مواضيع

تحقيق هدف إقامة الحكومة الإسلامية

الحكومة هي الهيكلية التي تتولّى مسؤولية إدارة البلد. وعلى هذا الأساس فإنّ الحكومة تتكون من شبكة من الأنظمة والقوانين التي إذا عملت بصورة صحيحة ستكون قيادة المجتمع أمراً ممكناً بسهولة كبيرة. ينجح في هذا المجال:

أولاً: الأشخاص الذين لهم خبرة في شبكة الأنظمة والقدرة الكافية من أجل العمل بهذه الشبكة.

ثانياً: من يمتلكون القدرة والطاقة من أجل أن يكونوا ضمن محور هداية الشعب.

إنّ الحكومات تؤثّر بصورة مباشرة في أسلوب حياة الناس عن طريق الأنظمة والقوانين التي تضعها، وإنّ تربية المديرين الذين يستطيعون تولّي هذه المهمّة بنجاح هي فرصة وعملية لا يمكن أن نقترح من أجل إتمامها سوى نظام التنظيمات والعمل التنظيميّ. وبناءً على ذلك، نحتاج إلى معسكرات لتدريب قوات تعمل في هذا المجال. من ناحية أخرى، نحتاج إلى السلطة من أجل المشاركة المؤثرة في هيكل الحكومة ورسم معالم هذا الهيكل، لذلك يجب أن يكون الدخول في هذا الهيكل عن طريق تنظيم ولعب دور في هذا المجال. إنّ ما يُسمّى بالأحزاب في البلدان الأخرى، هو أداة تحقّق هذه المهمّة المشار إليها.

وبناءً على ذلك يمكن أن نذكر مهمّتين للتنظيمات:

الأولى: أن تكون منطلقاً من أجل تدريب الكوادر البشرية المناسبة من أجل لعب دور في بناء الدولة.

والثانية: أن تكون إطاراً للتحرّك والتنفيذ، وهنا يسمّونها الوحدة.

‌أ.       عمل التنظيمات إنتاج السلطة

لطالما كان الإنسان يبحث عن السلطة؛ ليخفي نقاط ضعفه، ولكن المخزن الذي يمكن استخدامه لإنتاج السلطة يختلف من حالة إلى أخرى. وبصورةٍ عامّة يتمّ اعتماد القوة والإمكانيات المتوفّرة لإنتاج السلطة؛ لذلك فإنّ الكثيرين منّا يرون أنّ الوصول إلى السلطة من دون الأموال أمر غير ممكن، والكثيرين يحاولون الحصول على السلطة عن طريق مكانتهم وشأنهم. يرى هؤلاء الأشخاص أنّهم كلّما استطاعوا أن يحصلوا على مكانة اجتماعية، وسياسية أو مؤسّساتية أعلى فإنّهم يحصلون على مقدار أكبر من السلطة، في حين أنّ مجموعة أخرى من الأفراد ترى أنّ السلطة في القدرات الفردية، ويحاولون زيادة قدراتهم الفردية من أجل تعزيز سلطتهم.

يبدو أنّ القوة البشرية هي أحد أهم مصادر السلطة؛ وبصورة خاصة عن طريق جمع الأفراد في إطار تنظيم. إنّ هذه السلطة الأكثر دواماً جداً، كما أنّها أقل تكلفة جداً. إذن نحن نتكلم عن مصدر سلطة أقوى وأرخص، إنّ عشرة أشخاص منظمين في إطار مؤسّسة محدّدة يتفقون على هدف واحد، حتى لو لم يكونوا أبطال حرب، إلا أنّهم يستطيعون إنجاز ما ينجزه عدد من الأبطال. ونحتاج إلى المزيد من التفصيل حول آلية إنتاج السلطة عن طريق اتحاد الأشخاص.

سنشرح هذا الموضوع بمثال؛ على الأرجح أنّك قد شاهدتَ قطع المعكرونة والمسابقات التي تقام في هذا المجال، فكل قطعة من قطع المعكرونة ضعيفة جداً وحدها وسهل كسرها؛ ولكن عند ترتيب هذه القطع في نظام هندسي معين من قبل المهندسين، فإنّها أحياناً تستطيع أن تتحمل حتى وزن 600 كيلوغرام؛ وهذا يعني أنّ تلك القطع المصنوعة من الجماد الضعيف ستكون لديها قوة تعادل 6 أشخاص. هذا الأمر عجيب جداً ولافت للنظر! ما الذي يحصل؟ هل تغيّرت المعكرونة إلى شيء آخر؟ وهل يمكن أن يكون حدث ظاهري ناجم عن نوع من هندسة توصيل قطع المعكرونة بعضها ببعض منتجاً لطاقة تبلغ آلاف الأضعاف؟ نعم، الجواب يكمن في نوع هندسة العلاقة بين الأشخاص، ومن هنا نتعلم التنظيم. يمكن القول أنّ مصدر إنتاج هذه القوة في التنظيم يكمن في المجالات الأربعة الآتية:

أولاً: العلاقة والارتباط بين البشر؛ فكلّما كانت العلاقات والارتباطات مع عدد أكبر من البشر في التنظيم، كانت قوة التنظيم أكبر. إذا تواصل الأشخاص العشرة بعضهم مع البعض وتمّ رسم شكل للتعاون بينهم، فإنّ قوتهم ستكون أكبر من قوة عشرة أشخاص لا يتواصل بعضهم مع بعض.

ثانياً: في مجال انسجام العلاقة وتعزيز قوتها، كلّما كانت العلاقة بين هؤلاء الأفراد أوثق وأعمق، نجمت عنها قوة أكبر لأطراف العلاقة.

ثالثاً: هناك أشكال مختلفة لشكل ومظهر التنظيمات، وهذا يشبه نوع الاتصال بين فتائل الشعرية بعضها ببعض، ممّا يمكن أن يؤدي إلى إنتاج قوى مختلفة. لذلك فإنّ شكل التنظيم ومظهره الذي تعود جذوره إلى شكل التنظيم أمر له أهمية كبيرة؛ وموضوع الاصطفاف يُصبح أوضح في الحروب عندما يتواجه جيشان، وفي الظروف غير المتكافئة، لا يؤدي نوع الاصطفاف العسكري إلى تأثير كبير في إيجاد القوة من أجل الانتصار على الجيش.

رابعاً: كلّما كانت قدرة القائد والإستراتيجية في الحركة أقوى أدى ذلك إلى المزيد من القوة في التنظيمات، فالقائد الذي لديه قوة أكبر من أجل التأثير في التنظيم، ينتج قوة أكبر من تلك التي ينتجها قائد في تنظيم غير منسجم.

وضع رسم بياني 3

مصادر إنتاج القوة

  1. العلاقة بين الأفراد
  2. تعزيز وتقوية العلاقات
  3. مظهر التنظيم
  4. قدرة القائد

من الملاحظ أنّ نوع التعاون وتقسيم المهام في التنظيمات يؤدي إلى التغطية على ضعف الأفراد. ومن ناحية أخرى، دعم الأعضاء بعضهم لبعض مقابل الهجمات والظروف يؤدي إلى زيادة قدرة الأفراد على التطور. بالنظر إلى ما مرّ ذكره، يمكن القول أنّ التنظيمات تقوّي الإنسان الضعيف وهي آلية لإنتاج القوة. إنّ هذه الصفة للتنظيمات هي من حالات الإعجاز الظاهري التي إذا ما ترافقت مع إيمان الأشخاص في الداخل مع الإمداد الغيبي الخارجي، يمكنها أن تنتج قوة لا يمكن منافستها وهو أمر قد تكرّرت الأمثلة عليه في المجتمع الإسلامي مراراً.

وفي ثقافة الإدارة الغربية يطلق على القوة الجماعية اسم التآزر أو سينرجي[1]، ولكن في تعاليمنا الدينية نطلق على ذلك اسم البركة. ووفقاً لهذا، فإنّ قوة المؤسّسة لا تساوي حاصل جمع قوة شخص واثنين وثلاثة، بل إنّ قوّة المؤسّسة تتصاعد بطريقة هندسية، أي أنّه إذا كان لدينا إنسان قوته عشر وحدات وآخر عشرين وثالث أربعين، وانضمّ بعضهم إلى بعض، فإنّ حاصل جمع قوتهم لن يكون 70، بل يمكن أن تزداد قوتهم معاً إلى مستوى 150 وحدة.

إنّ مذكّرات قلعة الموت وما ذكر حيالها في التاريخ، إنّما هي نموذج ملموس وبارز لقوة التنظيم. قلعة الموت هي منطقة في محافظة قزوين الإيرانية تتميز بظروفها الجغرافية الخاصة، وخلال اجتياح المغول لإيران، اشتبك حسن صباح الذي كان له تنظيم في هذه القلعة مع المغول، وبقيت المنطقة عصية عليهم لمدّة طويلة إلى درجة أنّ قلعة الموت كانت من آخر المناطق التي استطاع المغول السيطرة عليها. ولكن ما سبب تلك المقاومة في القلعة؟ على الرغم من أنّ الموقع الجغرافيّ لهذه القلعة ساعدها للمقاومة، ولكنّ الأهم من ذلك كان خوف الحُكام المغول وقادتهم من المجموعة الصغيرة التي في القلعة، على الرغم من أنّهم كانوا قلة ولا يملكون عدداً كبيراً إلا أنّهم كانوا ينتشرون في كل مكان ويقومون بعمليات مختلفة، حتى إنّهم كانوا يمارسون الاغتيالات والهجمات الانتحارية؛ فمثلاً ذهب أحدهم إلى إمام الجمعة الذي أفتى بكفر حسن صباح واغتاله بسكين. وهذا التنظيم والعمل التنظيميّ كان يجعل هذه المجموعة تظهر في كل مكان، وكانوا يتعرّف بعضهم على البعض بصورة جيدة ويدعم أحدهم الآخر، وهذا الأمر أدى إلى زرع خوف كبير في قلب العدو.

إنّ الغفلة عن هذا الجانب من بناء القوة، أدى إلى ألا نتجه للقيام بأعمال كبيرة وخارج الإطار الفكري العادي. لذلك فإنّ تنظيماتنا لم تتكوّن بصورة جيدة، وبالتالي فإنّها لا تحصل على الطاقة المناسبة من مصدر الطاقة. والنتيجة أنّ أفرادنا يخشون القيام بالأعمال الكبيرة ويردّدون أقوالاً يائسة باستمرار.

ومن ناحية أخرى، يجب أن ننتبه إلى أنّ القوة التي تنتج عن طريق التنظيم تؤدي إلى زيادة النفوذ الاجتماعي للأشخاص؛ فالتنظيمات تفضي إلى أن يمتلك أعضاء التنظيم قوة اجتماعية إضافية. ويجب الالتفات إلى أنّ زيادة القوة الاجتماعية لا توجب أن يكتسب الأشخاص المناصب أو أن يتولّوا المسؤوليات؛ ولا حاجة لأن تكونَ رئيساً للدولة أو محافظاً حتى تكون لديك سلطة اجتماعية كبيرة، بل يكفي أن نؤسّس تنظيماً صحيحاً ويمكننا حينها الحصول على نفوذ اجتماعي أكبر بكثير من نفوذ المحافظ أو حتى رئيس الجمهورية. إذا تمّ رسم العلاقة بين أعضاء التنظيم بصورة صحيحة وتوضيح المهام بصورة صحيح، فإنّ التنظيم سيحصل على نفوذ اجتماعي وسيكون مؤثراً. وعند حصول التنظيم على النفوذ سيتحرّك الناس وفقاً للاتجاه الذي يحدّده التنظيم ويتفاعلون مع ذلك، وإذا كنّا نسعى إلى الحصول على المناصب الاجتماعية والسياسية فإنّ الحصول عليها ممكن عن طريق التنظيم.

تجربة هتلر في الإمساك بزمام الأمور في ألمانيا وتفعيل جميع الإمكانيات والقدرات الألمانية في الحرب العالمية للغزو هي تجربة لا يمكن تبريرها منطقياً، ولكنّها تشير إلى قوّة خارقة للطبيعة ظهرت بين الأشخاص عبر هذا الطريق ومن خلال النفوذ بين الناس.

الموضوع الآخر الذي يجب الالتفات إليه هو أنّ التنظيم لا يمنح القوّة لشخصٍ واحد، أي لقائد التنظيم، بل إنّ جميع أعضاء التنظيم سيصبح لديهم قوة ونفوذ. ومن المؤكّد أنّ مدى قوتهم ومدى استخدام هذه القوة العامة الموجودة في التنظيم سيختلف من شخص إلى آخر؛ على سبيل المثال، إذا دخل شخص إلى مشروع ما بالنيابة عن تنظيم وبدأ العمل، فإنّ كامل قوة التنظيم ستكون خلفه وتعزّز موقفه.

وفقاً لما تمّ ذكره، تقوم التنظيمات بإنتاج القوة والسلطة عن طريق العلاقات التي تربط بين الأشخاص ممّا يؤدي إلى التآزر والبركة. وهذه القوة تؤدّي إلى زيادة النفوذ الاجتماعي للتنظيم في المجتمع ممّا يجعل عامة الناس تابعين ومناصرين لأهداف ومطالبات التنظيم. إنّ هذا الاتباع يؤدّي إلى أن يصبح التنظيم مؤثراً في القرارات الرئيسية في المجتمع باعتباره أحد العناصر المؤثرة في حركة المجتمع، وبالتالي سيقوم التنظيم بدورٍ حقيقيٍّ وفعال في المجتمع. لذلك يعد الانتماء إلى التنظيمات أمراً مهماً للأفراد لتوسعة سلطتهم في المجتمع؛ لأنّه يؤدي إلى زيادة قوتهم وتأثيرهم، حتى لو كان الشخص عضواً عادياً في ذلك التنظيم، فإنّ ذلك سيسهم أيضاً في أن يكون نفوذه وسلطته الاجتماعية أكبر ممّا كانت عليه قبل الانتماء إلى التنظيم.

وضع رسم بياني 4

مراحل التأثير في المجتمع

إنتاج القوة عن طريق العلاقات بين الأشخاص

ثم النفوذ الاجتماعي

ثم إيجاد مناصرين واتباع للتنظيم

ثم التنظيم يصبح مؤثراً في القرارات الرئيسية في المجتمع

‌ب.   التنظيمات قناة للتمرين وبناء القدرات

بناء الدولة، وخاصّةً بناء الدولة الإسلامية، يحتاج إلى مدراء أقوياء وفاعلين، وبناءً على ذلك يجب التخطيط للتدريب وصنع قادة على هذا المستوى في المجتمع. إنّ انتشار التنظيمات والأدب التنظيمي في المجتمع سيؤدّي إلى توفير الأجواء والقدرات اللازمة من أجل تمرين هؤلاء المدراء وازدهارهم. يجب الالتفات إلى أنّ كل دولة في المجتمعات البشرية هي تركيبة من المؤسّسات والتنظيمات، وأنّ هذه المؤسّسات والتنظيمات تحتاج إلى مدراء وكوادر تنفيذية. لذلك نحتاج إلى صناعة عنصرين وفقاً للأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية من أجل إقامة الدولة الإسلامية:

أولاً: تنظيم العلاقة، الشكل والنظم بين المؤسسات والتنظيمات.

ثانياً: المدراء الذين يتولّون قيادة هذه المؤسّسات والتنظيمات؛ وهؤلاء الأفراد سيكونون الحُكام والمدراء في الحكومة الإسلامية.

الملاحظة المهمّة التي تسلّط الضوء على ضرورة العمل التنظيمي هي أنّ الأشخاص يجب أن يتمتعوا بقدرات متعدّدة وعميقة وشاملة من أجل أن يتمكنوا من أن يعملوا كحكام ومسؤولين في الحكومة الإسلامية وأن يديروا المجتمع. من البديهي أنّ هذه القدرات لن تولّد بشكل تلقائي في الأفراد، بل يجب أن يتمّ التخطيط لارتقاء هذه القدرات في الأفراد ووضع آلية وبرنامج محدّد لإنجاز ذلك. إنّ التنظيمات هي معسكر التدريب الذي تمّ اختياره لانجاز هذه المهمّة؛ أي أنّ مشاركة الشخص في التنظيمات يؤدي إلى قيامه بالأعمال الصغيرة والكبيرة ومن ثمّ يستعد شيئاً فشيئاً لزيادة طاقاته إلى مستوى الإدارة على مستوى المجتمع الإسلامي، وبعد ذلك يمكن بسهولة تولية المناصب المهمّة في نظام الحكم لهؤلاء الأشخاص.

يجب أن نلتفت إلى أنّ المناصب في نظام الحكم التي تدير شؤون المجتمع المهمّة ليست مجالاً للتمرّن أو الاختبار والخطأ. الأشخاص الذين يتولّون هذه المناصب يجب أن يرتكبوا أصغر عدد ممكن من الأخطاء وأن يكون لهم الحد الأقصى من التأثير الإيجابي. عندما يحصل الفرد على إمكانيات من بيت المال، يجب أن يكون مسؤولاً عن جميع الأموال التي فيه وأن يوفر إجابات شافية لذلك. بالنتيجة يجب ألا يدخل عديمو الخبرة إلى مستويات الإدارة كي لا يقوموا بإدارة الأمور عن طريق التجربة والخطأ للعثور على الجواب الصحيح؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى ضياع الفرص والأموال في المجتمع الإسلامي.

وبعبارة أخرى: الحكومة الإسلامية هي ساحة المنافسة، وساحة المنافسة ليست مكاناً للتجارب والبحث عن الطريقة الصحيحة واكتساب المهارة؛ مثال ذلك أنّ الرياضي عندما يدخل إلى المنافسات الأولمبية، فإنّه لا يملك الوقت من أجل التمرن. هناك ساحة المنافسة، وإذا خسر نقط فإنّه سيتعرّض للهزيمة. على العكس من ذلك الرياضي الذي يخسر نقطة في مباراة ودية، فهو يخسرها في ساحة التمرين والاستعداد من أجل الفوز بالأولمبياد، وخسارة نقطة تساعد الرياضي على اكتشاف نقاط ضعفه والنقص الذي يعاني منه من أجل معالجة المشاكل قبل المنافسات الأولمبية. والحكومة الإسلامية تشبه الأولمبياد، مساحة للتنافس وليست فرصة للاختبار والتجربة. وأيُّ شخصٍ يريد أن يشارك في هذه المسابقة يجب أن يكون قد تمرّن مسبقاً، يجب أن يكون قد استعدّ ودخل في معسكرٍ تدريبي قبل ذلك. المعسكر التدريبي في هذه الحالة هو العمل التنظيمي.

لا يمكن أيّ شخصٍ عاقل أن يسمح لشخص غير مستعد ولم يتمرّن أبداً أن يشارك في الأولمبياد، في الحكومة الإسلامية يجب ألا نسمح للأشخاص الذين لم يتمرنوا ولم يكتسبوا أية خبرات أن يعملوا كمدراء. لذلك إذا أراد نظام الجمهورية الإسلامية أن يسلم مسؤوليّة ما لشخص معيّن، يجب أن يتمّ التأكد أولاً من تاريخه في العمل التنظيمي، ويجب ألا يدخل شخص ما إلى ساحة المنافسة في الدولية الإسلامية من دون أم يمتلك تدريباً واستعداداً مسبقاً.

شاهدنا مرّات ومرّات أشخاصاً كوادر أصحاب خبرة في العمل التنظيمي، وكيف كان عملهم أفضل بكثير وأدق خلال تولّي المناصب الحكومية، وعلى العكس هناك مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين لم يشاركوا في أيّ عمل تنظيمي، وتمّ اختيارهم فقط لأنّهم كانوا من طبقة النخبة العلمية أو الفكرية وبعد اختيارهم كمسؤولين ارتكبوا أخطاء كبيرة وحقيقية؛ وهي أخطاء تفهمها كوادر المؤسسات ممّا يؤدي إلى تقليل نفوذ هذا الشخص والحطّ من منزلته.

ويمكن استسقاء هذا المعنى من كلام أمير المؤمنين  (ع) حيث يقول في الخطبة 28 من نهج البلاغة: «أَلا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمارُ، وَغَداً السِّباقُ». تمّ ذكر هذا القول مرّةً في العلاقة بين الدنيا والآخرة ومرّةً حيال القيام بالأعمال الدنيوية. وفي العلاقة بين الدنيا والآخرة، فإنّ الدنيا هي ساحة من أجل التمرين والقيامة هي محل المنافسة. ولكنّ أمير المؤمنين ذكر ذلك في ساحة النخيلة، وهي منطقة عسكرية كانت قوات الكوفة تجتمع فيها قبل الجهاد جماعات جماعات للتنظيم، وبعد القيام بالتمرين اللازم والتدريب، كانوا ينطلقون نحو ساحة معركة الجمل على شكل ألوية ووحدات. وكان سيدنا أمير المؤمنين يزور المكان في أوقات مختلفة فيما يشبه الاستعراض العسكري، وقد وصف في إحدى الزيارات النخيلة بأنّها منطقة التمرين للمنافسة وأنّ المعسكر الرئيسي للحرب هو صفين. استعرنا هذه الجملة من أجل التنظيم والعمل التنظيمي والعلاقة بينه وبين الحكومة الإسلامية، حيث يجب أن يكون هناك معسكر تدريبي ومنطقة للاستعداد من أجل أن يتمرّن الأشخاص قبل تولّي المسؤوليات الاجتماعية. العمل التنظيمي هو المعسكر التدريبي.

بعد ذلك يجب أن نجيب عن السؤال الآتي: ما هي التمارين التي يجب أن تتمّ في المعسكر التدريبي؟ وما هي المهارات التي يجب أن تزرع في المتدربين؟ يجب أن يتمّ التدرب على موضوعين في العمل التنظيمي:

الموضوع الأول: مهارة التواصل بين الأفراد، وهي مهارات ضرورية من أجل إدارة التنظيم. وهذا المجال في الحقيقة تمرين فردي؛ أي أنّ الفرد يتمرّن من أجل أن يتعلّم المهارات التي يحتاجها.

الموضوع الثاني: ـ وهو أهم بكثير وأهمل أكثر ـ تمرين الفريق؛ وتوضيح ذلك أنّ في بعض الأحيان يكون جميع الأشخاص في التنظيم، ويتعلّمون المهارات التنظيمية بصورة جيدة، ولكنّهم ما يزالون لا يستطيعون العمل بعضهم مع البعض بصورة جيدة، أي أنّهم لم يتحوّلوا إلى مجموعة منسجمة. يجب التمرن في التنظيم على العمل كفرق ومجموعات وتعزيز المهارات، إلى أن يتولّوا مهمات أهم وأكبر، وعندها لن يكونوا بحاجة لاختبار الطرق المختلفة من أجل الانسجام في العمل.

انتبه إلى هذا المثال من أجل أن تصبح الصورة أوضح: افرض أنّ شخصاً تمّت توليته مسؤولية في دائرة حكومية معينة. من أجل أن يقوم بهذه المهمّة بصورة صحيحة فهو يحتاج إلى 15 شخصاً على سبيل المثال ليعلموا في الطبقة الأولى وأن يعمل بعضهم مع البعض، وأن يشرفوا على عمل باقي الأشخاص في المؤسسة. إذا كان هذا الشخص قد مارس العمل التنظيمي سابقاً وكان قد عمل إلى جانب هؤلاء الأشخاص الخمسة عشر، فإنّه يعرف صفات كلٍّ منهم جيداً وهو يعمل معهم بصورة منسجمة تماماً، ويمكنه أن يوزّعهم في المناصب المختلفة بما بتناسب مع احتياجات المؤسّسة وأن يعتمد على التنسيق الموجود بينه وبين هؤلاء الأشخاص لإدارة أمور المؤسّسة ودفع عجلتها إلى الأمام. ولكن إذا لم يكن هذا الشخص قد مارس العمل التنظيمي مسبقاً، فإنّه لا يعرف الأسس والقواعد، وليس لديه فريق أو مجموعة عمل من أجل الاعتماد عليها. والنتيجة عليه أن يعتمد على أسلوب التجربة والخطأ من أجل العثور على الأشخاص المناسبين للمناصب المختلفة، فعدم امتلاك فريق أو مجموعة يؤدي إلى اعتماد المدير على التجارب والتعلّم من الأخطاء من أجل بناء فريق عمل، وهذا الأمر يؤدي إلى أفول مستوى المؤسّسة والعودة إلى الخلف.

بناءً على ما مرّ ذكره، لبناء الحكومة الإسلامية نحتاج إلى الاستعداد على مستوى الأفراد الذين ازدهرت قدراتهم وتم تدريبهم، ونحتاج إلى أن يكون هناك تنسيق مستوى فرق العمل ومجموعاته المتكونة من نفس هؤلاء الأشخاص. وهذا يتمّ في معسكر التدريب الذي هو العمل التنظيمي. بالتالي كلّما شاعت في المجتمع الحياة التنظيمية وأسلوب الحياة التنظيمي وثقافة التنظيمات، فإنّ أشخاصاً أكثر خبرة ومهارة سيستعدون من أجل تولي المناصب الحكومية، وهذا يعني الحركة بسرعة أكبر باتجاه الحضارة الإسلامية المعاصرة.

وضع رسم بياني 5

التمارين المطلوبة

  1. مهارات التواصل بين الأفراد
  2. تمرين الفريق

‌ج.    التنظيمات هي ساحة تشكيل الوحدات لإدارة الحكومة الإسلامية ومواجهة العدو

التنظيمات قادرة على أن تكون ساحة من أجل تدريب الكوادر والفرق المؤثرة في إدارة الحكومة الإسلامية، وكل تنظيم يمكنه أن يكون أشبه بوحدة عسكرية قتالية، وأن يقوم بجزء من مهمّات الحكومة الإسلامية ويتولى مسؤولية ذلك. بعبارة أخرى: التنظيمات الناجحة يمكنها أن تلعب دوراً وأن تؤدي مهمّات الحكومة الإسلامية من دن الحاجة إلى الدخول في هيكلية هذه الحكومة. لذلك فإنّ النظام المطلوب لدينا ينصُّ على أن تكون الحكومة الإسلامية صغيرة الحجم من ناحية الهيكلية وأن تقوم التنظيمات الثورية بالمهمات والمسؤوليات. وفي هذه الرؤية يتولى كل تنظيم مسؤولية قسم مستقل وواجب مشخص من أجل التطور في المجتمع الإسلامي.

يجب أن نفهم معنى الوحدة القتالية ودورها في الجبهة أكثر من أجل أن يتمكن التنظيم من القيام بهذا العمل وأداء الدور التنظيمي بصورة أفضل. بالنظر إلى أنّ الحكومة الإسلامية هي المحرك الذي يدفع باتجاه الحضارة الإسلامية، وبناء الحضارة سوف يواجه – وبلا شكّ – عدوّاً حضاريّاً، سيركز العدو – وبلا شك – على ضرب محرّك هذه الحركة من أجل وقف حركتها نحو بناء الحضارة. وبناءً على ذلك فإنّنا نشهد في العادة مواجهة بين الجبهات مع العدو في مسيرنا نحو الحكومة الإسلامية. فهم وجود الجبهة يعتمد على فهم وجود العدو ومواجهته هناك، حيث إنّ الجبهة يتمّ تحديدها من أجل مواجهة العدو والانتصار عليه.

الوحدة القتالية في الجبهة تقوم بنفس ما يقوم به التنظيم، ولكن ليس أي تنظيم، بل التنظيم المهني، فالوحدة القتالية لا تقتصر على المقاتلين والمجاهدين. الوحدة القتالية هي تنظيم لا يعمل على أساس خطته، بل وفقاً لخطة تمّ وضعها على أساس الجبهة في ساحة المعركة، وهي تقوم بواجب محدّد في ساحة المعركة بالتنسيق مع الوحدات القتالية الأخرى. الوحدة القتالية هي تنظيم لا يعتمد على الفردية، بل يعمل بالتنسيق مع الآخرين وفقاً لخطة المعركة. وفي هذا التعريف توافق التنظيمات على أن تحدّد حريتها في العمل من أجل تقديم الخدمات في المجال المطلوب منها فقط.

تواجه الحكومة الإسلامية مجالات مختلفة لإدارة البلاد، ويشمل ذلك المجال الاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والعلمي، والدفاعي، والأمني وغيرها، بينما يعمل العدو على التخطيط لإضعاف الحكومة الإسلامية في هذه المجالات ويقوم بالهجمات. وفي ظلّ هذه الظروف يجب أن تكون لدى الحكومة الإسلامية:

أولاً: جبهة من الوحدات المنظمة تملك كلٌّ منها قوة في أحد المجالات أعلاه، من أجل أن تمدّ كل وحدة قتالية العون للحكومة الإسلامية في مجال معين وتحول نقطة الضعف التي يستهدفها العدو إلى منطلق قوة. ولتحقيق ذلك يجب أن يكون لكلٍّ من هذه التنظيمات قدرات في تخصص معيّن من أجل صدّ هجوم العدو وتعزيز قوة البلاد في مجال معين.

وثانياً: يجب أن تملك هذه الوحدات القدرة على القتال بعضها إلى جانب البعض في الموضوع المحدّد لها ووفقاً للخطة التي وضعتها هذه التنظيمات، وأن تكون لديها المرونة الكافية في هذا المجال. وهذه التنظيمات التي تملك التخصص والمرونة في أداء الجبهة تُعدُّ من ضروريات قيام الحكومة الإسلامية.

يجب أن نلتفت إلى أنّ التنظيم يتحول إلى وحدة قتالية عندما:

أولاً: تكون هناك معركة كبيرة «مثال ذلك تحرير مدينة خرمشهر من القوات الصدّامية في إيران»، ونقطة هدف للوصول إليها من خلال هذه الجبهة، وأن يتمّ رسم ذلك وتوضيحه جيداً للتنظيمات؛ أي أن يكون الهدف موحداً بين التنظيمات والجبهة.

ثانياً: من أجل الوصول إلى الهدف يجب أن تكون هناك خطة شاملة تحدد دور الوحدات المختلفة ويمكن لها قيادة هذه الوحدات في ساحة المعركة بناء على خطة القيادة. لدينا أهداف كبرى في المجالات المختلفة مثل الاقتصاد، والثقافية وغيرها، ويجب معرفة هذه الأهداف جيداً ووضع خطة مناسبة لكلٍّ منها.

ما دام الهدف غير واضح، لن يكون تكوين الوحدة القتالية ضرورياً في نظر المجاهدين، ولن يقوم الاتحاد الذي نحتاجه بين الوحدات المختلفة. ولكن عندما يتمّ تحديد الأهداف الكبرى في المجالات المختلفة، ستجتمع المجاميع الشعبية تلقائياً حول محور تحقيق هذا الهدف، وسيتم تنظيمهم وفقاً للخطة من أجل مواجهة العدو على شكل وحدات منظمة.

عند تحديد الأهداف الكبرى في المجالات المختلفة يجب أن ننتبه إلى أن تحقيق كل هدف يحتاج إلى خطة خاصة وقوات متخصصة ومدرّبة تختلف عن قوات الأهداف الأخرى؛ على سبيل المثال تحتاج القوات العاملة في المجال الثقافي تعليماً يختلف عن تعليم تلك العاملة في المجال الاقتصادي، كذلك الخطة التي يتمّ وضعها في المجال الاقتصادي من أجل تحقيق أحد الأهداف الكبرى، لن تكون نافعة في المجال الثقافي. العمليات الاقتصادية بحاجة إلى علم الاقتصاد ومهارات العمل الاقتصادي والقوات الاقتصادية، ولا يمكن الاعتماد في هذا على المجال على شخص لم يتدرب للقيام بالمهمّة.

الملاحظة الأخيرة هي أنّه عندما يتمّ تشكيل الوحدات القتالية بصورة جيدة، وتعمل وفقاً لنظام وتنسيق معين بعضها إلى جانب البعض، فإنّ النظام الحاصل من ذلك والتنسيق والقوة تؤدي إلى صيانة النظام الإسلامي ولا تسمح للعدو بالهجوم أو القيام بأيّ تعرّض ضدّ النظام الإسلامي. ويشير القرآن الكريم إلى ذلك في الآية: <وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم ۚ وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ>[2]. حيث إنّ النظام الإسلامي يجب أن يقوي نفسه باستمرار، وأن يكون مستعداً لمواجهة أيّ نوع من التهديدات العسكرية والناعمة؛ كي يخاف العدو فلا يتجرأ على الاعتداء. ويمكن تحقيق هذا الاستعداد عن طريق تشكيل الوحدات والتنسيق بينها.

وضع رسم بياني 6

الأمور المطلوبة لمواجهة العدو

  1. قدرات تنظيمية معينة في تخصصات مختلفة
  2. قدرة التنظيمات المتعددة على القتال إلى جانب بعضها البعض

التنظيم يتحول إلى وحدة قتالية عندما

  1. وجود معركة كبيرة
  2. وجود خطة شاملة تحدد دور الوحدات المختلفة

النتيجة: صيانة النظام الإسلامي وعدم قدرة العدو على الهجوم


  • [1] Synergy
  • [2] سورة الأنفال، الآية 60.
المصدر
كتاب العمل التنظيمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟