مواضيع

مراعاة الانضباط الاجتماعي

«الانضباط الاجتماعيّ» يعني الانتظام في كلّ الأمور، تبدأ من الأمور الصّغيرة لتطبيق هذا الانضباط. على سبيل المثال؛ عدم عبور السّيّارات لخطّ المشاة في الشّوارع المزدحمة أو في أيّ مكانٍ آخر، أو عدم عبور المشاة على غير الخطّ المخصّص لهم في الشّارع. يبدو هذا أمراً صغيراً وتافهاً في المقام الأوّل، لكن دعونا نبدأ من هنا ونعمّم الانضباط الاجتماعيّ في كلّ قضايانا لنصل إلى المسؤوليّات العليا للدّولة في التّعامل مع مشاكل البلد؛ أيّ أن يلتزم أولئك الّذين يراجعهم النّاس بالنّظام والانضباط عند مراجعة النّاس لهم، وأن يكون أولئك الّذين تقلّدوا وظيفةً ما يتمتّعون بالانضباط اللّازم للقيام بتلك الوظيفة، كل هذا سيجلب الرّخاء لبلدنا وأمّتنا وسيصقل عملها[1].

فعلى الجميع أن يراعوا مسألة الانضباط، وأن يدققوا ويتحركوا بشكل صحيح حتى لا يرتكبوا أمراً مغايراً للقانون أو عملاً خاطئاً ومنافياً للأخلاق، وألا يحصل سوء استفادة، وألا ينفق من بيت المال ولا يتبادلوا التهم والإهانات[2].

توصية الأمير بالنظم

يقول: «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ»[3].

فحتى نحن الجالسون هنا مخاطبون بهذه الوصية أيضاً، ثمّ يبدأ بالقسم الثاني من وصيته العامة فيعود من جديد ليؤكّد على أهمية التقوى مرةً أخرى، فالتقوى هي الكلام الأوّل والأخير لأمير المؤمنين(ع).

وبعد الوصية بالتقوى مجدداً يقول(ع): «وَنَظْمِ أَمْرِكم».

فماذا يعني بنظم أمركم؟ هل يعني أنّ الأعمال التي تقومون بها في حياتكم اليومية يجب أن تكون منظمة ودقيقة؟

من المحتمل أن يكون هذا أحد معاني هذه العبارة، لكنّه لم يقل عليكم بنظم أموركم بل «نَظْمِ أَمْرِكم»، إذًا؛ فظاهر هذه العبارة أنّ هناك أمراً مهماً يجب أن يتحقق وفقاً لضوابط ونظم معينة، فما هو ذلك الأمر المهم؟

يُفهم أنّ لهذا الأمر المهم قاسماً مشتركاً عند كل الناس، فيحتمل أن يكون معنى نظم الأمر هو عبارة عن إقامة الولاية والحكومة الإسلامية والنظام الإسلامي؛ يعني أيّها المسلمون ليكن تعاملكم مع مسألة الحكومة والنظام وفق ضوابط ونظم معينة ومحددة، لا يكن هناك انفلات في تعاملكم مع النظام، فبسبب هذا الانفلات وصلت الأمة الإسلامية إلى ما وصلت إليه من انحطاط وتشتت.

يُروى عن رسول اللّه(ص) أنّه قال ما معناه: «إذا بايعت الأمة إماماً يرضى اللّه عنه فلا يجوز لأحدٍ مخالفته»، فلو أنّ الأمة الإسلامية عملت بمضمون هذه الرواية بعد بيعتها للإمام علي(ع) لما وقعت تلك الحروب المدمرة كحرب الجمل وصفين والنهروان.

وهذا «الإخلال والانفلات» هو ما يقوم به البعض من أجل مصالحه وإرضاءً لميوله النفسية، فينشر الرعب في البلاد ويثير القلاقل، ويخلّ بالنظام العام، ويقتل الناس الأبرياء هنا وهناك، وهذا هو البلاء العظيم الذي حذّر منه أمير المؤمنين(ع) ونهى عنه وأمر بخلافه.

الفقرة الثالثة في القسم الثاني من هذه الوصية: «وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ»[4].

ضرورة العمل المستمر للانضباط

في الواقع؛ لم يتعلّم مجتمعنا الانضباط في الماضي، لم يعلّمونا الانضباط؛ أي أنّ الحكم الدّيكتاتوريّ والاستبداديّ والنّظام الملكيّ غير منضبط على الإطلاق؛ بل لديه الانضباط الخاصّ به. هذا الانضباط، في الواقع؛ هو انضباطٌ ضدّ الإنسان. إذا أردنا إرساء هذا في البلاد، فهذا لا يتمّ عبر تكرار ذلك مرّة أو مرّتين، أو عبر كتابة مقالٍ أو إقامة ندوةٍ، هذا يتطلّب عملاً استمراريّاً[5].

تأثير الصلاة على الانضباط الاجتماعي

بالنّظر إلى أنّ الصّلاة، أوّلاً؛ تمنح أبناء المجتمع تفوّقاً صحّيّاً وأخلاقيّاً وروحيّاً، وثانياً؛ لأنّ شكلها ومحتواها الخاصّين يؤدّبان المصلّي ويقيانه من الإهمال والكسل، يجب أن تكون بحقٍّ من العوامل المهمّة للانضباط الاجتماعيّ والنّظام. إذا اشتهرت الصّلاة بين النّاس بتوجّهٍ وحماسٍ وكانت من الفضائل، فستكون هذه إنجازات خاصّة بهؤلاء النّاس، ومن البديهيّ أنّ الصّلاة لن يكون لها أيّ من هذه الآثار إن حصلت في ظلّ الكسل وعدم التّوجّه والرّياء[6].

أهمية النظم في الحياة

إنّ النظم من الموضوعات التي عندما يتعمّق الإنسان في معناه ومفهومه ومفعوله في الحياة يزداد إدراكاً لأهميته، فالنظم إنما يعني: وضع الشيء في محلّه، وإنّ الكون بما فيه من أرض وسماء، ويمتد حولنا نحن البشر إنما هو منظومة مقنَّنة، والقانون والنظم هو السائد على كافة مجريات الأحداث في الكون، والتحرّكات في العالم الذي نستشعره ونبصره والذي يحيط بنا، والإنسان بدوره جزء من هذا العالم المتميّز بالنظم، وإنّ الحياة الطبيعية للإنسان يسودها النظم أيضاً، فدوران الدم ونبضات القلب وانتفاخ الرئتين وسائر الحركات من فعل وانفعال يجري داخل جسم الإنسان تابعة بأجمعها للنظم، وإذا ما تكلل عمل الإنسان وفعله بالنظم إذ ذاك سيتوفّر التناسق بينه وبين العالم المحيط به، فالنظم يهب الإنسان فرصة استثمار كل شيء حق الاستثمار ولا يدَع شيئاً يفوته، وإذا ما حصلت فوضى داخل جسم الإنسان فإن نتيجتها المرض أو ما يوصف بالمرض، وذات الأمر يطرأ على سلوكيات الإنسان سواء في حياته الفردية أو سلوكياته الاجتماعية، وعليه فإن للنظم أهميته[7].

المطلوب هو النظم النابع من التقوى

إنّ دائرة النظم واسعة بطبيعة الحال، فهي تبدأ من الحياة الخاصة للإنسان داخل غرفته التي يحيا ويعمل فيها؛ حيث يتمّ الاهتمام بالنظم فيما إذا كانت تتميّز بترتيبها أم لا ومروراً بالتصرفات الفردية لنا في الوسط الوظيفي أو الدراسي، وانتهاءً بالوسط الاجتماعي وتشكيلة المجتمع وبناء النظام الاجتماعي بما يعنيه من بُنية منبثقة عن نظام معيّن له فلسفته الخاصة به، وذلك بأجمعه يشمله «نَظمِ أَمرِکُم» الذي صرَّح به أمير المؤمنين في هذا المقطع من وصيته.

وقبل أن يشير(ع) للنظم تحدّث عن التقوى، فجاءت التقوى في البداية «أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ، وَأَلاَّ تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا»، لكنه يردف بعد سطرين بالقول «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي … بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ» وهنا تكررت التقوى من جديد؛ ولعل في ذلك إشارة إلى أنّ النظم المنشود في الحياة الفردية ونظام الحياة العامة والاجتماعية للإنسان هو النظم المستمد من التقوى والممزوج والمتجانس معها.

إذ هذه وصية شاملة لنا جميعاً أن نلتزم النظم والتخطيط على صعيد الحياة الفردية والعائلية، وكذلك الوظائف الدراسية والإدارية والأعمال التي نمارسها وسط المجتمع، وهذه بالأساس صيغ من النظم على الصعيد الفردي، وعلينا أيضاً التزام النظم والتخطيط على مستوى المجتمع كذلك.

فعلى كل امرئ وحيثما كان التقيّد بالنظام الاجتماعي؛ فذلك يمثّل أدباً عاماً بالنسبة لنا على صعيد المجتمع والجميع مشتركون في هذا الشأن[8].

بعض مصاديق النظم

إنّ احترام القوانين ومراعاة الأخوّة والقناعة وعدم التعدي على حقوق الآخرين، واحترام الوقت سواء وقت المرء أو وقت الآخرين والالتزام بقوانين المرور والتجوّل، والقضايا المالية والتجارية وما شابه ذلك، كلها مصاديق للنظم.

ومن مصاديق النظم أيضاً التناسق بين ممارستنا داخل المجتمع وبين أفكارنا وقناعاتنا وشعاراتنا، فمن حالات الفوضى البالغة الخطورة أن تكون القواعد الفكرية والعقائدية والأمور التي يؤمن ويعتقد بها المجتمع شيئاً فيما لا تنسجم السلوكيات التي تتبلور على أساس هذه القواعد والمعتقدات وتشكِّل قانوناً عاماً واجتماعياً مع تلك المتبنّيات والأفكار والقواعد، وهذا مما يخلق نوعاً من الازدواجية والنفاق وهو خطير جداً[9].

تأثير الإرادة الشخصية على التحولات الاجتماعية

يمكن للإرادة الشّخصيّة للأفراد أن تؤثّر حتّى على التّحوّلات الاجتماعيّة، وهناك العديد من هذه القضايا؛ يميل إلى أن يأخذ سيجارة من صديقه، إدمان التّدخين، إدمان المخدّرات، الرّغبة الشّديدة العابرة، هذه هي الأشياء الّتي بدورها تخلق تيّاراً هائلاً وطويلاً ولا ينضب من التّغيير الاجتماعيّ – وهي نكسة، والعكس صحيحٌ أيضاً.

أحياناً أذهب إلى مرتفعات طهران في الصّباح. عندما ننطلق، يكون الجوّ مظلماً؛ أي بعد صلاة الفجر، الشّوارع خالية؛ عندما نصل إلى الضّوء الأحمر، نتوقّف؛ هذا ما نبني عليه، لا يوجد أحد في الشّارع، ولا توجد سيّارة آتية من الطّرف الآخر، ننتظر حتّى يتحوّل الضوء إلى اللّون الأخضر، ثم نعبر. لقد لاحظت عندما نقف على هذا الجانب من الطّريق – على سبيل المثال، ثلاث أو أربع سيّارات معنا – تأتي سيّارة قادمة من الجانب الآخر تقرّر عبور الضوء الأحمر، ولكن عندما يرى السّائق ثلاثة أو أربعة أضواء على الجانب الآخر والسّيّارات متوقّفة، يقوم بدوس المكابح رويداً رويداً وأحيانًا يعود قليلاً إلى الخلف؛ أي أنّ الانضباط الاجتماعيّ لشخصٍ ما يؤثّر على الشّعور بضرورة الانضباط الاجتماعيّ لدى الآخرين. سلوكيّاتنا الفرديّة مؤثّرة جدّاً؛ حتّى في بناء الثّقافة وأشياء أخرى كثيرة. على كلّ حال؛ العزيمة البشريّة أمرٌ أساسيٌّ[10].

تفاوت الثورية مع عدم الانضباط

إنّ البعض يتصورون أنّ الثورية لا تعدو كونها حركة متسببة مصحوبة بالفوضى والانفلات وعدم الانضباط! ثم يحدث كل شيء وينتهي بلا دقة ولا انسجام! وهذا هو عين الخطأ؛ حيث إنّ الاضطرابات والفوضى ليست من شِيَم الحركة الثورية مطلقاً؛ بل العكس هو الصحيح، فالانضباط الثوري يعتبر من أشد وأقوى أنواع الانضباط.

إنّ الانضباط الذي يستمدّ أصوله من فكر الإنسان وقلبه وإيمانه هو أفضل أنواع الانضباط.

قد لا نلاحظ شيئاً من الهرج في بداية قيام الثورات، ومن ذلك ثورتنا، وهو أمر يعود إلى بدايات الحركة الثورية؛ حيث إنه يجب القضاء على كيان قديم متهاوٍ واستبداله بكيان جديد.

إنّ هذا من الأمور الطبيعية، ولكن عندما نجد أنّ بناءً جديداً قد شُيّد وارتفع على قواعد صحيحة، فإن الحركة على أساس ذلك ستكون حركة منضبطة وممتازة وستمضي قُدُماً، وهذه هي الثورة. وعلى هذا فإنه لا ينبغي الخلط بين الثورية والفوضى والاضطرابات والقلاقل والجهل بالضوابط والقوانين، ومهما كان الأمر؛ فإن جهاد الجامعة يعتبر من الثوابت التي عقدنا عليها آمال المستقبل العلمي للبلاد[11].


  • [1].  رسالة سماحته بمناسبة بداية السنة الهجرية الشمسية بتاريخ 21-3-1994م
  • [2].  خطبة الجمعة بتاريخ 9-2-1996م
  • [3].  نهج البلاغة، ومن وصية له(ع) للحسن والحسين(عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم لعنه الله
  • [4].  خطبة الجمعة بتاريخ 4-3-1994م
  • [5].  بيانات سماحته أمام أعضاء المجلس الأعلى للثورة الثقافية بتاريخ 10-12-1996م
  • [6].  رسالة إلى مؤتمر الصلاة بتاريخ 9-9-1999م
  • [7].  خطبة الجمعة بتاريخ 22-11-2002م
  • [8].  خطبة الجمعة بتاريخ 22-11-2002م
  • [9].  نفس المصدر
  • [10]. بيانات سماحته أمام طلبة جامعات منطقة سمنان بتاريخ 9-11-2006م
  • [11]. بيانات سماحته عند ذهابه إلى مركز تحقيقات رويان بتاريخ 16-7-2007م
المصدر
كتاب الثوري الأمثل في فكر الإمام الخامنئي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟