مواضيع

خروج الحسين من مكة يوم عرفة 9 ذي الحجة

في ظل تلك المعطيات والأهداف الكبرى التي توخاها الحسين (ع) جاءت اللحظة الحاسمة التي اتخذ فيها الحسين قراره للمواجهة، وإن كان هناك تفسيرات أخرى لاختيار الحسين (ع) هذا التوقيت الملفت في أعظم أيام الحج حرمة من قبيل أن أتباع بني أمية أُوكلت لهم مهمة تعقّب الحسين وقتله ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة في البيت الحرام وفي الشهر الحرام، وإن كانت للحسين مقولات في هذا الشأن، من قبل قوله: «إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي: أَنَّ بِهَا كَبْشاً يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَهَا! فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ اَلْكَبْشَ!»[1] أو قوله (ع): «لَأَنْ أُقْتَلَ وَ بَيْنِي وَبَيْنَ اَلْحَرَمِ بَاعٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ شِبْرٌ وَلَأَنْ أُقْتَلَ بِالطَّفِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ بِالْحَرَمِ»[2]، ولكن هذه المقولات تُحمل على أن الحسين يضع الاحتمالات أمام عينيه ولا يرغب بهذا الاحتمال ويتجنبه لحرمة البيت والشهر، وعدم رغبته أن يكون مصيره وسفك دمه في هذا الموضع، أما أن يكون ذلك سبب خروجه من مكة في هذا التوقيت فهذا مستبعد، لكون أن الحسين صار له في مكة أربعة أشهر ونصف تقريبًا، وأن استهدافه واحتمالية قتله قبل موسم الحج أكبر خصوصًا أن أخبار الحسين قد وصلت للشام واتخذ قرار مواجهة ثورة الحسين وأشاعه منذ مدة طويلة. كما أن احتشاد المسلمين في موسم الحج ومن كل مكان قد يسهل استهداف الحسين لكنه سيشكل استفزاز كبير للمسلمين قد يكون له عواقبه غير محسوبة على النظام الحاكم.

لذا اختار الحسين هذا التوقيت عن اختيار وتخطيط مسبق وأن الإعلان الرسمي عن الثورة لكي يعلم العالم الإسلامي كله هو يوم الحج الأكبر. وقد أرسل خطابًا إلى أخيه محمد بن الحنفية يحدد له إطار ثورته ومنطلقها لأهدافها بكل وضوح بقوله: «أَنَّ اَلْحُسَيْنَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اَلْحَقِّ وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ وَاَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلسّٰاعَةَ آتِيَةٌ لاٰ رَيْبَ فِيهٰا وَأَنَّ اَللّٰهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ وَأَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلاَ بَطِراً وَلاَ مُفْسِداً وَلاَ ظَالِماً وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ اَلْإِصْلاَحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (ص) أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ اَلْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ»[3].

جاءت هذه الكلمات تعبيرًا عن المنطلقات التي انطلق منها في ثورته وما ذلك إلا تعزيزًا وتكميلاً لمسيرة الرسول (ص) الذي يقول وينقل عنه الحسين (ع) نفسه:«مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلاًّ لِحُرَمِ اَللَّهِ؛ نَاكِثاً لِعَهْدِ اَللَّهِ؛ مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اَللَّهِ؛ يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اَللَّهِ بِالْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَانِ فَلَمْ يُغَيَّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلاَ قَوْلٍ، كَانَ حَقّاً عَلَى اَللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مُدْخَلَهُ»[4].

يخرج الحسين من إحرام الحج ويدخل إلى حرم الشهادة عبر مسيرة الكرامة من مكة متوجهًا إلى العراق، ويستوقفه عبد الله بن جعفر وكان ضريرًا مودعًا وقد طلب منه التراجع عن هذه الخطوة، إلا أن الإمام أصرّ على الخروج فيستدعي عبد الله بن جعفر اثنين من أبنائه محمد وعون ويطلب منهم مرافقة خالهم الحسين في مسيرته، كما طلب منه عبد الله بن عباس الذهاب لليمن أو أي مكان آخر غير العراق فإن له شيعة هناك، إلا أن ذلك لم يُثنِ الحسين (ع) عن مسيره.

انطلق الحسين من مكة متوجهًا للكوفة وفي خط سيره توقف الحسين وركبه في كل حي للعرب، وكلما مر بقبيلة أو جماعة أو منزل من المنازل جمع إليه الأعراب ودعاهم لما كان يدعو إليه والتحق به من التحق على علم ودراية، فقد كان الحسين واضحًا ومبادرًا لهم.


[1]– وقعة الطف،المجلد الأول، صفحة 152

[2]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 45، صفحة 85

[3]– نفس المصدر، جزء 44، صفحة 324

[4]– وقعة الطف، المجلد الأول، صفحة 172

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى