مواضيع

أهم الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بصلح الحسن (ع)

هناك منعطفات تاريخية حصلت في زمن الإمام الحسن جعلت الظروف الموضوعية تفرض هذا الخيار، فالصلح مع معاوية لم يكن خيار الإمام الحسن، وإنما خيار فرضته الظروف والوقائع وما آلت إليه الأمة من ضعف وتخاذل من نصرة الحق وعدم الامتثال لأمر القائد، وبحسب تعبير السيد القائد حفظه الله: «أن ما جرى ليس نقصًا وضعفًا في تدبير وحكمة الإمام الحسن (ع) وإنما قصور ونقص وضعف في الأمة التي لم تلتف حول قيادتها الإلهية»[1]، فلو استعرضنا الأوضاع باختصار، كانت كالتالي:

  • استلم الإمام الحسن تركة ثقيلة جدًا عبّر عنها أمير المؤمنين (ع) في خطبه كثيرًا أواخر حياته، حيث الاغتيالات التي مارسها معاوية ضد النخبة من الشيعة كاغتيال الأشتر ومحمد بن أبي بكر وغيرهما، وكذا الانشقاق الذي حصل في جيش الأمير (ع) بعد حرب صفين ومسألة التحكيم وظهور فئة الخوارج، وكذا تهاون أهل الكوفة وتقاعسهم عن الجهاد ولجاجتهم وجدالهم وتفرقهم عن الحق، وفي المقابل اجتماع أهل الباطل على باطلهم، أضعف جبهة الحق وأصبحت مثخنة بالجراح، فضلاً عن الإعلام الموجه والكاذب الذي كان يبث الإشاعات والتضليل والكذب ضد أمير المؤمنين (ع) ومن بعده الإمام الحسن (ع).
  • كما أسلفنا أن الخيار الذي أراده الإمام الحسن (ع) منذ البداية بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع) بعد 18 يوم من استشهاد والده (ع) ودعاهم لمعسكر النُخيلة، وبعث إلى عبدالله بن عباس وقد تكشفت حينها نقاط خطيرة، فالأمة تعيش حالة من الخوار وعدم المسؤولية والتهاون في أداء تكليفها فضلاً عن تغليب المصالح الدنيوية وشراء الاسم الذي قام الإمام الحسن (ع) بتعبئة الجماهير أكثر من مرة وطرق في بلاد السواد «العراق» يحشِّد للقتال، والنتيجة كانت مؤسفة، بل الأخطر من ذلك أن يتعرض للإمام (ع) لمحاولتي اغتيال إحداها عند المدائن ويطعن بحربة في فخذه الأيمن، والأخرى وهو في طريق خروجه من الكوفة نحو المناطق المحيطة، وحصول الاعتداء عليه وهو على فرسه.
  • مع كل هذا خطى الإمام الحسن خطوات متقدمة عميقة، وبعث بكتائب تقدم جيشه نحو الثغور لتكون طلائع الجيش، وإذ بمعاوية يشتري ذمم قيادات الجيش وكان بعضهم من المقربين من الإمام الحسن كعبيد الله بن العباس والكندي، تلك الوضعية لم تجعل مجالاً للمواجهة.
  • قد يُطرح تساؤل إذن لماذا لم ينهض الإمام الحسن (ع) ويفعل كما فعل الحسين في كربلاء حتى لو خرج وحيدًا في الساحات؟ الفرق كبير بين زمان معاوية وزمان يزيد، كان معاوية مع كل مساوئه ونفاقه متلبسًا بعباءة الدين متدثرًا بالسلوك الديني ظاهرًا، فخروج الحسن عليه في حينه بأسلوب الاستشهاديين لن يكون مجديًا لإيقاظ هذه الأمة الملتبسة أمورها، لذا كانت المرحلة تقتضي فضح ممارسات النظام وتعريته أولاً من جهة، ومن جهة أخرى بناء الوعي وإصلاح الفئة المؤمنة لكي تنهض بدورها، لذا ترى الحسين (ع) مكث بعد شهادة الإمام الحسن (ع) عشر سنوات في عهد معاوية ولم ينهض، بل إنه لما جاءت رُسُل الموالين له تطالبه بالنهوض، طلب منهم أن يكونوا أجلاس بيوتهم ويلزموا الأرض حتى يهلك الطاغية. ولما جاء عهد يزيد، ها هي معالم الدين اندرست وأصبح الكفر ظاهرًا وبيضة الإسلام «أصله» في خطر، فعمل الحسين بتكليفه الشرعي في زمان يزيد كما عمل بتكليفه في زمان معاوية وكما فعل بتكليفه الإمام الحسن الذي اقتضته مصلحة الإسلام، فكانت ثورة الحسين عنوانًا للرحلة؛ لأن الوضع وصل إلى مرحلة النضج للثورة حتى لو كان بأفراد قلائل فكانت الرؤية واضحة لدى الحسين وليست مجرد حماسة وحمية على الدين دون علم بعواقب الأمور: «ألا ترون بأن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن إلى لقاء ربه»[2].
  • إن إرهاصات الثورة الحسينية بدأت من نتائج صلح الحسن، وقد تحمل الإمام الحسن تكلفة وتداعيات ذلك الصلح لينجح البناء التوعوي للأمة وإعادة تأهيلها، فعلى الرغم من صدور بعض المواقف السلبية في البداية على خلفية الصلح من بعض الشيعة المخلصين، والتي وصلت إلى وصف الإمام الحسن (ع) بمذلّ المؤمنين وواجه الحسن (ع) منعطفًا خطيرًا على المستوى الفكري ووعي الشيعة الذين تم إدخالهم امتحانًا صعبًا سقط فيه الكثيرون، وهو الامتثال للإمامة الإلهية والطاعة والولاية لها في كل الظروف.
  • سعى الإمام الحسن لتحمل أعباء المرحلة والدخول في صراع فكري مع نهج معاوية وبحسب تعبير السيد القائد: «أن الخطب والكلمات التي واجه بها الإمام الحسن معاوية بشكل مباشر تكاد تكون أقوى من خطب أمير المؤمنين في هذا الشأن باعتبارها كانت مباشرة وجهًا لوجه»[3]. كما عمل الإمام الحسن على توعية الشيعة وتأهيلها والصبر على ردود أفعالهم، وقد نجح في تهيئة الأرضية المستقبلية لأخيه الحسين (ع)، ونتيجة تحفظات بعض الشيعة على الصلح أراد الحسن بيان أهداف الصلح لهم واستراتيجيته في ذلك. ففي إحدى المرات جاء للإمام الحسن من الكوفة وفد وهو في المدينة ضم شخصيات هامة من أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة والمختار الثقفي يسألون عن الصلح، فدخل معهم الإمام الحسن في حوار سري لم يذكره لنا التاريخ، فخرجوا من عنده راضين! فيا ترى ماذا أسرَّ لهم لكي يخرجوا راضين؟!!
  • التناغم بين موقف الحسن والحسين في مسألة الصلح رغم عدم بيعة الحسين (ع): ويمكن هنا توضيح هذا الأمر من خلال موقف جلي يبين مدى امتثال الحسين لقيادة الحسن وتكليف الحسين الذي أطّره الحسن (ع). فعند انعقاد الصلح طُلب أن يبايع لمعاوية بالخلافة، وامتنع الحسين (ع) فلما سأل معاوية الحسن ردّ عليه الإمام الحسن (ع) وقال له: دعه لا شأن لك به!! وعندما جاء قيس بن سعد بن عبادة وهو من خُلّص الشيعة ورفض بيعة معاوية قائلاً للإمام الحسن لقد عاهدت نفسي أن لا أقف موقفًا مع معاوية إلا وبيني وبينه السيف، فأمره الإمام الحسن (ع) أن يبايع، فنظر قيس إلى الحسين (ع)، فقال له الحسين (ع) وهو مشير للحسن (ع): «هو إمامي وإمامك» أي: إن تكليفي الخاص أن لا أبايع وتكليفك يا قيس أن تبايع فمصدر التكليف واحد فيجب الالتزام به، ففي الظروف الخاصة يكون التكليف الفردي يختلف من شخص لآخر.

وقد كان من آثار الصلح ونتائجه في حين أن أهل البيت وشيعتهم سلموا من بطش معاوية وجوره عليهم لمدة، وكانت فرصة للقيادة لتأهيل الأمة وتربيتها، مع أن تجاوزات معاوية لم تتوقف إلا أنها طوال فترة وجود الإمام الحسن (ع) كانت مقيدة ببنود الصلح، حتى وجد معاوية أن العقبة الكبيرة أمام مشروعه هو الحسن (ع) فقام بسمه، واستشهد الإمام على إثر ذلك.


[1]– النقل بالمضمون

[2]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 44، صفحة 192

[3]– النقل بالمضمون

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى