مواضيع

السلمية بالمفهومين القرآني والمطلق

يوجد مفهومان متحركان في الساحة البحرينية للسلمية الآن: المفهوم المطلق للسلمية وهو متبنى من قبل جهتين، الجهة الأولى هي الجمعيات الرسمية والتي انتهجت في السابق المنحى غير التصادمي مع السلطة وأقامت فعالياتها السياسية والاحتجاجية المرخصة، وفي الأماكن والأوقات المحددة من قبل السلطات الأمنية في البلد، وبطبيعة منهج العمل السياسي المرخص فإنه لم يجابه في السابق من قبل الدولة، وعلى هذا الأساس رفضت الجمعيات السياسية جميع أشكال المواجهة والمقاومة مع السلطة.

ولم تصرح عملياً بتأييدها للأساليب الدفاعية تحت أي عنوان ديني أو سياسي، وكان المنطق السائد آنذاك هو عدم الحاجة للفعاليات غير المرخصة، وعدم جدوى مواجهة السلطات والرد عليها، أما الجهة الأخرى فهي بعض الحقوقيين والناشطين السياسيين من المؤمنين بمدارس العمل السلمي المطلق والذي يدعو للأساليب الجماهيرية السلمية مع السلطة، واستثناء أساليب الدفاع والردع، حتى كرد فعل على قمع السلطات وجرائمه، إذاً فالأطراف السابقة تتبنى السلمية بالمفهوم المطلق كاستراتيجية ثابتة وصالحة لكل ظرف ووقت في الثورة، وتؤمن هذه الأطراف أن السلمية المطلقة كمبدأٍ استراتيجي ستؤدي إلى:

أولاً: إكثار الأصدقاء والمتعاطفين في المجتمع السياسي والحقوقي والاعلامي الدولي.

ثانياً: إبعاد تهمة العنف عن الحركة وحماية الناشطين ميدانياً من الملاحقات الأمنية والقضائية التي يقوم بها النظام.

ثالثاً: تقليل الخسائر في صفوف المحتجين والمطالبين بالتغيير.

رابعاً: تحقيق إجماع شعبي ورغبة للانخراط في العمل السياسي والاحتجاجي المعارض من خلال الأساليب الاحتجاجية السلمية.

وهناك أطراف دينية وسياسية وثورية أخرى تؤمن بالسلمية من منظور قرآني يراعي الواقع الميداني والسياسي والإعلامي، ويكون تطبيق السلمية على وفقه تطبيقاً تكتيكياً وخاضعاً للمتغيرات، واستناداً على ذلك فهم يؤمنون بالتالي:

إن السلمية المطلقة مطلوبة دينياً عند التزام السلطات بالسلمية في مواجهة الاحتجاجات، وعند توقف السلطة عن استهداف المقدسات كالمساجد، وأعراض المسلمين، وأنفسهم، وممتلكاتهم.

إن الالتزام بالسلمية المطلقة لم يؤدِّ لإكثار الأصدقاء والمتعاطفين، ولم يقلّل الخسائر في صفوف المحتجين، كما أن دورها كان نسبياً في تحقيق الإجماع الشعبي والرغبة لدى المترددين أو الذين يعيشون الهواجس الطائفية في الانخراط في العمل السياسي والاحتجاجي المعارض.

إن استخدام أيّ من أساليب المقاومة المشروعة والمفتوحة في التعامل مع السلطة لابد أن يحقق أحد الأهداف التالية ليكون راجحاً دينياً وتقنياً:

تحييد القوات الأمنية من ارتكاب الجرائم بحق المقدسات والأنفس والمال.

تنفيذ القصاص ضد الفئات المذكورة في الفتاوى الدينية من دون أن يترتب على ذلك التنفيذ مضار تغلب في تداعياتها المنفعة من تنفيذ القصاص.

أن يؤدي الأسلوب المقاوم للضغط الأمني أو الاقتصادي الذي يسهم في إرهاق النظام ويقرب الشعب من تحقيق أهدافه.

رفع الكلفة لدى النظام من الاستمرار في القمع والحل الأمني.

أن يكون استخدام الأسلوب المقاوم محكوماً بالشروط التقنية واللوجستية والميدانية والشرعية، ومن هذه الشروط:

أن لا يؤدي إلى قتل نفس بريئة أو إتلاف ممتلكات الناس الخاصة.

أن يكون قابلاً للاستمرار، خاصة فيما لو كان الدعم اللوجستي شرط من شروط حفظ هذا الأسلوب في الساحة وتعزيزه لسنوات طوال.

أن لا يؤدي إلى اختلال في موازين القوى لصالح السلطة بحيث تأخذ السلطة من مصادر القوة التي يملكها الشعب أكثر مما يحققه من أهداف.

أن لا يؤدي إلى عسكرة شاملة للثورة، وأن لا يكون بديلاً عن الفعاليات الجماهيرية السلمية العامة، مما يفقد الثورة طابعها الجماهيري.

سلامة المنظومة الشرعية والأمنية للمجموعات القائمة على العمل المقاوم.

الارتباط بالقيادة الشرعية والعمل وفق التكليف المبرئ للذمّة.

يقول الأستاذ عبدالوهاب حسين: «أن الذي يحدد منحى السلم أو القوة هو القيادة، بالاستناد إلى تشخيص أهل الخبرة، ويفترض في القيادة الإسلامية: التفقه في الدين، ويجب أن تكون مغطاة (شرعياً) من الفقيه الجامع للشرائط.أما الجماهير: فإن لها الحق في إبداء رأيها في تشخيص الحالة، وليس لها الحق في فرض أحد الخيارين؛ لأنه من أمر الله (ج) وليس من أمر الناس»[1].


  • [1]. نفس المصدر السابق، صفحة 44

المصدر
كتاب تيار الوفاء الإسلامي .. المنهج الرؤية الطموح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟