مواضيع

علاقة المرجعية الدينية والسياسية العليا بالساحات والتجارب المحليّة

تدير المرجعيات الدينية موقفها وسياساتها في ظروف معقدّة على المستوى السياسي والاجتماعي؛ لأن البلدان الإسلامية هي موطن للتنوع العرقي والسياسي والاجتماعي والديني والإيديولوجي، وقد قدّمت المرجعيات الدينية تجارب متنوعة في التعاطي مع قضايا بلدانها، ومن أمثلتها في التاريخ الحديث تجربة الثورة وبناء الدولة لآية الله العظمى السيّد الإمام روح الله الموسوي الخميني (ق) وآية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي حفظه الله وتجربة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه في النهضة بوجه المقبور صدام حسين، وتجربة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني حفظه الله في التعاطي مع العملية السياسية، وموقفه التاريخي من الحرب التكفيرية في العراق، وتجربة كل من آية الله السيد موسى الصّدر وآية الله السيّد محمد حسين فضل الله رحمه الله في لبنان. هذا فضلاً عن الأدوار التاريخية القديمة والمحورية والمؤثرة للمرجعيات الشيعية في الإدارة السياسية لبلدانها ومقاومة المحتلين، مما جعل مؤسسة المرجعية الدينية الشيعية المؤسسة الأبرز والأكثر تأثيراً في مسيرة التجديد والنهضة السياسية والاجتماعية في بلدان الشرق الأوسط.

ولقد اكتسبت المرجعيات الدينية هذه المكانة السياسية والاجتماعية بسبب عقيدة التكليف الديني المنصوصة في القرآن الكريم وفي أحاديث أهل البيت (ع) بأن موقعية ودور الفقهاء هو امتداد لموقعية ودور أئمة أهل البيت (ع)، وبأن الفقهاء هم نوّاب الإمام المهدي (ع) في غيبته، وبأن التكليف الملقى على عاتقهم هو أن يتصدّوا ويقودوا مسؤولية التغيير والإصلاح في المجتمع، وبأن يطيع الناس القيادة الدينية والسياسية العالمة المدبّرة البصيرة والمحيطة بظروف الزمان والمكان.

لقد أدركت القوى الاستعمارية هذه الحقيقة، ولذلك عملت على محاربة المرجعيات والمؤسسات الدينية بشتى الوسائل المباشرة وغير المباشرة، فالمرجعيات الدينية كانت طوال تاريخها الأقدر على الحشد الشعبي والجماهيري، وتحريك قوى المجتمع والجماهير في المفاصل الحسّاسة، مع مراعاتها لحقائق الجغرافيا والمجتمع والسياسة، والتنوع المذهبي، وحفظ وحدة المجتمعات والبلدان التي يديرون فيها المشهد، والتمركز كمرجعيات دينية تضم تحت كنفها ليس الشيعة فقط، بل جميع أطياف المجتمع.

ولقد جرت السياسات المعتمدة لدى المرجعيات العليا وقادة العالم الإسلامي في إدارة شؤون المسلمين بشكل عام والشيعة بشكل خاص أن تعتمد المرجعيات والمؤسسات الدينية في كل من النجف وقم المقدّستين على الرموز والمرجعيات الدينية المحليّة لتعبّر عن الامتداد المؤسسي للخط الإسلامي أو الشيعي في البلدان المختلفة، ولهذا يتشكل في كل من البلدان الإسلامية تلك المؤسسات الحوزوية والدينية والاجتماعية والسياسية التي يكون محورها مرجع أو عالم دين مؤتمن ومحل ثقة لدى العمق الديني في كل من الثقلين الشيعيين في قم والنجف، بحيث يتلقى ويستمد القطب المحلي الدعم المعنوي والشرعي منهما، ولهذا تعتبر وتنظر المؤسسات والمرجعيات الدينية والسياسية في الجمهورية الإسلامية وفي العراق إلى الشخصيات والمرجعيات المحلية التي يلتف معظم الناس حولها إلى كونها قيادات واقعية لمجتمعاتها، ويجب دعمها ومساندتها، وحفظ وحدة المجتمعات الشيعية حولها، وقد تتعدى طبيعة العلاقة بين الحاضنتين في الجمهورية الإسلامية والعراق وهذه الشخصيات والقيادات المحلية لاعتبار القيادات المحلية امتداد عضوي لقيادات المجتمع الشيعي في الجمهورية الإسلامية والعراق، وتعتبر حينها القيادات المحليّة قيادات موكلة ومعتمدة من قبل الحاضنتين، وتكتسب صفة التمثيل والامتداد في المشروع والحركة، بحيث يكون التكليف الشرعي السياسي للمجتمعات الشيعية في البلدان المختلفة يرتكز على حكم أو مشورة المرجعيات الدينية في كل من الجمهورية الإسلامية والعراق. ونظراً لاختلاف ظروف كل بلد إسلامي فقد تنشأ تباينات طبيعية في نوع وطبيعة التكليف الشرعي حول الموضوعات المختلفة والمستجدات المحلية والإقليمية وفي التشكيل والدور المؤسسي للمؤسسات والمرجعيات الدينية في البلدان المختلفة.

تلتف المجتمعات حول مؤسساتها أو قياداتها الدينية والسياسية وفق معطيات منها:

•    البعد الحوزوي

•    التقوى

•    التجربة

•    البصيرة السياسية والاجتماعية

•    توجهات الناس والمجتمع

•    الشجاعة

•    الإدارة والتدبير

•    معرفة الزمان والمكان

ومتى ما تحققت هذه الشروط أو معظمها في أي حالة على المستوى المحلي، فإنها تحضى بالارتباط والدعم المعنوي والتوجيه الشرعي من الحاضنتين الرئيسيتين في الجمهورية الإسلامية وفي العراق، ويحصل ذلك بغض النظر عن التوافق التفصيلي في الفكر والعمل بين الحاضنتين في الجمهورية الإسلامية والعراق وبين التجربة المحليّة ورمزياتها وشخوصاتها الدينية والسياسية، إذ أن وظيفة المرجعيات والمؤسسات الدينية العليا هي حفظ وحدة المجتمعات الشيعية والإسلامية حول مؤسساتها وشخوصاتها ورمزياتها المحليّة، وتوجيهها وإرشادها، وقد ظهر هذا السلوك والمعنى في تعاطي الولي الفقيه سماحة القائد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي حفظه الله مع الحالة العراقية، وتبايناتها واختلافاتها، حتى بين أقطاب المجتمع العراقي بشكل عام والمجتمع الشيعي بشكل خاص، فقد دعم سماحة القائد الخامنئي حفظه الله مرجعية ونفوذ وموقع آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني حفظه الله على الساحة العراقية، وأرشد الناس وأطياف المجتمع العراقي بالالتفاف حوله، كما دعم سماحة القائد الخامنئي حفظه الله والجمهورية الإسلامية في ذات الوقت مشروع المقاومة ضد الوجود الأمريكي في العراق وضد مشاريع التكفير والتفكيك التي تقودها أمريكا والحلف الغربي على الساحة العراقية. كذلك ظهرت هذه السياسة الحكيمة والسلوك الوحدوي والحكيم في تعاطي آية الله العظمى السيد علي السيستاني حفظه الله مع إشكالية مشاركة المعارضة السياسية في الانتخابات النيابية في البحرين في العام 2006م، حيث قدم الخطوط العامة، الذي ينبغي أن يبنى عليها قرار المشاركة أو المقاطعة، وترك حق القرار بعهدة المؤسسة الدينية والسياسية في داخل البحرين.

كما نجد في سيرة آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني (ق) عمق التدبير والتفكير الاستراتيجي وتقدير المصالح والمفاسد، فيما يتعلق بإدارة العلاقات الدينية والسياسية في مرحلة ماقبل انتصار الثورة الإسلامية وبعدها، وحفظ وحدة المؤسسة الدينية والسياسية والمجتمع الإسلامي، فبعد وفاة المرجع آية الله الإصفهاني شاع في الحوزة العلمية اسم آية الله السيد البروجردي كمرجع للشيعة.

بذل حينها روح الله الموسوي الخميني (ق) – الذي كان له موقع مرموق في المجتمع والحوزة – قصارى جهده لمجيء آية الله السيّد حسين البروجردي رضوان الله عليه من بروجرد إلى قم المقدّسة، وبعد تدبير روح الله الخميني وإصرار تجّار وكسبة طهران بتسليم الحقوق الشرعيّة إلى آية الله السيّد حسين البروجردي أصبحت مرجعيّته واقعاً متجذراً، وبمرور الزمن تتعزز مكانة آية الله السيّد البروجردي رضوان الله تعالى عليه في حوزتي قم والنجف، ويصبح المرجع الديني الأبرز فيهما.

بعد اعتقال السيّد نواب صفوي ومجموعته الجهادية «فدائيو الإسلام» أصدر الشاه بحقهم حكم الإعدام، وسعى السيد روح الله الخميني (ق) لأن يتدخل مرجع الشيعة آية الله السيد البروجردي ويسعى بشكل مؤثر لوقف الإعدام، لكن مسعى روح الله الخميني لم يتحقق.

وفي موقف آخر اعترفت حكومة الشاه بالكيان الصهيوني، وخلافاً لتوقعات السيد روح الله الموسوي الخميني لم يبد آية الله السيد البروجردي موقفاً حاسماً من التطبيع بين النظام الشاهنشاهي وبين الكيان الصهيوني.

وضمن جهود السيد روح الله الموسوي الخميني (ق) لإصلاح واقع المجتمع آنذاك فقد كتب بمعية علماء آخرين مشروع «الإصلاحات البنيوية»، لكنه لم يلقى الدعم الكافي من آية الله السيد حسين البروجردي.

كل هذه الاختلافات والتباينات بين روح الله الموسوي الخميني وآية الله السيد حسين البروجردي رضوان الله عليهما لم تخرج السيد روح الله الموسوي الخميني من دائرة المرجعية، ولم يسعى لإضعافها، بل لم يكن يسمح لأحد بالتطاول عليها.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان هذا سلوك وسياسية روح الله الموسوي الخميني (ق)، من حفظ المجتمع ووحدته الدينية والسياسية والاجتماعية، فحين تصاعدت حالة الاستقطاب السياسي بين الجناحيين «تجمع رجال الدين» و«جماعة رجال الدين» قام سماحة الإمام الخميني بدعم الجناحين السياسيين تحت مظلّته، وعارض الرأي القائل بدعم إحدهما على حساب الآخر، أو محاولة فرض الوحدة التنظيمية بين الجناحين، وقد عبّر على أن الخلاف في المسائل الثانوية أو الجزئيّة بين أجنحة الثورة لا تشكل تهديداً للثورة والنظام، مادام هناك اتفاق في الأسس والمبادئ، وقد كتب السيد روح الله الموسوي الخميني ميثاقاً لقوى الثورة يرشدهم فيه لأطر إدارة الاختلافات، وقد سمي بـ«ميثاق الأخوّة».

 آية الله الشيخ عيسى قاسم في عيون المرجعية والمحور المقاوم

في البحرين ونتيجة التاريخ والإرث الديني والسياسي والاجتماعي، طوال ما لايقل عن 5 عقود، لسماحة آية الله المجاهد الشيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله والتفاف الشعب حوله في الشؤون العامة بعد رحيل سماحة العلامة الشيخ عبدالأمير الجمري رحمه الله، اعتبرته المؤسستان الدينية والسياسية في كل من النجف وقم كأبرز وأفضل الخيارات التي تشكّل محوريّة عامة يلتفّ حولها شعب البحرين بشكل عام والشيعة بشكل خاص.

انطلقت المسيرة العملية لسماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم حفظه الله في الشأن العام بداية الستينات من القرن الماضي، ففي العام 1962م اتجه إلى جانب عمله كمعلم نحو تعلم الفقه على يد سماحة السيد علوي الغريفي رحمة الله عليه، وبعد أن أنهى المقدمات الفقهية اتخذ قراره بالهجرة إلى خارج الوطن لمواصلة التحصيل الديني.

كانت مدينة النجف محطته الأولى، والتي استمر فيها حتى العام 1969م، ليعود للبحرين لمدة عام واحد فقط قبل أن يعود مجدداً للنجف الأشرف، ليواصل تحصيله الديني على يد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه.

وفي العام 1971م أعلنت الأمم المتحدة عن استقلال البحرين، بشرط أن يكون الحكم دستورياً السيادة فيه للشعب، وبعد التحضير لانتخابات المجلس التأسيسي رجع سماحته للبحرين بتوصية من بعض أساتذته في الحوزة العلمية ومجموعة من وجهاء البحرين، فعزم على العودة إلى البحرين تقديراً منه لضرورة خوض العمل السياسي، وقرر خوض الانتخابات والدخول في المجلس خدمة للدين والمجتمع، وكان له ذلك، حيث حصل على أعلى الأصوات في كل الدوائر الانتخابية قاطبة، وكان دخوله المجلس إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في مسيرته، وقد كان له مع المجموعة الإسلامية في المجلس التأثير البارز في إدخال كثير من المواد الإسلامية في الدستور، ففي العام 1973م اُنتخب بأكثر الأصوات على الإطلاق لعضوية المجلس الوطني، وبرزت شخصيته في جلسات المجلس كأبرز رمز من رموز الكتلة الدينية التي ما برحت داعية لتطبيق أحكام الشرع المبين وصائنة للمجتمع من الأفكار الدخيلة على الدين إلى حين حلت السلطة الخليفية المجلس الوطني عام 1975م، وذلك بسبب معارضة أعضاء المجلس لقانون أمن الدولة السيء الصيت.

أسس في العام 1972م «جمعية التوعية الإسلامية» التي كان لها دور بارز ومشهود في مواجهة المد القومي واليساري في تلك الحقبة الزمنية، وتعزيز قواعد الالتزام وبث الوعي الديني لدى شريحة كبيرة من أبناء المجتمع، وقد انتخب لرئاستها في ثلاث دورات (1972-1983م)، وكان سماحة العلامة الشيخ عبد الأمير الجمري رضوان الله عليه نائبه في إحداها.

وفي العام 1984م أغلقت السلطة الخليفية جمعية التوعية الاسلامية، وتعرض عدد من نشطاء الحراك السياسي والفكري والاجتماعي والتبليغي إلى الاعتقال والتعذيب والأحكام القاسية، وبعد إغلاق جمعية التوعية اشتغل سماحته بتدريس السطوح العليا والتصدي للتبليغ من خلال إمامته للصلاة المركزية في جوامع البحرين كالمنامة والدراز ومدينة عيسى ومشاركاته في شتى المناسبات الدينية والسياسية.

وقرر الهجرة إلى مدينة قم المقدسة في العام 1992م لتحصيل المزيد من المراتب العلمية، ومن أجل أن يكون في موقع متقدم في المرحلة القادم، فحضر أبحاث الآيات العظام فيها كالسيد كاظم الحائري والشيخ محمد فاضل اللنكراني والسيد محمود الهاشمي الشاهرودي رحمهما الله، حتى نال مناه وحقق مراده بشهادة وتصريح أهل الخبرة.

وفي العام 1994م كان من الداعمين لانتفاضة الكرامة المطالبة بإرجاع الحقوق الدستورية وتفعيل الحياة البرلمانية، وكان لبياناته وخطاباته الصدى المسموع.

عاد سماحته إلى أرض الوطن في العام 2001م بعد غياب استمر تسع سنوات تقريباً وكان ذلك في الثالث عشر من ذي الحجة 1421هـ الموافق 8 مارس 2001م، وقد استقبلته الجموع المؤمنة استقبالاً حافلاً، يتقدمهم فضيلة الأستاذ المجاهد عبد الوهاب حسين حفظه الله، فقد اصطفت له الجماهير سماطين على طول الشارع الممتد من مطار البحرين الدولي بمدينة المحرق وحتى قرية الدراز في الركن الشمالي الغربي من جزيرة المنامة بمسافة تقدر 20 كيلو متر تقريباً، حيث سار موكبه في وسط الزحام، في مشهد لم تعهده البحرين لأحد من رموز السلطة الخليفية.

وبدء سماحته منذ عودته بالصلاة جماعة وجمعة في جامع الإمام الصادق عليه السلام بقرية الدراز، وافتتح مكتب البيان للمراجعات الدينية، وإلقاء المحاضرات الدينية والثقافية المختلفة في شتى مناطق البلاد وفي مختلف المناسبات.

كما أسس بمعية علماء الدين الأعلام «المجلس الإسلامي العلمائي» في العام 2005م، والذي يهتم برعاية الواقع الديني والجانب التربوي والاجتماعي والتبليغي والسياسي، وفي العام 2005م دعا لأكبر مسيرة في تاريخ البحرين في حينها وأسقط بها آنذاك توجّه السلطة لتقنين قانون وضعي غير ديني للأحوال الشخصية.

وقد كان للنظام أكثر من مرة تعدٍّ سافر عبر أبواقه كوزير العدل وبعض النواب على شخص سماحة الشيخ إلا أن الرد الجماهيري في كل مرة كان معبراً، حيث كان يخرج الناس بالألوف في مسيرات تضامنية، حيث يرفعون صور سماحته، ويتقدمهم كبار العلماء والشخصيات، كمسيرة «لبيك يا فقيه» في 2009م و«جمعة الفقيه» ومسيرة «لبيك يا وطني» في 18 مايو 2012م.

وفي العام 2011م وقف مع حق الناس في المطالبة بحقوقها والسير نحو أهدافها، وكان لخطابه المشهور قبل أيام من انطلاق الثورة «الطوفان بدأ لا ليهدأ ولا يقف عند حدود بلد» دور كبير في تعزيز الدعوة الجماهيرية والتحشيد نحو انطلاق ثورة 14 فبراير، وبعد القمع والقتل ودخول قوات الاحتلال السعودي كانت له مواقف مشهودة، حيث صرخ في خطبته الشهيرة: «لن نركع إلا لله، هذه دماؤنا هذه رقابنا فداء ديننا وعزتنا»، وكذلك كان الخطاب الشهير حين قال: «من وجدتموه يعتدي على عرض فتاة مؤمنة فاسحقوه، نعم اسحقوه».

كما دعا لأكبر مسيرة في تاريخ البحرين في التاسع من مارس 2012م، وهي المسيرة والتظاهرة الشهيرة التي دعت لها ودعمتها جميع القوى الدينية والثورية والسياسية والمجتمعية والمهنية، وقد سميت «مسيرة الشعب»، ورفع فيها الشعب شعاراته ومطالبه وهدفه بإسقاط النظام الخليفي، وتقدمت المسيرة القوى والتجمعات العلمائية والسياسية والمهنية من مختلف المشارب، وكانت ردّاً على تصريح لحاكم البحرين عندما وصف الشعب الثائر بـ«الشرذمة»، فخرجت فيها مئات الألوف، وفاقت كل التصورات والخيالات فكانت الوحيدة الفريدة التي لم يحصل مثلها في تاريخ البحرين على الإطلاق وشارك فيها كل أطياف المجتمع وشرائحه.

وبناء على هذا الواقع وما جرت عليه سيرة المرجعيات والمؤسسات الدينية والسياسية الشيعية من لزوم حفظ الوحدة الشعبية والجماهيرية في البحرين حول المشتركات فقد نظر الولي الفقيه آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي حفظه الله ورموز العالم الإسلامي والشيعي وكل من حاضنتي قم والنجف المقدستين إلى آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله باعتباره العنوان الجامع لشعب البحرين، والقلعة التي يجب حفظها وصيانتها كامتداد طبيعي للمؤسسة المرجعية العالمية للشيعة والمسلمين في العالم، وبرز ذلك في تصريحات مهمة لهم حول التطورات في البحرين في أحداث متعددة.

ففي لقاء جمع ممثلين من قادة تيار الوفاء الإسلامي وقوى المعارضة مع الولي الفقيه آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي حفظه الله في 10 فبراير من العام 2014م، قال السيد الخامنئي حفظه الله: «الشيخ عيسى قاسم حقاً قائد وزعيم وشباب البحرين شباب نشطون ونحن ندعوا لهم بالتوفيق».

أما آية الله العظمى السيد علي السيستاني حفظه الله فقال في مكالمة مع الشيخ عيسى أن له «مكانة خاصة في قلبه وإن إساءة النظام له لا تضر بمقامه»، وقد صرّح المرحوم آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي: «أن العلامة الشيخ عيسى من علمائنا الأعلام ممن تناط به الآمال ويستهدي بعلمه وهديه وجهاده المؤمنون من إخواننا من أهالي البحرين» وذكر في حقه سماحة السيد حسن نصر الله: «أن الشيخ عيسى قيادة حكيمة وعاقلة وشجاعة في نفس الوقت فاسمعوا لها وانسجموا معها».

وفي موقف ملفت لقائد فيلق القدس في حرس الثورة الإسلامية اللواء قاسم سليماني: «على الرغم من الضغوط الكبيرة والمعاملة العنصرية لآل خليفة ومنها اعتقال بعض القادة السياسيين والدينيين، وسجن النساء والأطفال وتعذيبهم الوحشي، وسلب جنسيات المواطنين، وانتهاك حقوقهم في المواطنة وعشرات الجرائم الأخرى، إلا أن هذا الشعب النبيل والصابر كان يسعى لنيل حقوقه العادلة والمحقة بشكل سلمي دون أن يمنح آل خليفة أي مبرر، ولم يدفعه تشديد ضغوط النظام عليه إلى تغيير طرقه السلمية … إن غطرسة آل خليفة وصلت إلى حد أنهم زادوا من جرائمهم يوماً بعد يوم وشددوا الضغط على الشعب البحريني، مستغلين نبل هذا الشعب وحركته السلمية، ومستفيدين من صمت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والبلدان الغربية … كي يهددوا اليوم حرمة العالم البارز والقائد الديني لشيعة البحرين، آية الله الشيخ عيسى قاسم ويوجدوا انطباعات مقلقة في أذهان الشعب في المنطقة والبحرين … يبدو أن آل خليفة يستغلون حركة الشعب السلمية وليس لديهم تقديرات صحيحة عن غضبه، لا شك أنهم يعرفون جيداً أن التعرض لحرمة آية الله الشيخ عيسى قاسم هو خط أحمر لدى الشعب، يشعل تجاوزه النار في البحرين والمنطقة بأسرها ولن تبقي مثل هذه الممارسات خياراً للشعب إلا المقاومة والتي ستدفع آل خليفة ثمنها ولا تسفر إلى عن زوال هذا النظام المستبد … فليعلم حماة آل خليفة أن الأساءة إلى آية الله الشيخ عيسى قاسم واستمرار الضغوط الخارجة عن تحمل الشعب في البحرين، ستكون بداية لانتفاضة دامية تقع مسؤوليتها على من يشرعون غطرسة حكام البحرين».

وقد صرّح القائد الشعبي الكبير فضيلة الأستاذ المجاهد عبد الوهاب حسين فرج الله عنه: «أن سماحته – أي آية الله قاسم – يمثل رقماً لا يمكن تجاوزه ولا يرى الأستاذ لأي طرف يعمل للمصلحة الوطنية في أن يتجاوز سماحته». وفي بيان له بتاريخ 17 يونيو 2008م قال: «سماحة العلامة الشيخ عيسى أحمد قاسم (أعلى الله تعالى مقامه) رمز إسلامي ووطني وحامل للقيم الإنسانية والإسلامية والوطنية العليا، والإساءة إليه هي إساءة لكل الوطن والإسلام والقيم الإنسانية ولكل الشرفاء في العالم ومن يفعل ذلك: لا نصيب له ـ بحكم المنطق ـ من الوطنية ولا من الإسلام ولا من الشرف ولا من الإنسانية ولا من قيمها الرفيعة»[1].

كما قال فضيلة الأستاذ المجاهد حسن المشيمع في بيان له من داخل السجن، بتاريخ 27 يونيو 2016م: «إن آية الله الشيخ عيسى قاسم هو القلعة الكبرى لشعب البحرين، داعياً الشعب للتحصن بهذه القلعة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسمح لهذه القلعة أن تسقط»[2].

وفي بيان لآية الله الشيخ حسين النجاتي بتاريخ 17 يونيو 2008م: «هو الذي خدم الإسلام منذ أربعين سنة بعقله وقلبه وروحه ومنطقه وقلمه، وهو الذي نهض بالدفاع عن دين الله منذ ريعان شبابه، وهو الرمز الذي جاهد من أجل عزة وكرامة وطنه منذ عشرات السنين، وهو الذي تحمل الكثير من الأذى دفاعاً عن حقوق الناس والمواطنين … أنه مدافع مخلص عن إسلام محمد (ص) وليس إسلام الهوى ومكاسب الدنيا، ولو شاء لاهتدى إلى زهرة الحياة لكنه أبى إلاّ أن يكون عالماً ربانياً، ولكنه أبى إلاّ أن يكون جندياً مخلصاً للوطن وحقوق أبنائه»[3].

وقد كان هذا الفهم لازماً في أدبيات ومواقف تيار الوفاء الإسلامي في حفظ مكانة الرمز الأول لشعب البحرين وامتداد المرجعية الدينية، ففي بيان بتاريخ 22 مايو 2013م صرّح تيار الوفاء الإسلامي: «إن إقدام النظام على هتك حرمات المسلمين ومقدساتهم قد تجاوز جميع الخطوط الحمر مستعيناً بدعم القوى الأجنبية على كل المستويات، وقد ظن النظام أن دعم الأمريكيين والبريطانيين وآل سعود له سيستمر إلى النهاية فأقدم على استفزاز الشعب باقتحامه بيت رمز الشعب سماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله، إن المساس بمقام سماحة الشيخ قد أرجع لذاكرة الناس العذابات الأليمة التي جرت على الخيرة من علمائنا القابعين في سجون النظام، وإن المساس بسماحته بأي نحو يعد استفزازاً صارخاً لمحبيه وأنصاره في داخل البحرين فضلاً عن خارجها، لابد أن يدرك النظام أن الذود عن سماحة الشيخ هو ذود عن كرامة العمامة والإسلام الذي يمثله سماحته، وإن القوى المخلصة للإسلام والثورة لن تتوانى عن حمايته، وإننا ندعو جميع أبناء الشعب وقواه الثورية والسياسية للمشاركة في الاعتصام التاريخي بالدراز الأبية هذه الجمعة لكي نوصل صرخة الغضب لمقام العلماء والرموز الأعلام».

وقد أكّد القائد الشعبي الكبير فضيلة الأستاذ المجاهد عبد الوهاب حسين فرج الله عنه على لزوم أن تكون القيادة للشأن العام حقاً للمرجعية الدينية ومن يوكل لها أمر القيادة بشكل خاص، وفق صيغة وآلية سليمة، يتم فيها تطبيق مبادئ الشورى وغيرها، واحتضان القوى الولائيّة المتفقة في الأصول والأسس والمبادئ، والتي تحظى بالشرعية من قبل المرجعية الدينية العليا[4].

ففي لقاء حواري مع فضيلة الأستاذ المجاهد عبد الوهاب حسين حفظه الله بتاريخ 9 يوليو 2007م[5]، نشر في موقع ملتقى البحرين، ورد فيه تصريحاته وإجاباته التالية:

•    الغطاء الشرعي مسألة دينية واقعية تتعلق بالولاية الشرعية، ومن مصاديقها التي طرحها الفقهاء (رضوان الله تعالى عليهم) خضوع الحركات الإسلامية لقيادة الفقيه، ومن فوائدها تعزيز قيادة الفقيه في الأمة، وصيانة الحركة الإسلامية من الانحراف، وأول ما تعرفت على هذه الفكرة كان في فكر الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر في النصف الأول من السبعينات، وقد توسع الفقهاء في هذه المسألة بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وتعمقت رؤيتهم فيها وتعددت وجهات نظرهم.

وفي حوار آخر لفضيلته نقله موقع فجر البحرين بتاريخ 11 أبريل 2009م[6]، صرّح فيه:

•    القبول بتعدد القيادات ليس في داخل الدائرة التي تؤمن بولاية الفقية بالنسبة إلى الفقيه صاحب الولاية، وإنما بحسب الواقع الخارجي حيث توجد قيادات عديدة على أرض الواقع لها مرجعيات فقهية مختلفة، فيجب القبول بهذا الواقع الذي تتعدد فيه القيادات استناداً لاختلاف المرجعيات الدينية واختلاف القناعات بالمناهج والكفاءة والأداء، والتعاون على أساس المشتركات بين الجميع .

•    وقد طرحت تنظيم الحالة القيادية … ولا زلت ومن معي في التحرك الجديد ملتزمين بالنزول على رأي الحاكم الشرعي، بغض النظر عن التفاصيل.

•    أرى بأن الحل المناسب، هو: تشكيل هيئة قيادية للتيار تضم رؤوس التيار الرئيسة: (العلمائية والسياسية) ويفوض إليها من المرجعية العليا كهيئة اتخاذ القرارات وفق آليات محددة، على ضوء تعليمات واضحة من المرجعية العليا، تحدد المهام وتمثل الخطوط العريضة التي يجب الالتزام بها في العمل [7].


[1]. بيان بشأن الإساءة والاعتداء الظالم على مقام العالم الرباني الشيخ عيسى أحمد قاسم، تم اقتباسه بتاريخ 28 سبتمبر 2020م، من الموقع الرسمي للأستاذ عبد الوهاب حسين، على الرابط التالي:

https://albasirah.net/alostad/statements/323/

[2]. من بيان الأستاذ حسن مشيمع من داخل السجن، تم اقتباسه بتاريخ 28 سبتمبر 2020م، من الحساب الرسمي لحركة الحريات والديمقراطية «حق» على تويتر: [email protected]

[3]. من بيان الشيخ حسين النجاتي»، تم اقتباسه بتاريخ 28 سبتمبر 2020م، من موقع المقاوم للثقافة والإعلام، من على الرابط التالي:

[4]. راجع ملحق (6): العلاقة مع المرجعية الدينية

[5]. حوار موقع جد حفص و ملتقى البحرين مع الأستاذ عبد الوهاب حسين، تم اقتباسه بتاريخ 28 سبتمبر 2020م من على الموقع الرسمي للأستاذ عبد الوهاب حسين، على الرابط التالي: https://albasirah.net/alostad/press/1096/

[6]. لقاء الأستاذ مع ملتقى فجر البحرين، تم اقتباسه بتاريخ 28 سبتمبر 2020م، من الموقع الرسمي للأستاذ عبد الوهاب حسين، على الرابط التالي:

https://albasirah.net/alostad/614/

[7]. توضيح: يقول الأستاذ عبد الوهاب حسين حفظه الله بعدم صحة تعدد منصب القيادة الدينية والسياسية العليا للخط الواحد، حيث يجب أن يكون لهذا الخط قائد ديني وسياسي أعلى واحد، وهو المرجعية العليا المتمثلة بالولي الفقيه آية الله العظمى السيّد علي الحسيني الخامنئي حفظه الله، ومن يوكل له أمر القيادة والتصدي، ويكون كلامه نافذاً وملزماً لمن يعتقد بولايته الشرعية. أما بخصوص من يؤمن بمرجعية دينية وسياسية أخرى فينبغي التعامل مع هذا الواقع والقبول به، والتعاون على البر والتقوى والمشتركات.

المصدر
كتاب تيار الوفاء الإسلامي .. المنهج الرؤية الطموح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟