعاني من ضعف فيه
  4. قبول تفوق الآخرين والابتعاد عن الحسد
  5. معرفة النقص والكمال
  6. معرفة الأهداف والوضع القائم

النتيجة النهائية: حين عرض مسؤولية ما على الإنسان، فإنّه سيقيّم نفسه بناءً على المعرفة الكاملة التي حققها حول قدراته وإمكانياته والظروف التي تتطلبها تلك المسؤولية، وسيرفض تولّي المسؤولية إذا لم يكن أهلاً لها، أو أنّه سيتطوّع للعمل في المكان الذي يعلم أنّه يستطيع أن يقوم بأداء جيد فيه.

الخريطة الذهنية للفصل الأول

أهداف إيجاد نمط حياة تنظيمي بين أفراد المجتمع الإسلامي

  1. تحقيق هدف إقامة الحكومة الإسلامية
  2. مصادر إنتاج القوة
  3. العلاقة بين الأفراد
  4. تعزيز وتقوية العلاقات
  5. مظهر التنظيم
  6. قدرة القائد
  7. مراحل التأثير في المجتمع
  8. إنتاج القوة عن طريق العلاقات بين الأشخاص
  9. النفوذ الاجتماعي
  10. إيجاد مناصرين واتباع للتنظيم
  11. التنظيم يصبح مؤثراً في القرارات الرئيسية في المجتمع
  12. التمارين المطلوبة
  13. مهارات التواصل بين الأفراد
  14. تمرين الفريق
  15. الأمور المطلوبة لمواجهة العدو
  16. قدرات تنظيمية معينة في تخصصات مختلفة
  17. قدرة التنظيمات المتعددة على القتال إلى جانب بعضها البعض
  18. شرائط تحول التنظيم إلى وحدة قتالية
  19. وجود معركة كبيرة
  20. وجود خطة شاملة تحدد دور الوحدات المختلفة
  21. نتيجة تشكيل الوحدات: صيانة النظام الإسلامي وعدم قدرة العدو على الهجوم
  • تحقق هدف إيجاد المجتمع الإسلامي
  • مراحل اتصال الإنسان بالمجتمع
  • أفراد
  • الالتحاق بالتنظيمات
  • الخوض في المجتمع
  • الأمة الواحدة
  • تعاضد أفراد المجتمع + تعاضد أبناء المجتمع مع القائد
  • أركان المجتمع الإسلامي
  • الإمام
  • الأمة
  • الاتحاد والمشاركة بين الإمام والأمة
  • تحقيق عملية التربية والارتقاء
  • شرح المفاهيم
  • الساحة = الميدان
  • العرض = الظهور والاستعراض
  • الإمكانات = القدرات بمعنى الأمور التي تستطيع الآن القيام بها، والمواهب بمعنى الأمور الكامنة في الشخص الذي لم يكتشفها إلى الآن
  • معارف التواصل والتعامل بين الأفراد
  • معرفة نقاط القوة والضعف
  • تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة
  • اجتناب استلام موقع يحتاج إلى قوة في مجال يعاني من ضعف فيه
  • قبول تفوق الآخرين والابتعاد عن الحسد
  • معرفة النقص والكمال
  • معرفة الأهداف والوضع القائم
  • النتيجة النهائية: حين عرض مسؤولية ما على الإنسان، فإنّه سيقيّم نفسه بناءً على المعرفة الكاملة التي حققها حول قدراته وإمكانياته والظروف التي تتطلبها تلك المسؤولية، وسيرفض تولّي المسؤولية إذا لم يكن أهلاً لها، أو أنّه سيتطوّع للعمل في المكان الذي يعلم أنّه يستطيع أن يقوم بأداء جيد فيه.

  • [1] راجع كتاب مقدمة الرؤية الكونية الإسلامية، المجلد الخامس: المجتمع والتاريخ، الشهيد مرتضى مطهري.
  • [2] توجد سلسلة منطقية للأحداث، نحن قمنا بالثورة الإسلامية، ومن ثمّ شكلنا النظام الإسلامي، والمرحلة التالية هي إقامة الحكومة الإسلامية ومن ثمّ قيام البلد الإسلامي والمرحلة التي تليها هي قيام الحضارة الإسلامية، هذه سلسلة متتالية ومتصلة (مشتق من كلام قائد الثورة في تاريخ: 2011/09/15 و2004/10/27)
  • [3] <يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ> (سورة الحجرات، الآية 13)
  • [4] سورة آل عمران، الآية 104.
  • [5] على سبيل المثار راجع رسالة سماحة قائد الثورة إلى الحجاج في تاريخ 16/06/1991.
  • [6] <وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ> سورة البقرة، الآية 143.
  • [7] صحيفة الإمام الخميني، ج15، ص 385 رسالة إلى قوات التعبئة الشعبية والشعب الإيراني في أسبوع التعبئة الشعبية: «ونأمل أن تؤدي المشاركة الفعالة لأغلب طبقات المجتمع العظيم والحماس الموجود في قلوب الشباب الأعزاء، وهو من بركات الإسلام، إلى أن يتحقق الجيش المتكون من 20 مليون فرد لحراسة الجمهورية الإسلامية والبلد العزيز من شر المعتدين».
  • [8] صحيفة الإمام الخميني، ج11، ص122 (كلمة في اجتماع مع حرس الثورة الإسلامية).
  • [9] بالطبع قد يكون هناك فارق في نوع النظرة وأساس هذه الحركة بيننا وبينهم؛ مثلاً في بعض البلدان تُولى المشاركة الشعبية أهمية ليتمكّنوا من السيطرة على الاحتجاجات والحركات المناهضة للحكومة.
  • [10] نظرية الارتقاء هي إحدى أربع نظريات يُبنى عليها العمل التنظيمي، وسيتم شرحها بصورة كاملة في كتاب آخر بصورة مستقلة.
  • [11] سورة يوسف، الآية 55.
  • [12] سورة يوسف، الآية 55.
المصدر
كتاب العمل التنظيمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟