مواضيع

خط سير ركب الحسين من مكة للكوفة

  • التنعيم: خرج الحسين من مكة من جهة «التنعيم» وهو مَحرم أهل مكة ونواحيها حيث خرجت مجموعة من الفرسان المدججة بالسلاح تابعة للسلطة لاعتراض ركب الحسين ومنعه من الخروج من مكة بأمر من الوالي عمرو بن سعيد بن العاص وبالفعل حاولت تلك الفرقة منع الحسين فتقدم فرسان بني هاشم وعلى رأسهم أبو الفضل العباس بأمر الحسين، فما رأت تلك الفرقة حدية الحسين وكادوا يلتحمون وتصطك السيوف، انسحبت تلك الفرقة، وواصل الإمام مسيره.
  • في طريق الجحفة: مرّت على قافلة الحسين (ع) قافلة محملة بالمؤن والهدايا متوجهة لبلاد الشام، وتعود للطاغية يزيد، أمر الإمام بالسيطرة عليها وأخذها، وقد يتوهم البعض أن هذا الموقف حالة سطو وسرقة! لكن الأمر ليس ذلك، فغرض الإمام من ذلك إيصال رسالة واضحة ليزيد أن لا مشروعية لحكمك وأن أي شيء يعود ملكيته للحكم والدولة فهو حق للإمام الحق، فالحسين لم يعتد على أي قافلة أخرى غير قافلة يزيد! هذا من جانب، ومن جانب آخر الحسين (ع) دعا من يقود القافلة إلى الالتحاق به، وإذا رفضوا سرّحهم ووجههم للذهاب للشام وإخبار يزيد بما حصل، فلو كان هدفه السلب لقتلهم وتخلص منهم.
  • هناك عشرون منزلاً نزلهم الحسين تتشابه الأحداث فيها مآثر بالاختصار حيث كان الحسين كلما مرّ بمنزل دعا القبائل والأفراد للالتحاق به وبيّن لهم أهداف حركته، وفي كل منزل كان يلتحق بركب الحسين الكثير من العرب، وقد تعذّر الكثير كذلك بأعذار واهية، فعلى سبيل المثال:

لما دعا الحسين (ع) عبيدالله بن الحر الجعفي للسير معه، فردّ الجعفي بأن سيفه بألف وفرسه بألف وأما أنا فاعفني من القتال وخذ سيفي وفرسي، فماذا ردّ عليه الحسين (ع)؟: «لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيكَ وَلاَ فِي فَرَسِكَ»[1]! إن الحسين كان يشتري الأنفس بأن لها الجنة. كان يريد أن يرفق في قافلة العشق التوّاقين للشهادة، أما أصحاب الدنيا فلا مقام لهم في تلك الرحلة، ومن تلك المنازل الأبطح حيث التقى فيها بيزيد بن سبيط البصري، وقد دعا عشرة من أبنائه للخروج مع الحسين (ع) وخرج مع الحسين اثنان منهم هم عبد الله وعبيد الله، ومن تلك المنازل كذلك وادي العقيق ووادي الصفراء والحاجر وخزيمة، وفي كل موضع ينزله الحسين كان يدعو من يلقاه للخروج معه حتى اجتمع معه الآلاف من العرب.

جاءت بعض المنازل بعد ذلك وتحدث فيها أحداث مهمة سنأتي على ذكرها لارتباطها بأوضاع مفصلية اتصلت بالثورة، ومن تلك المنازل المهمة التي توقف فيها الحسين (ع).

  • الحاجر: ولما وصل الإمام الحسين إلى «الحاجر» وهي منطقة خارج الحجاز وفي الطريق الموصل للعراق، بعث الحسين سفيره الثاني «قيس بن مسهر الصيداوي» بعد أن بعث سابقًا مسلم بن عقيل وعلى إثره بعث بقيس الصيداوي بكتاب يخبر أهل الكوفة بقرب وصوله، وأنه في المسير إليهم ويبعثهم على الثبات، ونظرًا للطوق الأمني الضيق الذي فرضه عبيد الله بن زياد على محاور الوصول للعراق وقع قيس أسيرًا عند قائد الطوق الأمني في الصحراء الحصين بن نمير، ونُقل قيس أسيرًا إلى ابن زياد حيث طلب منه تسليم الكتاب فقيل: إنه مزقه، وقيل: إنه مزقه وابتلعه. وعلى أي حال في الأخير طلب منه ابن زياد إمعانًا في إذلاله أن يسب الحسين ويتبرأ منه، لكنه رضوان الله عليه بدلاً من ذلك قام بشتم ابن زياد ويزيد ودعا لنصرة الحسين، فقام ابن زياد بقتله.
  • خزيمة: لما وصل الحسين إلى خزيمة لم تصله أخبار أهل الكوفة بعد، وقد وقع الانقلاب على مسلم لكن الأخبار لم ترد بعْد، بعدَ إرسال السفيرين، فعزز برسول ثالث ليتقصى أخبار الكوفة ومصير مسلم، فبعث بعبد الله بن يقطر إلى مسلم بن عقيل، ولم يكن مصير عبد الله بن يقطر مختلفًا عن مصير الرسول قيس بن مسهر.
  • زرود: وفي هذا المنزل واكب ركب الحسين طريق سفر أحد أصحاب الرسول وهو زهير بن القين حيث قيل أنه عثماني الهوى، وقد علم بعزم الحسين فكره الاتصال به، فوافق أن نزلا بنفس المنطقة، وهي «زرود»، فوضع زهير فسطاطه بعيدًا عن الحسين (ع)، ومع ذلك أرسل له الحسين برسول ليدعوه للقاء، فلما أتى الرسول إلى زهير انزعج، فكلمته حينها زوجته قائلة: أيدعوك ابن رسول الله وأنت تكره لقاءه، فاذهب وانظر ما يريد لعله خيرٌ لك. وبعد إصرارها عليه، توجه زهير نحو مخيم الحسين في زرود وهو كاره اللقاء، ولما التقيا استقبله الحسين (ع) بحفاوة وأسرّ له بأمر تذكره زهير! ولم يفصح لنا التاريخ عن ذلك الأمر الذي قاله الحسين (ع) لزهير، وعلى أي حال عاد زهير إلى زوجته، وقد تغيرت قناعاته بشكل كامل وأخبرها بأنه عازمٌ على إرجاعها إلى أهلها وأوصاها بوصاياه وتركها، والتحق بالحسين (ع)! عندها طلبت تلك المرأة الصالحة منه أن يسمح لها بأن تكون معه وتواسي أهل بيت النبوة وبنات رسول الله في هذه المسيرة.
  • الثعلبية: لما نزل الحسين (ع) في هذا المنزل لقيه الفرزدق الشاعر وكان للتو خارجًا من العراق، فسأله عن أحوال أهل العراق، فقال له: قلوبهم معك وسيوفهم عليك!! عندها استرجع الحسين، ولكن الأخبار لم تكن واضحة بسبب التعتيم الإعلامي والطوق الأمني المفروض بين المناطق حال دون وصول أخبار دقيقة. رسخ منها انقلاب أهل الكوفة على مسلم ومقتل قيس بن مسهر الصيداوي، ولم يتأكد بعد مصير مسلم، وفي هذا المنزل أخذت أعداد من التحق بالحسين يتقلص.
  • زبالة: عندما وصل الحسين (ع) إلى منطقة زبالة على مشارف العراق، جاء من يخبره بمقتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وسفيريه قيس بن مسهر وابن يقطر مع تأكيد أن الكوفة أصبحت تحت سيطرة الأمويين، عندها جمع الحسين (ع) أهل بيته وأصحابه وأخبرهم بما حدث، ومنها: خذلان أهل الكوفة وتسلط ابن زياد عليها، حتى أخبرهم بقوله: «فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمُ اَلاِنْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ، لَيْسَ عَلَيْهِ مِنَّا ذِمَامٌ»[2]، فتفرق معظم من كان مع الحسين ممن جاؤوا معه من الأعراب، ولم تبق معه إلا الصفوة من الرجال إضافة لأهل بيته من النساء والأطفال والشباب. وهنا كانت نقطة التحول الخطيرة، فبعد وضوح الصورة كان بإمكان الحسين العودة أدراجه إلى مكة أو المدينة أو أي مكان آخر آمن له ولأهل بيته إلا أنه مع تلك التداعيات الخطيرة واصل طريقه مستبصرًا بالهدى الذي هو عليه ولم يكن يعوّل على نصرة أحد غير الله؛ لأن الغاية أكثر بكثير من بذل الأنفس من أجلها، ومن هنا يتبين سمو وعظمة الحسين وحركته المباركة.
  • شراف: دفع ابن زياد بالحر بن يزيد الرياحي على رأس ألف من الجنود بأن يخرجوا على الطريق الصحراوي في خط مسير الحسين لقطع الطريق عليه ومنعه من الوصول إلى الكوفة من جهة وحصره في منطقة ومنعه من العودة إلى المدينة أو أي مكان حتى ينزل على بيعة يزيد بن معاوية وإما القتال، وكان الأمر للحر بأن يجعجع مركب الحسين حتى يوصله محصورًا في موقع لا ماء فيه ولا تجمعات سكنية ومع وصول الحسين إلى منطقة شراف التقى الحر بن يزيد الرياحي، وعندما علم الحسين بقدوم عسكر ابن زياد توجه الحسين (ع) مع أصحابه إلى موقع آخر بالقرب من شراف ونزل به.
  • ذو حسم: نزل الحسين عند جبل ذي حسم عندما انحرف مركبه كي لا يلتقي مع عسكر الحر وليتحصن به، كان الوقت ظهرًا والحر شديد والشمس مشتعلة وجنود الحر متعبون ومرهقون من شدة الحر والظمأ وخيولهم منهكة من المسير، وكان هذه المرة عند جبل ذي حسم الماء عند الحسين (ع)، فطلبوه فأمر الحسين (ع) أن يُسقى للرجال وترشف خيولهم، وكانت هذه اللفتة الكريمة من الحسين لها وقعها في نفس الحر وأثرت في وجدانه، إلا أنها لم تثنيه عن تنفيذ مهمته العسكرية.
  • عذيب الهجانات: أصرّ الحسين على التوجه نحو الكوفة رغم علمه بما جرى على مسلم بن عقيل، وانقلاب أهل الكوفة والقبضة الأمنية هناك على الشيعة إلا أن الإمام أصرّ على التقدم. بعد كلام له مع الحر الذي فاوض الإمام على قاعدة البيعة ليزيد وقبول الاستسلام، وإما الاعتقال لينظر ابن زياد في أمره وإقامة للمحاججة وإثباتًا للحجة، قال الحسين للحر: إذا لم تقبلوا بذهابي للكوفة فليفتح الطريق للعودة إلى المدينة. إلا أن الحر أكد على أوامر عبيد الله بن زياد، وقد سار الحر موازيًا لطريق الحسين كلما توجه ناحية الكوفة حرف مسيره باتجاه صحراء القادسية، ونزل الحسين هذا المنزل في طريق كربلاء، ولما همّ بالمسير وهو على فرسه غفى الحسين إغفاءة واسترجع فانتبه له ابنه علي بن الحسين وقال له: «مِمَّ حَمِدْتَ اَللَّهَ وَ اِسْتَرْجَعْتَ؟ فأجاب الحسين: يَا بُنَيَّ إِنِّي خَفَقْتُ خَفْقَةً فَعَنَّ لِي فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ اَلْقَوْمُ يَسِيرُونَ وَاَلْمَنَايَا تَسِيرُ إِلَيْهِمْ، فردّ علي بن الحسين الأكبر متسائلاً: يَا أَبَتِ لاَ أَرَاكَ اَللَّهُ سُوءاً أَ لَسْنَا عَلَى اَلْحَقّ؟ قال الإمام الحسين (ع): بَلَى وَاَللَّهِ اَلَّذِي مَرْجِعُ اَلْعِبَادِ إِلَيْهِ. فكان جواب الجندي الممتثل لأمر قيادته الربانية، وصاحب اليقين الصادق والنفس المطمئنة قائلاً: فَإِنَّنَا إِذاً مَا نُبَالِي أَنْ نَمُوتَ مُحِقِّينَ»[3].
  • نينوى: واصل الحسين مسيرته العظيمة حيث تم إبعاده عن طريق الكوفة ونزل أرض العراق في مناطق غير مأهولة، وفي هذا الموقع جاء كتاب ابن زياد للحر بأمره ألا ينزل الحسين إلا في العراء في مكان غير محصّن وليس فيه ماء. حينها قال (ع): «أَرْجُو أن یكونَ خیراً ما أراد اللهُ بنا»[4].

[1]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 44، صفحة 310

[2]– وقعة الطف، المجلد الأول، صفحة 166

[3]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 44، صفحة 363

[4]– أعيان الشيعة، جزء 1، صفحة 597

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى