مواضيع

في مكة التحشيد للثورة

مع دخول الإمام الحسين (ع) إلى مكة سكن في دار العباس بن عبد المطلب، وقد شاع خبر خروجه بين الناس، وجاءته الوفود تترى فرادى وجماعات تتلقى من الحسين تلك الكلمات التي تترجم واقع الأمة وتشخص الوضع والموقف الذي يجب أن يُتّخذ، بدأت الأمة تسمع لغة جديدة وتعبئة لطاقاتها الكامنة من أجل النهوض بالحق بعد أن كاد أن يندرس، لقد أعاد الحسين ما قاله جده من قبل والذي كاد أن يُنسى أو يتناسى يقول الإمام الحسين (ع): «الخلافة محرمةٌ على آل أبي سفيان، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، وقد رآه أهل المدينة على المنبر فلم يبقروا بطنه، فابتلاهم الله بيزيد الفاسق»[1]، هنا تتبين بصيرة الحسين من اتخاذ مكة منبرًا لتعبئة الأمة خصوصًا أن الحج قادم في الطريق وإقامة الحجة ستكون تامة، فمكة ملتقى المسلمين ومنطلق الدعوة، لذلك نجد الحسين يكرر في خطاباته المكية أهداف ثورته المرتكزة على مبدأ الإصلاح في أمة جده (ص)، وإعادة وهج الإسلام، وجوهرة وإعادة بناء الوضع الاجتماعي والسياسي المنهار. مع مرور الوقت بلغ خبر الحسين أقطار العالم الإسلامي ولما وصل خبره لأهل الكوفة، اجتمع أهل الكوفة وأعيانها في منزل سليمان بن صُرد الخزاعي وقد أبدوا استعدادهم لاحتضان الثورة والقيام مع الإمام ونصرته وتعاهدوا على ذلك، فبعثوا له بكتبهم التي تدعوه للمجيء إلى الكوفة ليكون لهم إمامًا وحاكمًا، ومما راسلوه: «لَيْسَ لَنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اَللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى اَلْهُدَى»[2]. وإتمامًا للحجة عليهم على الرغم مما أحدثوه مع أمير المؤمنين وأخيه الحسن من بعده، فاستجاب الإمام، وأمر ابن عمه مسلم بن عقيل وهو ثقة ليكون الممثل الشخصي له عليهم إلى حين قدومه إعدادًا للثورة، فأسبقه بخطاب لهم يزكي مسلم بن عقيل: «وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقثي من أهل بيتي»[3]، وكان في خطابه (ع) ردًا جوابيًا على كتبهم بشأن نصرته محددًا لهم إطار القيادة الذي يجب الامتثال لها: «فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام»[4].

ثم كتب كتبًا مماثلة لأهل البصرة الذين دعوه للنصرة: «.. وَأَنَا أَدْعُوکُمْ إِلى کِتابِ اللّهِ وَ سُنَّةِ نَبِیِّهِ؟ص؟، فَإِنَّ السُنَّةَ قَدْ أُمیتَتْ، وَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أُحْیِیَتْ، وَإِنْ تَسْمَعُوا قَوْلي وَتُطیعُوا أَمْري أَهْدِکُمْ سَبیلَ الرَّشادِ»[5].

بدأ الحراك السياسي والحياة تدب في صفوف المسلمين مع خروج الحسين للثورة، فقد عقد الشيعة اجتماعًا في البصرة، في منزل مارية بنت سعدة من قبائل عبد القيس وقرروا نصرة الحسين (ع)، ولكن الزعماء من القبائل أجاب الدعوة، منهم يزيد بن مسعود القيمي الذي دعا قومه لنصرة الحسين فاستجابوا، وكتب للحسين (ع) كتابًا في ذلك إلا أنه قُتِلَ قبل مجيء الحسين على يد جهاز المخابرات التابع لعبيد الله بن زياد، وصاحب الوشاية العميل لابن زياد الذي نقل خبر الاجتماع السري لأنصار الحسين في البصرة كان المنذر بن الجارود، وهذا الشخص من المحسوبين على الشيعة لكنه صاحب أهواء ومصالح شخصية ومعروف بالانتهازية، حتى أنه كان عاملاً لأمير المؤمنين (ع) في زمانه في أردشير وعزله الإمام في حينه من منصبه لمساوئ ارتكبها وسوء سيرة في الرعية حتى قال فيه الأمير (ع) في قرار عزله: «ولقد غرنا صلاح أبيك فيه»[6] فأبوه كان من خواص الموالين من المؤمنين الأوائل الذين أسلموا من البحرين، إلا أن هذا الابن السيء كان مشاركًا في مناهضة ثورة الإمام الحسين وبرزت سوء عاقبته في هذه المرحلة.


[1]– مقتل الحسين (ع)، السيد عبدالرزاق المقرّم، المجلد الأول، صفحة 133

[2]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 44، صفحة 363

[3]– الإرشاد، الشيخ المفيد، جزء 2، صفحة 39

[4]– نفس المصدر

[5]– تاريخ الطبري، جزء 4، صفحة 265-266

[6]– من كتاب الإمام علي (ع) إلى المنذر بن جارود

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى