مواضيع

التشكيلات لغةً

جدول المحتويات

التشكيلات: كملة عربية تستخدم في اللغة الفارسية أيضاً، وهي كلمة مشتقة من مصدر ثلاثي هو: شكل. ويشرح الراغب الأصفهاني كلمة «شكل» قائلاً: شكل: المشاكلة في الهيئة والصورة والند في الجنسية والشبه في الكيفية، قال تعالى: <وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ>، أي مثله في الهيئة وتعاطي الفعل، والشكل قيل: هو الدل وهو في الحقيقة الأنس الذي بين المتماثلين في الطريقة، ومن هذا قيل: الناس أشكال وألاف، وأصل المشاكلة من الشكل أي تقييد الدابة، يقال: شكلت الدابة، والشكال ما يقيد به، ومنه استعير شكلت الكتاب كقوله قيدته، ودابة بها شكال إذا كان تحجيلها بإحدى رجليها وإحدى يديها كهيئة الشكال، وقوله: <قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ>[1]، أي على سجيته التي قيدته، وذلك أنّ سلطان السجية على الإنسان قاهر حسبما بينت في الذريعة إلى مكارم الشريعة، وهذا كما قال (ص): «كلٌّ ميسّر لما خلق له». والأشكلة الحاجة التي تقيد الإنسان والإشكال في الأمر استعارة كالاشتباه من الشبه[2].

وفي معجم «عميد» الفارسي: «تشكل» تعني اتخاذ الشكل قبول الصورة والشكل؛ وفي معجم موسوي للجميع لاروس يصف ذلك بقوله: «علم يبحث في هيئة الأجسام وتركيبها».[3] وفي معجم آذرنوش يصف ذلك باتخاذ الشكل، واتخاذ الهيئة، واتخاذ التنظيم والتشكل.[4] وفي معجم رائد الطلاب كذلك: «التشكيلات في إدارة الحكومية»، ويقول: حركة تعيينات الموظفين ونقلهم وترقّيهم وفصلهم.[5] وفي معجم دهخدا اعتبر كلمة «تشكيلات» مرادفة لكلمة المؤسّسة: وجهة تأكيد ذلك هو المرادف اللاتيني أي كلمة «organization».[6] وفي معجم الدكتور معين اعتبر التشكيلات منظمة ومرادفة للدوائر والمؤسسات[7].

واعتُبر في بعض المعاجم الفارسية الشكل هو الهيئة والوجه والظاهر أو القالب[8]. لذلك يمكن استخدام كلمة الهيئة بدلاً من التشكيل أو التنظيم، ولكن للأسف في الثقافة الإيرانية الحالية عمل الهيئات مصطلح يدلُّ على العمل غير المنظم وغير المنضبط. يمكن القول أنّنا عندما نتكلّم عن العمل التشكيلي أو التنظيمي فإنّنا نتحدّث عن عمل له أهمية باطنية بالإضافة إلى أهميته الظاهرين؛ لذلك في العمل التنظيمي أو التشكيلي تكون جملة: «إذا كان باطنك طهراً فلا تبالي بظاهرك» خطأً دائماً. وفي العمل التنظيميّ من المهم المحافظة على الشكل الخارجي وعلى العمل الباطني. إنّ الميزة الأساسية للأعمال الجماعية في التنظيمات والتشكيلات الإسلامية هي الاهتمام بالظاهر والشكل والصورة على أحسن وجه ممكن بالإضافة إلى وجود عمل كبير وحقيقي للعمل.

من الجدير بالإشارة أنّ موضوع تأثير الظاهر والشكل على المحتوى هو من المواضيع التي يمكننا أن نتطرّق إليها هنا. يقول الإمام الصادق  (ع) في العلاقة بين العلم والعمل: «اَلْعِلْمُ مَقْرُونٌ إِلَى اَلْعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَمَنْ عَمِلَ عَلِمَ»[9]. هذا الحديث يشير إلى أنّ ذات العمل تؤثر في المحتوى؛ فمثلاً لا يمكن القول أنّ الشكل والظاهر غير مهمّين في الصلاة والعبادة، بل إنّ ظاهر الصلاة والركوع والسجود لها تأثير في المحتوى. ومن الملاحظ تجربة الثورة الإسلامية في إيران تشير إلى أنّ عدداً كبيراً ممّن يعتبرون أنفسهم من أنصار الثورة المؤمنين يتخذون حججاً وأعذاراً مختلفة لإهمال الشكل والظاهر، وللأسف يعتبرون الأمر ضمن ثقافة العمل التنظيمي في الدوائر التي يتولّون إدارتها.

الملاحظة الأخرى التي يمكن التوصّل إليها من كلمة التشكيلات هي تأثير الشكل والظاهر على الأعداء، فعندما ينظر العدو إلى التشكيل يرى الشكل والظاهر، ممّا يجعله يشعر بالخوف أو يجرؤ على الهجوم. وبناءً على ذلك فإنّ الإيمان من دون العمل والشكل والقالب لن يكون مفيداً وللشكل والمظهر أهمية.

1-   التنظيم اصطلاحاً

سندرس مصطلح التنظيم من ثلاث زوايا: الأولى: الأداء الذي نفهمه من هذه الكلمة، والثانية: معنى هذا المفهوم بالمقارنة مع المفاهيم والمصطلحات المشابهة والمتضادّة، والثالثة: دراسة هذا المفهوم في الرؤية القرآنية وشرحه.

من الناحية العملية يمكننا أن نعدّد آثار وثمار وتأثيرات العمل التنظيمي كما سنذكر أدناه، فوفقاً لهذا فإنّ مفهوم العمل التنظيمي يدلُّ على التأثيرات أدناه، ويمكن فهمه عن طريق فهم هذه التأثيرات:

ألف. بناء التنظيم: بصورة عامة يدلُّ بناء التنظيم على:

  1. تعيين السلسلة الإدارية: أن يعرف كلُّ شخصٍ المكان الذي يعمل فيه، وتحديد جميع أركان النظم التسلسلي.
  2. تحديد العلاقة: طريقة تعامل كلّ شخصٍ مع الآخرين وطريقة تحديد الترتيب والتوالي في القيام بالمهمّات بصورة جيدة. وفي هذا المجال يتمّ تعيين ترتيب القيام بالأمور التي يجب أن يقوم بها.
  3. تحديد الدور: تحديد واجب كل شخص بصورة شفافة؛ فيعلم ما العمل الذي يجب أن يقوم به إلى النهاية؛ على سبيل المثال في إقامة رحلة، يعرف كل شخص دوره في الرحلة؛ أن يعلم مسؤول التنسيق أنّه يجب أن يقوم بالتنسيق، ومسؤول اللوجستيات أنّه يجب أن يقوم بالأمور اللوجستية، ووفقاً لذلك يقوم المسؤولون بأعمالهم بصورة صحيحة.

ب. بناء الكوادر وتدريبها: وهي عملية كشف المواهب وتدريب الأفراد ضمن مجال تدريب الكوادر التنظيمية، وقد شرحنا ذلك بالتفصيل.

ج. تحديد الهوية: في التنظيمات يحصل كل شخص على هوية معيّنة بناءً على الدور الذي يقوم به ومدى تأثيره في القيام بالمهمّة والمكانة التي يحصل عليها بين الآخرين، وإذا ركز الشخص على هويته فإنّه سيبني شخصيّته على ذلك الأساس.

د. الإدارة: القيام الأمور بالتشارك مع الآخرين، بعبارة أخرى: الإدارة تعني الاهتمام بالأمور وإنجاز المهمّات عن طريق مساعدة الآخرين. ومن الجدير بالذكر أنّ العمل التنظيمي في علم الإدارة يشير بالدرجة الأولى إلى شجرة التسلسل الوظيفي في الهيكلية. وبالاعتماد على التنظيمات يمكن تقسيم الأعمال الكبيرة إلى أعمال ومهمّات أصغر والقيام بإنجازات كبيرة.

من الجدير بالذكر، بناءً على التأثيرات الأربعة المذكورة آنفاً، أنّ التعريف السائد في المجتمع للتنظيمات هو تعريف يعتمد على بعدٍ واحد، وهو البعد الإداري «التنظيم والإدارة»، في حين أنّ التأثيرين الآخرين في تعريف التنظيمات لهما تأثير لا يقل عن تأثير الإدارة. وفي تعريف عملي يمكننا أن نقول: إنّ العمل التنظيمي هو التفاعل بين أربعة تأثيرات هي: بناء الكوادر، والنظم، والهوية، والإدارة.

الزاوية الثانية الالتفات إلى معنى مفهوم التنظيمات مقارنةً بالمفاهيم والمصطلحات المشابهة والمتضادة. المفاهيم المختلفة التي تدل على حركة جماعية وتقارب التنظيمات والتشكيلات من ناحية المعنى. وبعض هذه الكلمات هي: المنظمة، والمؤسّسة، والشركة، والمنتدى، والمجموعة، والفريق. وهنا سنسلط الضوء على أهم هذه المفاهيم:

  1. الهيئة (institution): مجموعة لها هيكلية متطابقة مع بعد معنوي قوي جداً، يرى أعضاء المؤسّسة أنّ حياتهم تعتمد على هذا البعد وأنّ أيّ تغيير في ذلك البعد أو زواله يؤثر في الأعضاء وفي المجتمع ككل. الهيئة هي منظمة اجتماعية مميزة تأسّست منذ القدم ولا يمكن أن تزول مثل العائلة، والدين، والمجتمع، والدولة، والاقتصاد (السوق)، والتربية، والتعليم …إلخ. وفي ثقافة العمل التنظيمي تعتبر الهيئة هي أقرب مفهوم للعمل التنظيمي الذي نشرحه في هذا الكتاب الذي يشمل أربعة أركان سبق ذكرها «الهدف، والأعضاء، والقائد، والنظم».
  2. المنشأة (Foundation): نوع من التنظيمات تمّ تأسيسها وفقاً للتعريف القانوني للقيام بمهمّة خاصّة، ويجب إنفاق الأرباح المتحصّل عليها من عمل المنشأة في مجال الأمور الاجتماعية أو الأفكار ذات العلاقة بالهدف الرئيسي للمنشأة. بالنظر إلى أنّ المنشأة هي نوع خاص من التنظيمات، فهي تعتبر نوعاً خاصّاً من التشكيلات والتنظيمات التي تشمل الأركان المذكورة آنفاً.
  3. المعهد (institute): مؤسّسات غير تجارية، ومجموعات يتمّ تأسيسيها لأمور غير تجارية، مثل الشؤون العلمية والأدبية والخيرية وأمثال ذلك؛ ويمكن أن يقصد المؤسّس الحصول على النفع من ذلك أو ألا يقصد الانتفاع من المعهد ويمكن أن يطلق عليها أسماء من قبيل المنتدى، والمركز أو غير ذلك.
  4. الشركة (company or Corporation) : وتعني التشارك في أمر. تعريف الشركة من الناحية القانونية: هو اجتماع عدد من الأشخاص للقيام بنشاط معيّن، ويشمل ذلك النشاط التجاري، والثقافي، والاجتماعي. الشركات التجارية تشمل اجتماع اثنين أو أكثر من الأشخاص الطبيعيين أو اعتباريين من أجل القيام بأعمال تجارية وتحقيق أرباح. يمكن الشركة أن تكون أحد التنظيمات التي تهدف للقيام بدور في المجال الاقتصادي.
  5. الحزب (Party): الحزب هو مفهوم سياسي؛ وهو مجموعة من الأشخاص التي تهدف إلى التأثير في الحكومة والحصول على السلطة. وفي هذا التعريف يمكننا أن نلاحظ الأركان الأربعة للتنظيم والتوصّل إلى تنظيم سياسي يهدف إلى تحقيق مهمّة سياسية والحصول على السلطة في الحكم.

يُلاحظ أنّ هذه المفاهيم لها ارتباط وثیق بمفهوم التنظيم، ولكن هناك بعض المفاهيم سيتم شرحها بإسهاب أكثر في الفصل التالي، مثل المؤسسة التي تشبه التنظيم من الناحية الظاهرية، ولكنّها من الناحية الذاتية تفترق كثيراً عن مفهوم التنظيمات.

ومن الزاوية الثالثة يمكن فهم مفهوم التشكيلات في الثقافة القرآنية؛ ففي القرآن الكريم كلمات مختلفة تدلُّ على الحركة الجماعية بعناصر مختلفة، وهي من قبيل: الجيش، والأهل، والقوم، والآل، والفئة، والعصبة، والجمع، والطائفة، والقبيلة، والفتية، والبنيان، والناس، والرجال، والأمة، والشيعة؛ ولكلٍّ من هذه المفاهيم تعريفه الخاص، ومن المناسب أن تكون هناك دراسة مستقلة حول هذا الموضوع. وفي هذا القسم نشرح بعض هذه الكلمات القرآنية، كما يلي:

  • الجيش: وهو يتكوّن من اجتماع الألوية، وجمعه الجيوش، وهذه الكلمة تستخدم غالباً في الثقافة العسكرية. وفي الكلمات التي تستخدم إلى جانب كلمة الجيش نرى نوعاً من التحرك؛ مثل جيوشات النفس، وتشير إلى الصدر المليء بالغضب، وجيوشات القِدْر: غليان القدر، وجيوشات البَحر: البحر العاصف، وجيوشات الميزاب: خروج المياه من الميزاب، وجيوشات نفس الجبان: اضطرب قلب ذلك الرجل الجبان ودفعه إلى الفرار وغيرها. ووفقاً لهذا التعريف فإنّ عناصر كلمة الجيش عبارة عن مجموعة لها أهداف عسكرية، وفيها نوع من الحركة، وهذه الحركة غير هادئة وغير عادية.
  • الأهل: أهل الرجل: وتعني الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس النسب أو الدين أو شيء، مثل ذلك مثل العائلةو، المدينة أو المبنى و… وهؤلاء الأفراد يرتبط بعضهم ببعض، ويوصف هؤلاء بأنّهم أهل الشخص أو عائلته[10]. يحمل هذا المفهوم نوعاً من العلاقة الشديدة بين الأفراد إلى درجة أنّهم يعتبرون أنفسهم أهلاً بعضهم لبعض. ومن التعاريف المشتقة من الأهل يمكننا أن نذكر: «أهلاً ومرحباً؛ للترحيب بالشخص الذي يأتي إلى المنزل ونريد أن نقول له: إنّك أنت وعائلتك ستكونون في أمان وراحة عندنا»[11]. لذلك فإنّ هذه الكلمة تشير إلى الأنس والعون[12] في محتوى الكلمة حيث يرحب الأشخاص بعضهم ببعض بسبب الأنس والألفة. ويمكن القول إنّ هذا المفهوم يشابه تقريباً كلمة العائلة[13]؛ إذ إنّ هذه العلاقة المطلوبة قائمة في العائلة. وجاء في القاموس: أهل الرجل هم عشيرته وأقرباؤه، وأهل الأمر هم الولاة. أهل المنزل هم الساكنون فيه، وأهل المذهب هم من يحملون تلك العقيدة. وجاء في القرآن: «أهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وأهل القرى، وأهل المدينة، وأهل البيت، وأهل الذكر، وأهل هذه القرية، وأهل النار، وأهل التقوى، وأهل المغفرة». ويجب أن نضيف إلى ذلك أنّه وفقاً للاستخدام القرآني للكلمة وحسب قول أهل اللغة تستخدم كلمة الأهل عندما تكون هناك علاقة شاملة بين عدد من الأفراد؛ مثل الأب، والمدينة، والكتاب، والعلم وغيره بالإضافة إلى وجود الألفة والأنس بين هؤلاء الأفراد، لذلك تضاف كلمة الأهل إلى تلك العلاقة الشاملة، مثل أهل الكتاب[14]. أمّا العناصر التي يمكن استخراجها من هذا التعريف فهي: الإجماع، والمعية، والعلاقة الشاملة بين الشيء وأهله، ووجود الأنس والألفة بينهما، والاتحاد في العقيدة، ولا يُكتفى بعلاقة ظاهرية.
  • آل: كلمة «آل» هي مقلوبة من أهل، ومصغّرها هو «أهليل»، وتستخدم فقط للأشراف والفضلاء؛ مثل آل الله. ولا تستخدم للأشخاص غير المعروفين أو للمكان والزمان[15]. جيش فرعون كانوا يتبعونه ويؤمنون بما يؤمن به؛ لذلك هم أهله وآله، وهذا يتّفق مع ما ذكرناه حول الأهل وقلنا: إنّهم أشخاص يحملون نفس عقدية الفرد، وأهله وآله. كما في الآية: <وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ>. العناصر الرئيسية لهذا المفهوم هي نفس عناصر الأهل بالإضافة إلى استخدامه للأشراف والفضلاء.

  • [1] سورة الإسراء، الآية 84.
  • [2] المفردات في غريب القرآن، ص 266، الراغب الأصفهاني.
  • [3] المعجم موسوي للجميع لاروس، الدكتور خليل الجر.
  • [4] المعجم المعاصر، عربي – فارسي آرتاش آذرنوش.
  • [5] معجم رائد الطلاب.
  • [6] معجم دهخدا.
  • [7] معجم الدكتور معين.
  • [8] معجم المترادفات والمتضادات، فرج الله خدا برستي.
  • [9] أصول الكافي، المجلد1، الصفحة 44.
  • [10] المفردات في غريب القرآن، ص96.
  • [11] المصدر نفسه.
  • [12] معجم أبجدي عربي – فارسي ص11.
  • [13] قاموس القرآن، ج1، ص135.
  • [14] المصدر نفسه.
  • [15] المصدر السابق.

  • [1] المترجم: عنوان الكتاب في اللغة الفارسية يذكر «التشكيلات» ولكن في العربية تم اختيار كلمة التنظيم بدلاً من التشكيل كي يكون المعنى أقرب إلى ذلك القارئ العربي.
المصدر
كتاب العمل التنظيمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟