مواضيع

الخطاب التربوي للحسين

لقد لامس الحسين (ع) هموم الأمة وهواجسها الأخلاقية والفكرية والسياسية، وسعى بخطاب تربوي بعيد عن الكلام الإنشائي العام وتوجه إلى الجزئيات الدقيقة التي تلامس الممارسات العملية لإصلاح الخلل وتكريس معالم الحق والفضيلة في سلوك الأمة عبر أقواله وممارساته (ع).

فترى الإمام كثير التكرار للآية الكريمة: <تِلكَ ٱلدَّارُ ٱلأٓخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي ٱلأَرضِ وَلَا فَسَاداۚ وَٱلعَٰقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ>[1]. يريد من ذلك أن الهدف والغاية هو الوصول لتلك الدار الخالدة التي وسيلتها التقوى والعمل الصالح في الحياة الدنيا، ويركز الحسين في خطابه على الأساس العقائدي حيث يقول عادةً في خطابه: «إن الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله»[2] ورغم أنه الإمام المعصوم إلا أنه يربي الأمة على ضرورة الوعي بالحث واتباعه والرد على الباطل ومواجهته أيًّا كان مصدره، مثل قوله: «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردَّ عليّ هذا أصبرُ حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين»[3]. جاءت هذه الكلمات تعبيرًا عن المنطلقات التي هي استكمال وتعزيز لمسيرة الرسول (ص) ويأتي الحسين ليخاطب الأمة تأديبًا لا في سلوكها العملي وأسلوب تربوي: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[4].

كما يربّي الحسين (ع) فينا ما قاله رسول الله في الصبر وأهمية الارتباط به خصوصًا في المصائب والابتلاءات كي تكسب هذه الأمة القوة في مواجهة التحديات بقوله: «سمعت رسول الله يقول: ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة وإن قدم عهدها فيحدث لها استرجاعًا إلا أحدث الله عنه ذلك وأعطاه ثواب ما وعده عليها يوم أصيب بها»[5].

يرتقي الحسين (ع) بوعي الأمة لكي تنظر إلى الأولويات والمسائل المهمة وتتركز جهودها على ما فيه صلاحها بدلاً من توافه الأمور غير النافعة بقوله (ع): «إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ مَعالِىَ الاُمورِ وَأَشْرافَها وَيَكْرَهُ سَفْسافَها»[6]، وقد أعطى الإمام تجربة عملية تمثل هذه المقولات تترجم فعل وقول الإمام إلى واقع عملي يكون مصدر إلهام للأمة ويربيها على تصحيح مسارها دومًا وجعل الاستقامة في الدين والعمل منهجًا في الحياة والانشغال بأولويات الأمة والابتعاد عن الأمور التي تلهيها عن أهدافها وتنشغل بها فيضيع وقتها وجهدها.


[1]– القصص: 83

[2]– معالم المدرستين، السيد مرتضى العسكري، جزء 3، صفحة 50

[3]– حياة الإمام الحسين (ع)، الشيخ باقر شريف القرشي، جزء 2، صفحة 264

[4]– تحف العقول، جزء 1، صفحة 383

[5]– أحاديث أهل البيت (ع) عن طريق أهل السنة، مهدي الحسيني الروحاني، جزء 1، صفحة 532

[6]– نهج الفصاحة، حديث 804

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى