مواضيع

نشأة الحسين في كنف جده (ص)

استلم رسول الله الجد والأب الحنون مهمة العناية بالحسنين منذ ولادتهما، ومن جهتهما كان أمير المؤمنين والسيدة الزهراء يهيئان المهمة الإلهية لهذين الابنين مستقبلًا ولم تكن حاضنة لتنشئتهم روحيًا ومعنويًا فكريًا أعظم وأفضل من لسان الوحي، فرسول الله صاحب الأدب الرباني والخلق العظيم فضلًا عن كونه النبي الخاتم وخير خلق الله، كما قال (ص) عن نفسه «أدبني ربي فأحسن تأديبي»[1].

يمكننا القول بأن رسول الله (ص) تكفل بتربية الحسين وتعهده عند ولادته في السنة الثالثة للهجرة وحتى وفاته (ص) سنة 11 هـ، أي حتى بلغ الحسين ثماني سنوات ونصف. عاش في كنف جده «يغرُّ العلم غرًّا» ويتغذى روحيًا وأخلاقيًا وعقائديًا، حتى الغاية باختيار الاسم كانت تسمية الرسول (ص) له ولأخيه الحسن حصريًا، وذلك من قول أمير المؤمنين (ع) لما أُتي بهم بعد ولادتهم ليسميهم فقال (ع): «ما كنت لأسميهم قبل رسول الله (ص)» وقد شملتهم رعاية النبي (ص) في كل حين حتى وهو في المسجد وعلى المنبر كان أحيانًا يرتقي المنبر وبجواره الحسنين، بل كان (ص) إذا خطب بالمسجد ودخل أحد الحسنين عليه كان ينزل من منبره ويحملهما معه. كل ذلك لبيان عظم شأنهما ومدى حب رسول الله لهما. هذه العلاقة المتينة غير المقتصرة على البعد العاطفي فقط لكونه جدهما، بل لأهمية تكوينية ومهمة تاريخية سيطلعان بها. ولو تتبعنا سيرتهما (ع) في عهد رسول الله سنجد الملازمة بينهما في المواقف والأحداث، وهذا دلالة العلاقة الوثيقة بينهما التي تنم عن شخصية متحدة في النسب والتربية والسلوك الخارجي. ومن أمثلة على تلك المواقف:

  • تعليمهم للرجل كيفية الوضوء: في إحدى المرات مرّ الحسنان على رجل يتوضأ ولم يكن يحسن الوضوء، فأرادا تعليمه دون إحراجه، فوقفا جانبًا وخاطباه، فقال الحسن (ع): يا شيخ اختلفت وأخي الحسين على أيّنا وضوءه أفضل ونريدك أن تكون حكمًا بيننا، فتوضأ الحسين (ع) الوضوء الصحيح وتوضأ الحسن (ع) كذلك الوضوء الصحيح فلما التفت الرجل للأمر فطن ما أراده هذان الطفلان، فاحتضنهما وشكر موقفهم منه بهذه الطريقة الذكية.
  • نزول الرسول (ص) عن منبره: عندما دخل الحسنان المسجد، كبا الحسين (ع) فنهض النبي (ص) من منبره وجاء لهما وقبّلهما، وقال أمام المسلمين: «اللهم اشهد أني أحبهما، فأحب من يحبهما»[2]، بهذه الدعوة الشخصية من النبي (ص) للمسلمين بإظهار حبه للحسنين إنما يدل على أهمية هذه الشخصيات، بل ومحوريتهم في حياتهم، والكلمات العظيمة التي قال رسول الله (ص) فيهم خير شاهد على ذلك، وكان تأكيد النبي (ص) على مودة الحسين والارتباط به ليس نابعًا من الحالة النفسية والميل القلبي فقط بينهما، بل يعود كما أسلفنا إلى بيان أهمية أهل البيت والحسين (ع) في هذه الأمة وضرورة الارتباط بهم، كما في الحديث عنه (ص): «والذي بعثني بالحق نبيًا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه مكتوب عن يمين عرش الله، الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة»[3].
  • <وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا>[4]: مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما رسول الله (ص) ورجاهُ العرب، فقيل: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرًا، فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه، ونذرت معه فاطمة (ع) وكذلك فضة، فبرئا من المرض، ولم يكن عندهم شيء، فاستقرض علي (ع) ثلاثة صاعات من الشعير، وجاء بها إلى فاطمة، فطحنت صاعًا وصنعت به خبزًا، ولما صلى علي المغرب، وضعت فاطمة (ع) الفطور؛ لأنهم كانوا صائمين بمن فيهم الحسن والحسين (ع)، فجاءهم مسكين وسألهم الإطعام، فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء، وكذا في اليوم الثاني جاءهم يتيم ففعلوا نفس الفعل ولم يذوقوا إلا الماء، وكذا في اليوم الثالث فجاءهم أسير بالباب ففعلوا نفس الفعل، فلما جاء اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم وبانت آثار التعب على الحسن والحسين وكانا طفلين فرقّ قلب رسول الله لحالهم، فنزلت سورة الإنسان في حق أهل البيت (ع).
  • آية التطهير <إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا>[5]: والحسين مشمول بالآية مباشرة مع أمه فاطمة وأبيه وعلي وأخيه الحسن، وقد ورد في الأحاديث المستفيضة لدى كل المسلمين أن هذه الآية نزلت في خصوص هؤلاء الخمسة، وفي إحدى الروايات عند الفريقين، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (ص) كان يمر على منزل فاطمة أربعين صباحًا وهو يقول الصلاة الصلاة <إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا>.

[1]– ميزان الحكمة، محمد الريشهري، جزء 1، صفحة 85

[2]– سنن الترمذي، جزء 5، صفحة 614

[3]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 91، صفحة 184

[4]– الإنسان: 8

[5]– الأحزاب: 33

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى