مواضيع

الخواص والعوام واللحظات المصيرية

الإمام الحسين (ع): «وَإِنَّي بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ أَخِي وَاِبْنُ عَمَّيْ المُفَضَّلُ عِنْدَي مِنْ أَهْلِ بَيْتَيْ مُسْلِمٍ بِنْ عَقِيلُ (ع)، وَقَدْ أَمَرَتْهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَي بِحُسْنِ رَأْيِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَأَنَا أَقْدَمُ إِلَيْكُمْ إِنْشَاءَ الله تَعَالَى».

تمهید

منعطفات حساسة يكون القرار فيها والموقف مصيرياً، وتتغير فيه مسار الأحداث بشكل كامل، وتتحول الأمور إلى ما يقابلها، فهناك لحظات تاريخية كان النصر قاب قوسين أو أدنى، وإذا بالأمور تتحول إلى هزيمة نكرة، وذلك بموقف مصيري تاريخي! وبعد أن كانت الأحداث تقود إلى سيطرة أهل الضلال، وإذا بالثورة – وهي منعطف – تُرجع أهل الحق للحكم، وتسود العدالة بين الناس. والذي يتخذ مثل هذه المواقف المصيرية هم «الخواص»، فهم الذين يغيرون صفحة التاريخ ومسير الأحداث، وأما العوام فلهم دور التقوية والتأييد.

وخواص أهل الباطل- يتوسلون ببساطة عقول العوام، وسذاجة أنصارهم حتى تؤول الأمور إلى ضياع الحق، ووحدة وغربة خواص الحق!

الخواص والعوام

والناس في كل مجتمع ينقسمون إلى خواص وعوام:

أما الخواص: فهم الذين يملكون الأهلية والاستعداد الفكري الذي يمكّنهم من اتخاذ الموقف والقرار في مختلف الأمور والأحداث، فهم يدرسون المعطيات، ويتأملون في ملابسات الأحداث، ومن ثم يقومون بتحليل المعلومات والربط بينها، وجعلها في قوالب منطقية، واستدلالات برهانية، حتى يصلوا إلى نتائج محكمة يبنون عليها مواقفهم العملية.

أما العوام: فهم الذين لا يملكون الأهلية العلمية والعقلية والاستعداد الفكري الذي يعينهم على فهم الأشياء كما هي، أو الربط بين المعلومات وتحليلها بالشكل الصحيح حتى يبنوا عليها الموقف العملي! بل هم تَبَع للمحيط السائد، يتلونون بلونه ويخطون في مساره!

وهم تبع للخواص: يصفّقون لأطروحاتهم، وينفذون مشاريعهم، ويسيرون خلفهم؛ يقول الإمام علي (ع): «اَلنّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعالِمٌ رَبّاني وَ مُتَعَلِّمٌ عَلي سَبيلِ نَجاةٍ وَ هَمَجٌ رَعاعٌ اَتْباعُ كُلِّ ناعِقٍ يَميلونَ مَعَ كُلِّ ريحٍ لَمْ يَسْتَضيئوا بِنورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَؤُوا اِلي رُكْنٍ وَثيقٍ»[1].

خواص الحق وخواص الباطل

والخواص ينقسمون إلى قسمين: خواص الحق وخواص الباطل.

فأما «خواص الحق»؛ فهم الذين يعرفون الحق وأهله، ويعرفون الباطل وحزبه، ويعملون بالحق ويتابعون أهله، فهم على صعيد الفكر والرؤية على بصيرة من أمرهم، وعلى صعيد السلوك والعمل مع الحق وأهله، واقفين في وجه الباطل وحزبه، فهم مع الحق «فكراً وسلوكاً».

ومثال خواص الحق عمار بن ياسر ومالك الأشتر وقیس بن سعد.

وأما «خواص الباطل»؛ فهم الذين يعرفون الحق وأهله ويعرفون الباطل وأهله إلا أنهم على صعيد «العمل» والمواقف الخارجية فإنهم يقفون مع أهل الباطل، ويعادون ويحاربون أهل الحق! فعلى الرغم من عدم كونهم من العوام فإنهم على بصيرة ومعرفة بالحق والباطل، ويميزون بين أهل الحق وأهل الباطل، إلا أنهم على صعيد العمل يلازمون الباطل وينابذون الحق!

ومثال خواص الباطل: عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والأشعث بن قيس.

الخواص والمواقف المصيرية

إن الذي يغير التاريخ، ويبدل وجهة مساره هم «الخواص» غالباً، فالخواص لهم القدرة على مثل هذا العمل المصيري، والتغيير الجوهري لمسار الأحداث، فإن كانوا من «خواص الحق» فإنهم يأخذون الأمة إلى بر الأمان، ويخرجونها من الظلمات، وينتشلونها من وحل الآثام! وإن كانوا من «خواص الباطل» فإنهم يأخذون الناس، ويقودونهم إلى التيه والضياع حتی يهوون بهم إلى جهنم والنيران!

وهناك مواقف مصيرية في التاريخ نذكر بعضها على سبيل المثال:

دور الخواص في حياة الإمام علي (ع)

  • السقيفة وتغيير مسار الأمة: فالسقيفة وما تبعها من أحداث تعتبر منعطفاً مصيرياً في الأمة الإسلامية. وقد كان للخواص «خواص الباطل» الدور الكبير في قلب الحقائق، وإقصاء أصحاب الحق وتبديل صفحة التاريخ من ذلك اليوم إلى يومنا هذا. فـ«خواص الباطل» وهم أقطاب «حزب النفاق» قادوا الانقلاب، وأسسوا الاعوجاج، وأبعدوا أهل الحق والرشاد، وأقعدوا أمير المؤمنين (ع) 25 عاماً في بيته؛ ليحرموا الأمة من فيضه ونور شمسه!
  • الشورى وإدامة الإقصاء: وكانت الشورى التي طرحها الثاني، وجعلَ الإمام  عليا (ع) أحد الأعضاء، وجعل عبد الرحمن بن عوف صاحب الكلمة الحاسمة! فكان هو الذي وقف موقفاً، ولعب الدور المصيري في إدامة الانحراف في الأمة، وإقصاء الإمام (ع)، واستمرار حزب النفاق على السلطة، حتى تربع عليها یزید بن معاوية بن أبي سفيان!
  • معركة صفين: كانت مسببة من خواص الباطل، حيث لم يرضوا بحكومة العدل العلوي، فجروا بقر الشام لحرب الإمام، ولتزهق أرواح الآلاف من الأنام.
  • معركة النهروان: كانت وليدة رجال ما فقهوا الدين، وما أحكموا تعاليمه! والأخطر أنهم كانوا تحت إمرة خواص الباطل مثل عمرو بن العاص والأشعث والمغيرة، حيث يحركونهم إلى الجهة التي يشاؤون، فلما رُفعت المصاحف كانوا الهمج الرعاع الواقعين في خديعة ابن العاص، وما أن رجعوا للكوفة حتى تم تحريكهم من قبل خواص الضلال! فأشعلوا حرب النهروان، وتمادوا حتى فلقوا هامة الإمام!

اللحظات المصيرية في حياة الإمام الحسن (ع)

من أهم المحطات وأكثرها حساسية، وأعظم منعطف في تاريخ الإسلام – بعد السقيفة – هو منعطف الصلح الذي عقده الإمام الحسن (ع) مع معاوية ابن أبي سفيان لعنة الله عليه، والتأمل في مسار الأحداث يوقفنا على لُبّ الصلح، وأنه كيف أُلجئ الإمام الحسن (ع) إلى عقده، فخواص الحق غدروا به بعد أن اشترى معاوية  ذممهم، فانقلبوا من معسكر الإمام (ع) إلى معسكر ابن هند، وصاروا من خواص الباطل بعد أن كانوا من خواص الحق كما هو «عبيد الله بن العباس» وأمثاله!

وبعد هذا التحول المزلزل والسريع لـ«خواص الحق» فإن الأمور انقلبت على الإمام (ع)، لأن عامة الناس كریشة في مهب العواصف قد انخدعوا بكلام زعمائهم، وانغروا برشاوي بغاة قومهم، حتى تركوا إمامهم غريباً وحيداً، لا ناصر له ولا معين! ولولا «الصلح» لَقُتل الإمام أو أسر، ولقضي على الإسلام وأهله.

اللحظات المصيرية في حياة الإمام الحسين (ع)

هناك محطات مصيرية في حياة الإمام الحسين (ع) كان للـ«الخواص» الدور البارز والحساس في تغيير مسار الأحداث والانقلاب في الأمة، نحن نذكر بعضها:

  • خروجه من المدينة: حيث خرج الإمام الحسين (ع) من المدينة وحيداً مع أهل بيته وقلة من أنصاره، وكان خروجه أمام مرأى ومسمع الجميع، وبالأخص من الخواص الذين كانوا من الطبقة الواعية، من الصحابة وكبار الفقهاء والمحدثين! فكان خذلان الخواص للإمام (ع) – وهو في بداية الثورة – هو بداية مسلسل الخيانات والتراجعات من سائر الأمة!!
  • خروجه من مكة: ففي أعظم اجتماع  للمسلمين، وفي أيام الحج، وعند بيت الله، والإمام (ع) يستنهض الأمة، ويدعوها القيام، ويبين لها أنه غير آمن! وهو ابن رسول الله وعند بيت الله! ولأن الخواص سكتوا ولم يتحركوا لنصرة أمامهم، ولم يبدوا الاستعداد لنصرته وحفظ دمه، فإن العوام ظلوا خانعين كذلك، فلم ينصروا إمامهم؛ بل تركوه يخرج من أمامهم ليلاقي مصرعه من طغاة زمانهم!
  • مع مسلم بن عقیل: فما إن جاء ابن زیاد إلى الكوفة حتى قام بعملين إجراميين ألا وهما «الترغيب والترهيب»، فخواص الباطل – المتمثلين في رؤساء القبائل والوجهاء وأصحاب الرأي – تعامل معهم بالترغيب حيث تتجلي أوضح الشواهد في مسيرة الانقلابات، وتغيير مسار الأحداث، حيث نری بصمات خواص الباطل في كل هذه الأحداث المريرة:
  • ابن زیاد وأهل الكوفة: بالترغيب، حيث ملأ أكياسهم بالذهب والفضة حتى تم شراء ذممهم، فخانوا رسول إمامهم! ومن ثم تبعهم العوام من أقوامهم!

وهناك من الخواص من تم التعامل معهم بالترهيب، فعاشوا الرعب والخوف، ووقفوا مع جبهة الباطل، أو أنهم لم ينصروا أهل الحق!!

  • هاني بن عروة مخنوعاً: فقد كان هاني زعيماً لمذحج، تأتمر له آلاف السيوف وتلبيه الجيوش! فما الذي أدى إلى قتله مثل هذه القتلة الشنيعة، وخُذل من أهله وعشيرته وقومه؟! والجواب يتضح من خلال ذكر سببين في المقام:

أولاً: ما قام به خواص الباطل من قبيلته، فقد كان هناك من ينافس هاني على الزعامة! وينتظر الفرصة السانحة لإزاحته والجلوس مكانة، فيتبوأ الرئاسة والزعامة! وعندما تم اعتقال هاني فإن البعض من هؤلاء الخواص قام بالثورة واستنهاض قومه من أجل تحرير هاني من أسره، فذهب وتبعه قومه، وأحاطوا بقصر الإمارة، وقد كان يريد أن يكون هو المشعل للثورة والمطالب بتحرير هاني، ويريد أن يكون هو نفسه الذي يخمد الثورة!! فكان ما أراد وخدع العوام! فهذا البعض من الخواص قد ألهب الثورة في جماهير قومه، لكن ليس لأجل هاني؛ بل لأجل نفسه، ولذلك عندما وصل إلى غرضه قام بإخماد الثورة، وذهب هاني مخذولاً مقتولاً!!

وعليه: فوصول البعض من الخواص إلى سدة الزعامة ما كان ليحصل إلا بهذه الخدعة، يتصدر الثورة ويكون زعيمها،ثم يخمدها عند وصوله إلى أطماعه ليكون هاني شهید أطماعه!

ثانياً: كل ما قام به قاضي القضاة شريح القاضي، وهو من خواص الباطل من دور مصيري تخاذلي وخياني للأمة، حيث خدعهم بأن هاني في أمان ولا داعي لمثل هذه التحركات! وعلى الجميع الرجوع إلى منازلهم والالتزام بالصمت والهدوء! فكان له دور في قتل مسلم وهاني، ومن ثم قتل الإمام الحسين (ع)، وهو القائل (بحسب بعض النقولات التاريخية): «الحسين خرج عن حده فقتل بسيف جده!!» فـ«علماء البلاط» لا يقلون خطراً عن الطواغيت؛ بل هم أسوأ منهم في كثير من المنعطفات التاريخية!

المواقف المصيرية في الحياة

وفي الحياة مواقف مصيرية ومواقف حساسة، لابد من الوعي والبصيرة تجاهها، وعلى الخواص الدور الأهم في تغيير مجرياتها ومسار أحداثها، وهنا أمور ينبغي الاهتمام بها وعدم الغفلة عنها، وأخذ الموقف الحازم تجاهها وهي:

أولاً: لابد من السعي كي نكون من «خواص الحق» حتى نتمكن من إدراك الأمور، وتصوّر الأمور كما هي، وربط الأحداث كما ينبغي، ومن ثم نقدر على اتخاذ الموقف الحكيم والصائب؛ فلا تلتبس علينا الأحداث، ولا تزِلّ الأقدام عندما تشتد الظلمات، يقول الإمام علي (ع): «لَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ»[2].

ثانياً: أن لا نمكّن «خواص الباطل» في أي موقع خصوصاً الحساس منها، ولا نسلّطّهم على رؤوس العباد، وذلك لأنهم سبب كل ضلال، وأساس كل انحراف واعوجاج، وتمكينهم يعني فتح باب جهنم على العباد والبلاد.

ثالثاً: أن يتعلم «العوام» كيف يتخذون الموقف المناسب في المنعطفات المصيرية، وذلك بأن يسلموا أمرهم إلى ركن وثيق، قد جُرِّب في سالف الأزمان، ويعرفون بصيرته وأمانته وتقواه ومعرفته بالإسلام، وأن في الاعتماد عليه النجاة لهم، وسلامة دنياهم وأخراهم .. «لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَأوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ»[3].

القائد ونجاة الأمة

إن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تركز على مسألة القيادة والإمامة، الشاملة لأمور الدنيا والآخرة، العامة للقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالناس مهما أوتوا من علم وبصيرة، إلا أن الإمام يبقى فوق الجميع، وهو صمام الأمان للأمة، والمنقذ لها في المحطات المصيرية والحساسة.

وفي زمن الغيبة الكبرى، فإن الأئمة (عليهم السلام) نصّبوا الفقهاء وأرجعوا الأمة لهم، فـ«الولي الفقيه» هو صمام الأمان للأمة اليوم، وعلى كل الشعوب أن تسير في ركابه، وتمتثل لأمره ونهيه، فهو حجة الله على خلقه.


  • [1] نهج البلاغة، الحكمة 147
  • [2] نهج البلاغة، الخطبة: 173
  • [3] نهج البلاغة، الخطبة: 134
المصدر
كتاب رحيق كربلاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟