مواضيع

الاتكاء على الله وعدم الخوف إلا منه

يجب أن نتذكّر جميعاً – مسؤولين وشعباً – أن الرّكن الوحيد لأيّ أمّةٍ عظيمةٍ واحدةٍ وموحّدة هو ذكر الله والتّوكل على الله والثّقة بالله، وهذا الّذي قادنا ونصرنا وأوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. لو كانت أمّةٌ أخرى في مكاننا ووُضعت في نفس الظّروف الّتي مررنا بها؛ مع كلّ أولئك الأعداء، وذلك الحصار، من خلال فرض حربٍ استمرّت ثماني سنوات، وخلق مشاكل مختلفةٍ من الدّاخل والخارج، من خلال الغزو الإعلامي، الغزو الثّقافيّ، الغزو الماليّ، الغزو النّقديّ والغزو العسكريّ، ومع تاريخٍ من عقودٍ؛ بل من قرونٍ من الفساد؛ تلك الأمّة، بدون الإيمان وبدون الله بالتّأكيد لم تكن لتستطيع تحمّل ذلك، ولم تكن لتصل إلى هنا، وكانت ستركع في منتصف الطّريق، ولم يكن بإمكانها رفع راية النّصر كما نفعل نحن اليوم، ونحن فخورون بذلك.

إنّ أعداء الله – أمريكا والمستكبرين والبعض في الشّرق والغرب والرّجعيّين وغيرهم – توحّدوا معاً وهاجمونا، ولأنّ حساباتهم كانت خاليةً من عنصر الثّقة والإيمان بالله، ولم ينتبهوا لوجوده في حياتنا، لذلك؛ يمكننا القول بأنّهم فهموا الموضوع باتّجاهٍ واحدٍ فقط. في الواقع؛ إذا لم يكن لدى أمّتنا إيمان بالله، وارتباط بأصل الرّبوبيّة والغيب، لكان حصل ما أرادوه؛ أي أنّ الثورة كانت فشلت، والأمّة تقهقرت، وحاملي لواء النّضال قد قُمعوا وأُصيبوا باليأس، وتراجع جميع المقاتلين حول العالم. لو لم يكن الله موجودًاً، لما كان الأمر خلاف هذا. لقد أساء المستكبرون فهم هذه القضيّة وما زالوا يفعلون ذلك، إنّ الأمّة الّتي تعتمد على الله وتؤمن به وتثق حقّاً بالله في قلبها، لا تُقهر ولا يمكن لشيءٍ أن يجبرها على التّراجع والاستسلام[1].

دور التوجه إلى القدرة الإلهية والاعتقاد بالوعود الإلهية في الانتصارات

الالتفات إلى القدرة الإلهية وصدق الوعد الإلهي؛ الذي يُعدّ أساس جميع الأعمال، أن نثق بوعد الله. الله تعالى لعن أولئك الذين يسيئون الظن بوعده وبه <وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصيرا>[2]، ويقول الله تعالى: <وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ>، <وَأَوْفُوا بِعَهْدي أُوفِ بِعَهْدِكُم>، فسيروا على طريق الله، والله يعينكم. وهذا ليس مجرّد وعد إلهي، فلو كنا أشخاصاً صعبي التصديق، أشخاصاً عمي القلوب لا يمكننا أن نؤمن بوعد الله، فإن تجاربنا علّمتنا هذا الأمر، فمن كان يحتمل أن يحدث مثل هذا الأمر في البلد قبل أربعين سنة بدءا من أبناء الثورة الأساسيين وأصدقائها ومؤيديها وأعدائها؟ واقعةٌ بمثل هذه العظمة، وبناءٌ يُشاد بهذه الرفعة؟ من كان يحتمل ذلك؟ ولكنه حصل؛ وذلك بفضل التوكل على الله تعالى والعزم الراسخ وعدم الخوف من الموت والهزيمة، والتقدّم باسم الله والتوكل على الله، وسوف يكون الأمر على هذا المنوال فيما بعد[3].

الاحتياج إلى ذكر الله في ميادين الحرب السياسية والاقتصادية

ذكرُ الله كالجندي المحامي الذي يدافع عنا وعن قلوبنا حيال هجمات الأهواء المضلّة. القلب حساس ومعرّض للآفات بشدة، قلوبنا وأرواحنا معرضة للآفات والأضرار بشدة، نتأثّر ببعض الأشياء، وتنجذب قلوبنا إلى أمور كثيرة، فلو أردنا أن تبقى قلوبنا – وهي بيوت الله ومساكنه، وهي إلى ذلك أرفع مراتب وجود الإنسان، وتمثل باطن الإنسان وحقيقة وجوده – سليمة طاهرة، فلا بدّ لها من مدافع عنها، وهذا المدافع هو ذكر الله. الذكر لا يسمح بتعرّض القلب لهجمات الأهواء المتنوّعة وانسحاقه تحت وطأة هذه الهجمات، ذكر الله يصون القلب من أن يغرق في المفاسد والانجذابات المضلّة، وقد لاحظت في هذا الصدد رواية ذات معنى عميق، يقول في الحديث: «ذَاكِرُ اَللَّهِ فِي اَلْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ فِي اَلْفَارِّينَ»[4]. تجدون في ساحة الحرب مقاتلاً يدافع ويصبر ويقاوم ويستخدم كل إمكانياته لتوجيه الضربات للعدو وصدّ هجماته، ولكن قد يكون هناك جندي آخر يفرّ من ساحة الحرب، ويفقد الطاقة على الثبات فيهرب أمام الأعداء، يقول في الحديث إن الذاكر بين الغافلين كالمقاتل بين الفارّين، لاحظوا أن هذا التشبيه جاء لهذا الغرض والغاية، فالمقاتل يصدّ هجمات الأعداء بصبره ومقاومته، وذكر الله بدوره يقوم بمثل هذا الواجب فيقاوم ويدافع عن الحدود.. عن حدود قلوبكم، من هنا تلاحظون في الآية القرآنية الكريمة وهي من آيات الجهاد: <إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا> ذكر الله ينفع في تلك المواطن أيضاً <لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ>.. فهذه وسيلة من أجل أن تفلحوا وتنتصروا. لماذا ذكر الله؟ لأن هذا الذكر يربط على القلب ويقوّيه، وإذا كان القلب قويّاً ثابتاً ثبتت الأقدام أيضاً. هكذا هو الحال في ساحة الحرب، في ساحة الحرب قبل أن تهرب أقدام الضعفاء رديئي المعدن تهرب قلوبهم. إنه قلبنا الذي يفرض على جسمنا الفرار. وإلّا؛ إذا ثبت القلب ثبت الجسم..اذكروا الله في كل ميادين الحرب – الحرب العسكرية والحرب السياسية والحرب الاقتصادية والحرب الإعلامية – فذكر الله يستجلب الفلاح والنجاح. ذكر الله دعامة لثبات الأقدام.

وإذًا، فذكر الله يساعدنا على السير في ذلك الصراط المستقيم، والتقدم إلى الإمام، نحن بحاجة لذكر الله للسير في الطريق نحو الهدف الذي رسمناه لأنفسنا كمؤمنين وكمسلمين وكأتباع مدرسة تقدمية راقية وكأشخاص لدينا الحوافز والدوافع لإقامة هذا الصرح الشامخ المبشّر بازدهار الحضارة الإسلامية في المستقبل والقرون المقبلة.

أنا وأنتم نحتاج لذكر الله أكثر من الآخرين، والسبب في قولي إنني اغتنمت هذه الجلسة هو أنكم تختلفون عن الأشخاص العاديين بفارق كبير هو أنكم تتولون في موضع من المواضع زمام الأمور، وأعمالكم مؤثرة طبعاً في صيانة الوضع والأمور. إذا أمسكتم بزمام الأمور بقوة أو تراخيتم في ذلك أو تركتم الزمام أساساً فإن الوضع سيختلف عما لو فعل ذلك أشخاص ليس في أيديهم شيء. إذًا، أنتم بحاجة لذكر الله أكثر من الآخرين، وإذا ساد ذكر الله هذا على قلوبنا فسيترك دون ريب آثاره على سلوكنا. إنه يؤثر علينا في أدائنا لواجباتنا وتكاليفنا، وفي اجتنابنا وورعنا عن الحرام والذنوب وما يستجلب الوزر والوبال والغضب الإلهي، ويساعدنا على الابتعاد عن هذه الأحوال[5].

دليل انتصار الشعب الإيراني

نشكر الله أنّ شعب إيران قد تعلّم دروس الحياة من ثورته العظيمة وقائده الحكيم بالأُذن الصّالحة والعين الثّاقبة، ويوماً بعد يوم؛ فإنّ الإيمان بحقّانيّة هذا الخطّ تعمّق من خلال الوفاء بالوعود الإلهيّة. لقد تذوّقت أمّتنا الطّعم المميّز للانتصار على النّظام التّابع والمُرتهن «أي الملكيّ»، الانتصار على الحيل والمؤامرات الأمريكيّة، الانتصار على الجبهة العسكريّة للشّرق والغرب، الانتصار على الحصار الاقتصاديّ، الانتصار على الجبهة السّياسيّة والدّعائيّة الصّعبة، والانتصار على العديد من الجبهات الأخرى. كلّ هذه الانتصارات تحقّقت بفضل التّمسّك بالإسلام والتّوكّل على الله والحفاظ على الاستقلال عن الأجانب وتوحيد جهود الأمّة وراء قائدها الوحيد الّذي لا غنى عنه. لقد رأت أمّتنا بأمّ أعينها تفكّك الكتلة الشّرقيّة وعدم جدوى ادّعاء القوّة العظمى السّوفياتيّة وانهيار الأيديولوجيّة والأجهزة الّتي أيّدت القيم الإلهيّة علانية في البداية، ثمّ خلال الحرب المفروضة، وضعت أيديها في أيدي الولايات المتّحدة وأصبحت عدوّةً لنا. الآن؛ اختفى كلّ هؤلاء «السّياسيّون» الّذين اعتمدوا على الإمبراطوريّة والسّلطة من صفحات الحياة اليوميّة بِسُمعةٍ سيّئةٍ.

إنّ أمّتنا رأت سابقاً وترى اليوم عجز الغرب عن حراسة وحماية الحكومات التّابعة له، الّتي لفظت أنفاسها الأخيرة وهي تأمل مواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة؛ عسكريّاً وسياسيّاً، وحتّى عجزه عن حلّ المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والخارجيّة لهذه الحكومات؛ وهي تتذوّق طعم الاستقلال الحلو والاستغناء عن هذه القوى الظاهريّة في الأحداث المتتالية من حياتها.

هذه نعمةٌ عظيمةٌ يجب على أمّتنا الواعية وذات الخبرة أن تقدّرها وتشكرها وتحافظ عليها لنفسها.

يجب أن يعرف شعب إيران – وهو يعرف – أنّ الحلّ لجميع مشاكله؛ كبيرها وصغيرها، والّتي غالباً ما تكون نتيجة حقبة الاستبداد للسّيطرة الأجنبيّة على البلاد أو نتاج الحرب، الّتي قام بها نفس أولئك الأجانب المستكبرون والمستبدون، هو هذا السّبيل الوحيد الّذي سيكون ممكنًاً؛ أي من خلال التّمسّك بالإسلام، وتوحيد الجهود والنّضال، والاستغناء عن الأجانب والأعداء، والدّفاع عن المظلومين، ومحاربة الهيمنة والاستبداد، وعدم الانصياع لحيل وتطلّعات الولايات المتّحدة وفرض غطرستها.

في الجمهوريّة الإسلاميّة، يخطئ بشكلٍ كبيرٍ أولئك الّذين يعتقدون أنّهم من خلال تقديم تنازلاتٍ للولايات المتّحدة وغيرها، سيكونون قادرين على تحقيق أهداف وغايات النّظام الإسلاميّ، وهذا التّصوّر الخاطئ هو الجحود على الانتصارات العظيمة الّتي حققتها أمّتنا الإسلاميّة من خلال الثّقة والمثابرة والجهاد، والجحود والكفر بالنّعم بلاءٌ يخشى الإنسان منه ويستعيذ بالله منه[6].


[1].  بيانات سماحته أمام أقشار مختلفة من الشعب بتاريخ 29-8-1990م

[2].  التوبة: 6

[3].  بيانات سماحته أمام مسؤولي النظام بتاريخ 18-8-2010م

[4].  الكافي، ج2، ص502

[5].  بيانات سماحته أمام مسؤولي النظام بتاريخ 22-9-2007م

[6].  رسالة سماحته بمناسبة يوم المقاومة ضد الاستكبار العالمي بتاريخ 4-11-1990م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟