مواضيع

عودة موسى من أرض مدين إلى مصر

<فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ>

بعد أن قتل موسى الكليم(ع) الرجل القبطي عن طريق الخطأ، وكان يريد الدفاع عن المحرومين المستضعفين وإنقاذ المظلوم من الظالم دون إرادة القتل، فرّ هارباً من مصر وحيداً فريداً، وكان راجلاً بغير دابة ولا زاد تخفضه الأرض مرة وترفعه أخرى في شقة وعناء بالغين، وكان يقتات على نبات الأرض وبقلها، وبالأمس القريب: كان في قصر فرعون يتمتع بما لذ وطاب من الطعام في راحة وسكون، وكان حال خروجه من مصر خائفاً من أن يلحق به جلاوزة فرعون وشرطته، مترقباً إدراكهم إياه وقتله قبل أن يصل إلى مأمنه، وفي الحقيقة فإن التربية الروحية الراقية تسمو بنفوس المؤمنين الأحرار وتجعل في ميزان قيمهم: الخوف والشدة والأكل من نبات الأرض خير ألف مرة عندهم من النعيم الحيواني مع الظالمين الفجار، يقول سيد الأحرار الإمام الحسين(ع): «إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما»[1].

ولهذا لجأ موسى الكليم(ع) إلى ربه المؤمن المهيمن العزيز الجبار يدعوه، فقال: <قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين>[2]، مما يدل على أن الخوف حالة طبيعية يهذبها الإيمان، وأن الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، وهو من أسباب أخذ الحيطة والحذر واللجوء إلى الله (جل جلاله)، والاستعانة به والتوكل عليه، وهي أمور لا تحدث بدونه، وكانت وجهة موسى الكليم(ع) إلى أرض مدين وهي قرية نبي الله شعيب وقبيلته، وهم من أبناء الذبيح إسماعيل بن إبراهيم الخليل(ع)، وتقع عند النهاية الشمالية لخليج العقبة جنوبي فلسطين في الأردن الحالية حيث لا ملك ولا سلطان لفرعون عليها، وسميت بذلك نسبة إلى مدين بن إبراهيم الخليل، وتسمى في الوقت الحاضر معان، وكانت لها تجارة مزدهرة مع مصر وفلسطين ولبنان.

وكان موسى الكليم(ع) يحمل معه في هجرته القسرية مظلوميته ومظلومية قومه المستضعفين بني إسرائيل، ومسلّماً أمره إلى الله الواحد القهار(عز وجل)، راجياً أن يجتاز هذه المرحلة الصعبة جداً والمصيرية في حياته، وأن يصل إلى مأمنه في أرض مدين بسهولة ويسر وسلامة، وأن لا يضل الطريق إليها؛ لأنه لم يكن معه إلا إيمانه وحسن ظنه وثقته بربه (جل جلاله)، فسأله أن يهديه إلى الطريق إليها في عافيته: <قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ>[3].

وكان بينه وبينها مسيرة ثمانية أيام ماشياً، فأدركه ربه برحمته وتفضل عليه فهداه إلى سواء السبيل إلى أرض مدين فوصل إليها برعاية الله تبارك وتعالى وتوفيقه وتسديده وفيها استعاد أنفاسه وتهيأ إلى نهضة رسالية مباركة يقف فيها إلى صف المحرومين والمستضعفين ضد الفراعنة المتجبرين والمترفين المستغلين، ويشاطرهم آلامهم وأحلامهم في الحرية والحياة الإنسانية الكريمة بعقله وقلبه وأحاسيسه كلها، وكان رصيده في ذلك الطريق الوعر والمهمة الشاقة طيبة قلبه وسلامة طبعه وإيمانه وثقته بربه وحسن ظنه به وتوكله عليه والتفويض إليه والتسليم إلى أمره.

وفي أرض مدين تعرف على شيخ الأنبياء الكرام شعيب(ع) ونزل في بيته الطاهر الكريم وتزوج إحدى بناته على أن يخدمه في رعي غنمه ثماني سنوات، وإن زاد المدة سنتين تبرعاً منه وباختياره فتلك منّة جليلة منه ستكون محل تقدير الشيخ وغبطته. وفي الإسلام الحنيف لا يحل النكاح بمثل هذه الإجارة مهراً للمرأة وهو حرام؛ لأنه بمثابة ثمن رقبتها وهي أحق بمهرها، وقيل أن الخدمة في الرعي المذكورة لم تكن مهراً للزواج ولا جزء منه بل المهر مستقل تماماً عنها، كلام الشيخ: <قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ>[4] معناه: إن رعيت عندي بأجر، زوجتك ابنتي بمهر. وأن شعيباً كان يحرز رضا ابنته على ذلك ولديه وكالة منها على عقد النكاح، فهي المالك الأصلي لمهرها، وقد قبل موسى الكليم(ع) بالزواج والخدمة معاً، وأعطى لنفسه الخيار في قضاء أحد الأجلين الثماني أو العشر سنوات وأوكل الله (جل جلاله) وأشهده على ذلك.

وبعد أن أمضى موسى الكليم(ع) السنين المتفق عليها في خدمة الشيخ الجليل والولي الناصح، وقيل أنه قضى أتم الأجلين وأوفاهم وهي العشر سنوات، وهذا هو المتوقع من أخلاق موسى الكليم(ع) وأخلاق الأنبياء الكرام(عليهم السلام) والمؤمنين الصالحين الأوفياء في عهودهم ومواثيقهم والتزاماتهم ومعاملاتهم مع غيرهم، ولا شك فإن السنوات التي قضاها موسى الكليم في خدمة شيخ الأنبياء شعيب(ع) كانت من أفضل سنوات عمره الشريف وأبركها عليه وأكثرها صفاء وعذوبة، إذ عاش خلالها في أجواء علمية وروحية عالية ومتميزة جداً، غسلت ما علق بنفسه الشريفه من آثار العيش في قصر فرعون وترفه، وتعرف فيها على أحوال الفقراء المحرومين والمستضعفين، وتعرف على همومهم وآلامهم وآمالهم وطموحاتهم في الحرية والحياة الإنسانية الطيبة، وأنتجت له الفرصة الكافية والنقية للتفكر بعمق في أسرار الخلق وعجائب الوجود، في أجواء هادئة تلفها السكينة والوقار، وتهيأ لتحمل السؤولية الرسالية الكبرى والمسؤولية التاريخية بمواجهة الفراعنة الجبارين والمترفين المستغلين والانتهازيين الأنانيين بصلابة وثبات ويقين، والعمل على نصرة المظلومين وتحرير المستضعفين من أسر الجبارين والمترفين، وغسل أدمغتهم مما علق بها من آثار الجهل والأسر والاستعباد والمذلة للمخلوقين.

بعد أن أمضى المدة خرج بأهله: زوجته وابنيه، متوجهاً إلى بلده وموطنه الأصلي مصر حيث أمه وعشيرته، وسار حتى أدرك جبل طور سيناء، وعنده: في ليلة ظلماء مباركة أخطأ الطريق ولم يعد يعرف إلى أين يتوجه وكانت ليلة باردة جداً في وسط صحراء موحشة، ولم ينقدح زنده، وأخذ امرأته الطلق وألم الولادة، فرق لها، وتفرقت ماشيته، وأصابه المطر، فكان في مسيس الحاجة إلى النار ليستضيئوا بها في تلك الصحراء المظلمة الموحشة وليتدفؤوا من شدة البرد القارس، فبينما هو كذلك رأى ناراً على بعد من جانب الطور الأيمن فسر كثيراً واستبشر خيراً وعلم أن وجودها دليل على وجود أناس، فقال لأهله: هذه نار أراها من بعيد، الزموا مكانكم سأمضي إلى مكان النار لأسأل أهلها عن الطريق فيهدوني إليها وآتيكم منها بشعلة نستضيء بها أو جذوة نستدفئ بها من هذا البرد الشديد.


  • [1]. تحف العقول، صفحة 174
  • [2]. القصص: 21
  • [3]. القصص: 22
  • [4]. القصص: 27
المصدر
كتاب اللامنطق في الفكر والسلوك – الجزء الثاني | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟