مواضيع

أساس الأعمال البحثية القرآنية

من النقاط المهمّة في الأعمال البحثية القرآنية هي أنّ الفرد الذي يروم السير في طريق العمل القرآني يجب أن يُعدَّ قلبه لمواجهة الحقيقة القرآنية الخالصة، وهذا معناه طهارة القلب، فإذا لم يكن القلب طاهراً ولم يكن مستعداً لتلقي الحقّ والحقيقة من القرآن، وإذا كان منشدّاً للأسس والمباني غير الإسلامية وغير الإلهية، فإنّه لن ينتفع بالقرآن عند مواجهته له؛ إذ يقول القرآن الكريم: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً»[1]. إذاً؛ لماذا الإضلال بالقرآن‌؟ الهداية بالقرآن معلومة، ولكن لماذا الإضلال بالقرآن‌؟ السبب هو: «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزٰادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ‌»[2]. أي الذين في قلوبهم مرض حينما يقرأون القرآن الكريم تتضاعف القذارة الداخلية في أنفسهم وقلوبهم، وهذه الآية القرآنية أو السورة القرآنية تعمل على زيادة رجسهم ودنسهم.

ما هي هذه القذارة‌؟ وما هو ذلك المرض الذي يقول عنه «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‌»؟ هذا المرض هو تلك الأمراض الأخلاقية‌؟ حينما نكون مصابين بداء الحسد، وعندما نكون مصابين بالمكر وإرادة السوء للآخرين، وحينما نعاني من الحرص والتعطش للدنيا، وحينما تغلب علينا الشهوات، وعندما يغلب علينا حبّ السلطة، وإذا كان قتل الحق وسحقه وتجاهله وكتمانه متغلّباً على أرواحنا وقلوبنا، فلن ننتفع بالقرآن الكريم؛ بل نتلقى من القرآن عكس ما يجب أن نتلقاه منه.

هناك نقطة أخرى حول الدراسات والبحوث القرآنية؛ وهي ضرورة الاهتمام بالأعمال العلمية الأساسية والجذرية. ليس الأمر بأن يمكن أيّ فرد يجيد العربية أن يدرك ويفهم أفكار القرآن الكريم ومفاهيمه كلّها، ويكون باحثاً قرآنياً، بل أولاً لا بدّ من الاستئناس بالقرآن ذاته، بمعنى أنّ الباحث القرآني يجب أن يكون مستأنساً بمجمل القرآن الكريم، وتلاوته وقراءته مرّةً بعد مرّة، والتدبّر الشخصيّ فيه يساعدنا عندما نبحث عن موضوع معيّن في القرآن الكريم على أن نجد الحقائق والأفكار في ذلك الموضوع. إذًا؛ لا بدّ من الاستئناس بالقرآن وصحبته.

ثمّ هناك كيفية الاستفادة من القرآن الكريم، هذا الأسلوب الذي يتبعه علماء الدين وفقهاؤنا في الاستفادة من الآيات والروايات والأحاديث أسلوب مجرّب ومنهجية علمية ناضجة تمّ تجريبها مراراً، ويجب تعلّمها وإتقانها. لا نروم القول إنّ كلَّ من أراد أن يبحث بحثاً قرآنياً يجب أن يذهب ويدرس في الحوزات لعدّة سنوات؛ إذ ليس هذا ما أقصده، ولكنّ البحث القرآني غير متاح من دون أن يتوفّر المرء على مقدّمات ومبادئ فهم القرآن، ومنها المعرفة باللغة ودقائقها وببعض أصول الفقه، وهي من الأمور والعلوم اللازمة، ويجب فهمها، وكذلك الاستفادة من الروايات والأحاديث ذات الصلة بالآيات القرآنية، هذه كلّها مؤثّرة في البحوث القرآنية.[3]


  • [1] سورة البقرة، الآية ٢٦.
  • [2] سورة التوبة، الآية ١٢٥.
  • [3] من كلمته في لقاء جماعة من الباحثات القرآنيات في إيران، بتاريخ ٢٠٠٩/١٠/٢٠.
المصدر
كتاب النهضة البرمجية في فكر الإمام الخامنئي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟