مواضيع

النبي (ص) يؤصل الانتماء للحسين

لقد عمل الرسول الأكرم (ص) على تعزيز علاقة الأمة بأهل بيته (ع) وبيان مقامهم وأعظم فضيلة أن يكونوا مستودع الإمامة بعد رسول الله (ص) وأن يكونوا عدل القرآن ما إن تتمسك بهما لن تضل الأمة أبدًا، وكانوا هم السبيل إلى الله الذين طهرهم تطهيرًا، والحسين (ع) مشمول في هذه الفضائل الخاصة بأهل البيت (ع)، وأن خلق هذه الرابطة العميقة معهم أصبح ضرورة عقائدية لا يكتمل إيمان المرء إلا بها، ويظل امتداد الرسالة فيهم (ع) وأصبح حبهم ومودتهم واتباعهم فريضة على كل مؤمن مؤطرة في فريضة «الولاية».

وكان الحسين (ع) حائزًا على هذا الاستحقاق ولكنه أضاف عليه مؤهل آخر، وهو «الشهادة» مما أكسب الحسين خصوصية جُمعت إلى بقية فضائله ومقامه كما قال النبي (ص): «إن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة»[1]. والمقصود هنا بالشهادة الخاصة في كيفيتها وفي منطلقاتها وفي غاياتها. لذا تجد للحسين (ع) خصوصية على بقية الأئمة، حينًا يتشارك مع أخيه مولانا الحسن (ع) فيها، وتارة ينفرد ببعض تلك الفضائل، لا لأنه أفضل -فكلهم في الفضل سواء- إلا أن له خصوصية مرتبطة بطبيعة المهمة والدور المرتبط بمرحلته (ع). فما دام سيقوم بدور ومهمة استثنائية فكذا ستكون له خصوصية في بعض الفضائل وقد أكد عليها رسول الله (ص) في كل حين تأصيلًا لذلك الدور وصاحبه ومهمته المقدسة.

«حسينٌ مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا»[2] فالحسين يمثل الامتداد الطبيعي للمهمة الإلهية التي انطلق بها رسول الله (ص) في دعوته، وأن الحسين في كل وجوده هو جزء امتزج بالدعوة وكل الحسين في فعله وقوله هو قول وفعل الرسول (ص) وتأكيدًا له وما أعظمه من شرف أن يقول الرسول (ص): «وأنا من حسين» وهو واضح من خلال الرابطة النسبية فالمرء يحفظ من وُلده وكذا واضح في حفظ الحسين للإسلام فقد حفظ أهداف النبي (ص). وهنا تأكيد النبي (ص) بأن كل ما سيقوم به الحسين هو عين فعل رسول الله (ص) واستمرارية لمنهجه.

«ألا وإن الحسين باب من أبواب الجنة، من عانده حرم الله عليه ريح الجنة»[3]. إن للجنة شروطها لتكون استحقاقًا لكل موفٍ بالشروط، وأن أحد مداخل الجنة التي لا ينفذها إلا من تحققت فيه الشروط، ومن شروطها موالاة الحسين ومعاداة أعدائه، فضلاً عن معاداته (ع) الذي يستوجب النار، وهنا يظهر أصحاب الصراط المستقيم حين يتمثّلون قولاً وفعلاً في «سلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم».

«الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة»[4]، أن يكون المصباح مصدر النور ومظهر للحقائق ودليل إلى الطريق. لا يختلف ذلك عن طبيعة دور الحسين (ع) لكونه كاشف الحقائق يهدي للسبيل من أراد، فمن تنكب عن سفينة الحسين ضل السبيل. وهو السفينة المنجية، فكما تركب السفينة في البحر المتلاطم لتكون وسيلة النجاة والاستنقاذ من الضياع والغرق، فكذا الحسين في فترة الضلال والبغي الانحياز نحوه منجاة، وأدركوا سفينته الكبرى -حسب وصف المعصوم (ع)- بقوله: «كلنا سفن النجاة ولكن سفينة جدي الحسين أوسع وفي لجج البحار أسرع»[5] دلالة على عظمة المكانة ووضوح الأمر في شأن الحسين (ع) بحيث يكون معيارًا للتفريق بين الحق والباطل، والصعود على متن سفينته فوز ونجاة من الغرق.

هذه بعض الإشارات الواردة في حق الحسين وخصوصيته، وهناك نوع آخر من الخصوصية المشتركة مع أخيه الحسن (ع) توضّح لنا الشراكة الكبيرة والمتكاملة بينهما في وحدة المنطلق والأهداف وهما متلازمان، وأن التباين في الأدوار إنما جاء لضرورات المرحلة كما سيأتي لا لاختلاف النهج، ومن هنا يؤكد الرسول الأكرم (ص) في مواقف معدودة على هذه الضرورة بقوله (ص): «الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا»[6]، وغيرها كقوله: «الحسن والحسين سبطا هذه الأمة»[7] و«الولد ريحانة، والحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا»[8] و«الحسن والحسين يغران العلم غرًّا»[9] و«الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»[10]. إن هذا التأكيد على الملازمة بينهما وخصوصًا من قبل النبي (ص) دلالة على الوحدة والتكامل بين الحسنين (ع) في المنطلقات والغايات وهما وجهان لحقيقة واحدة.


[1]– الأمالي، الشيخ الصدوق، صفحة 217

[2]– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 43، صفحة 271

[3]– نفس المصدر، جزء 35، صفحة 405

[4]– عيون أخبار الرضا، الجزء الأول، صفحة 62

[5]– نفس المصدر، جزء 26، صفحة 322

[6]– نفس المصدر، جزء 44، صفحة 2

[7]– نفس المصدر، جزء 36، صفحة 312

[8]– نفس المصدر، جزء 43، صفحة 218

[9]– حياة الإمام الحسين (ع)، الشيخ باقر شريف القرشي، جزء 1، صفحة 315

[10]– سنن الترمذي، جزء 5، صفحة 426

المصدر
كتاب على ضفاف الحسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى