مواضيع

دور الوفاء في التنسيق مع قوى المعارضة

نشأ تيار الوفاء الإسلامي في فبراير 2009م، وفي أول بيان له «بيان الانطلاق»[1] دعا القوى السياسية والثورية الأخرى إلى بلورة مشروع سياسي وطني جامع على قاعدة التكامل في الأدوار. ولم تكن الدعوة للالتقاء والتكامل في بيان الانطلاق هي أولى جهود مؤسسي التيار للملمة الصف الوطني المعارض، فقد سبق ذلك جهود عمل عليها المتحدث باسم تيار الوفاء الإسلامي الأستاذ عبدالوهاب حسين لبلورة ميثاق تفاهم بين حركة الحريات والديمقراطية «حق» وجمعية الوفاق الوطني الإسلامي بعد تشكيل وانطلاق حركة حق في عام 2005م.

وبعد انطلاقة تيار الوفاء الإسلامي في عام 2009م وقّع على ميثاقين للتحالف والتفاهم السياسي، الأول مع حركة الحريات والديمقراطية «حق»، والثاني مع بعض المؤسسات واللجان المنشغلة في العمل الحقوقي والمعارض. وفي عام 2010م طرح تيار الوفاء الإسلامي رؤيته للتكامل بين القوى المعارضة على الجماهير، ودعا قوى المعارضة الأخرى لتبنّيها سياسياً وعملياً.[2]

عندما انطلقت الصحوة الإسلامية في المنطقة أواخر 2010م وبدايات 2011م، كان الشعب البحراني يخوض صراعاً متصاعداً مع السلطة، وكانت البيئة الأمنية تزداد قمعاً ضد المعارضة الثورية وامتداداتها الشعبية، وعندما انطلقت ثورة 14 فبراير كانت مجموعة من قيادات ورموز المعارضة كالدكتور السنكيس والشيخين المخوضر والنوري والعديد من الشباب يرزحون في سجون النظام الخليفي، وكانت حالة الاستقطاب واضحة بين القوى السياسية المعارضة العاملة في البحرين، وقد أفرز الواقع الجديد خلال أحداث الشهور الأولى لثورة 14 فبراير من الحضور الشعبي وتأثير القوى الثورية وامتداداتها الشبابية حقيقة هامة، وهي أن الساحة المعارِضة في البحرين تتكون من قطبين مؤثرين، وهما القوى الثورية التي أطلقت الثورة، والجمعيات السياسية المعترف بها رسمياً، وفي ذلك الوقت اتجهت الجمعيات السياسية للقاء مع القوى الثورية، والجلوس معها في لقاءات ثنائية، وقد صدرت بيانات ومواقف سياسية مشتركة بين القوى الثورية والسياسية في أيام الاعتصام في ميدان الشهداء، بل ودشّن الطرفان بعض المسيرات المشتركة.

وكانت دعوة الالتقاء والتنسيق والتكامل دائماً حاضرة في خطاب ومواقف تيار الوفاء الإسلامي ورموزه وقادته[3].

وفي كلمة له في يوم الخميس الموافق 10 مارس 2011م، بميدان اللؤلؤة، قال الأستاذ عبد الوهاب حسين تعليقا على هذه المرحلة:

«بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين. السلام عليكم أيها الأحبة أيها الأخوة والأخوات ورحمة الله تعالى وبركاته

الشكر بعد الله لكم لما تتحلون به من الطهارة والصدق والوفاء، وإنه ببركة دماء الشهداء الأبرار وتضحياتكم الصادقة، خلقتم الأرضية لوحدة الرموز والقيادات والقوى السياسية، فهم اليوم يلتقون وينسقون العمل ويتعاونون فيما بينهم، والمشتركات بينها كثيرة جداً، ولا يوجد حديث عن الاختلاف إلا في نقطة واحدة وهي سقف المطالب.

فالتحالف من أجل الجمهورية يتبنى خيار إسقاط النظام وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي، وتحالف الجمعيات السياسية يتبنى خيار الملكية الدستورية، وإذا تأملنا جيداً نجد بأن خيار إسقاط النظام لا يؤثر سلباً على خيار الملكية الدستورية، وإنما يخدمه تكتيكياً، فإذا كان التحالف من أجل الجمهورية يتبنى خيار إسقاط النظام، وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي كخيار استراتيجي، فإن وجود هذا الخيار يفيد تكتيكياً خيار الملكية الدستورية، وهذا ما فهمه رموز النظام بشكل دقيق.

فقد ذكر ولي العهد قبل الإعلان عن التحالف من أجل الجمهورية في حديثه عن الحوار بأن المعتصمين في دوار اللؤلؤة مختلفون، ولكن بعد يوم واحد وإذ أعلن التحالف من أجل الجمهورية عن تبنيه لخيار إسقاط النظام، وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي قال وزير الخارجية في تعليقة على إعلان التحالف من أجل الجمهورية أن المعارضة غير مختلفة وأنها متفقة على تشكيل ضغط أكبر على النظام، فقد فهم وزير الخارجية – وهو من رموز النظام – أن الثنائية في سقف المطالب لدى المعارضة حيث التمسك بالخيارين: خيار إسقاط النظام، وخيار الملكية الدستورية، هو في مصلحة الثورة وليس في مصلحة النظام»[4].

إلا أن هذا التلاقي ثبت فيما بعد أنه نسبي ومؤقت وتكتيكي من زاوية الجمعيات السياسية الرسمية، ولم يكن نتيجة إرادة وقناعة عميقتين، فبعد اعتقال قادة الحركات الثورية والكثير من كوادرها توقف أي نوع من التواصل واللقاء والتنسيق السياسي بين القوى الرئيسة في الجناحين السياسي والثوري للمعارضة.

بناء على أساس أن التغيير المنشود، وفق أي من سقوف المعارضة، يتطلب تلاحم قوى المعارضة وإبراز جبهة عريضة للعالم، وبوتقة تنصهر فيها جهود المخلصين من أبناء الوطن، فبعد انطلاق الثورة واعتقال قادة القوى الثورية أرسلت القيادات في تيار الوفاء الإسلامي الذين لم ينالهم السجن دعوة مكتوبة وخاصة لبعض القوى السياسية في البلد للحوار الداخلي والتنسيق في الملفات المشتركة، كما بادرت حركة أحرار البحرين الإسلامية في نوفمبر 2015م للتسويق لمشروع تنسيقي ووحدوي عابر للأطياف السياسية والثورية، وبناء على المشروع الذي قدمته حركة أحرار البحرين الإسلامية قام تيار الوفاء الإسلامي بصياغة رؤية مطورّة للمشروع السياسي الوطني الجامع، والذي تم التوافق عليه بين تيار الوفاء الإسلامي وحركة أحرار البحرين الإسلامية، وقام تيار الوفاء الإسلامي في أوائل العام 2016م بإرسال دعوة داخلية لقوى المعارضة الأخرى لتدارس المشروع، لكن الدعوة لم يكتب لها النجاح لأسبابٍ متعددة.

يرى تيار الوفاء الإسلامي أن هناك تحديات وعوامل كثيرة أدّت للانقسام الداخلي وعقبات جذرية منعت الانسجام والتلاقي في مشروع واحد بين القوى الرئيسة في جناحي المعارضة السياسي والثوري.

التحدي الأول: الاختلاف حول بعض الأولويات والأساليب والأهداف المرحلية

تبلور خطان سياسيان رئيسيان خلال السنوات التي تلت تأسيس الجمعيات السياسية المعترف بها رسمياً، فقد اختار أحدهما العمل وفق قانون الجمعيات السياسية وضمن قوانين ولوائح العملية السياسية، بينما ارتسم خط آخر لم يسجِّل في قانون الجمعيات، وعمل من خارج العملية السياسية وقيودها، وعُرِفَ بخط الممانعة.

خط الجمعيات الرسمية

تعايش الخط الأول بشكل عملي مع دستور 2002م، وأرغم أو وافق على القبول بكل مستلزمات العمل السياسي الرسمي في إطار المشروع الذي سماه النظام «المشروع الإصلاحي»، فدخل في دورتين انتخابيتين «2006م و2010م» تميزتا بتصاعد خطط النظام التهميشية وتغييب الإرادة الشعبية. كان فريق الجمعيات السياسية يراهن على التغيير ببطء من داخل العملية السياسية، وكان يعتقد بعدم إمكانية المواجهة السياسية الشعبية مع النظام، وأن الأولوية السياسية هي بناء مؤسسات سياسية وكوادر لها نفوذ داخلي، وعلاقات سياسية محلية ودولية واسعة، والسعي لإقناع المجتمع الدولي بفرض التغيير الداخلي في البحرين.

ولقد عمل النظام على تضييع جهود هذا الخط داخل قبة البرلمان، ومن دون مردود حقيقي لصالح الشعب، بل استغل النظام وجود هذا الفريق في العملية السياسية الجديدة، وبالتحديد داخل البرلمان «الفاقد للصلاحيات» لإظهار أن الديمقراطية متوفرة وأن النظام يتمتع بالشعبية، في الفترة التي شهدت انكشاف المخطط التدميري «تقرير البندر» وقمع النظام المستمر ومصادرته للحريات العامة، واستمرار عملياته الإرهابية ضد المواطنين والحقوقيين ورموز الشعب الممانعين بشكل خاص.

وقد تميّز عمل الجمعيات الرسمية بالمركزية النخبوية، وقد اعتمدت الجمعيات الرسمية في تسويق برامجها على أنها تحضى بدعم علماء الدين، حيث أثر تصور دعم علماء الدين في داخل البلد وخارجه حصرياً لهذا الفريق كثيراً في نوع تعاطي الجمعيات الرسمية مع التكتلات أو القيادات الأخرى، وانعكس ذلك على نمط التعامل والشحن الجماهيري لمحاصرة وإبعاد باقي القيادات والقوى الأخرى وتضعيف تأثيرها الجماهيري.

كما أخذ التوجه النخبوي يسيطر على العمل السياسي والاحتجاجي في هذه الفترة، حتى تراجع دور الجماهير وإبداعاتها، وتقدم النمط البرجماتي السياسي على مبدأ الوضوح مع الجماهير، وكان من نتائج ذلك ترطيب العلاقات والتواصل إلى حدود كبيرة مع بعض الأطراف الرئيسة داخل مؤسسة الحكم وحليفاتها في المنطقة، وخصوصاً الإدارة الأمريكية، أملاً في تحقيق منجزات شعبية يمنحها النظام تقديراً منه لدورها، أو تحصيل المكاسب السياسية والشعبية من خلال ضغط الدول والسفارات الغربية[5].

وبقي خط الجمعيات الرسمية طوال الفترة «2006م إلى 2011م» يعمل في الأطر التي رسمها النظام ووفق قواعد اللعبة الرسمية، بينما عمل خط الممانعة وفق رؤى ومنهجيات مغايرة تماماً.

خط القوى الثورية

في الجبهة الأخرى من المعارضة كان هناك حركتا حق وأحرار البحرين الإسلامية وتيار الوفاء الإسلامي، والحلفاء من المؤسسات واللجان الحقوقية والشعبية، كاللجنة الوطنية للشهداء وضحايا التعذيب، ولجنة مكافحة التجنيس السياسي، وغيرها، والذين عملوا وفق رؤى ومنهجيّات مختلفة.

هذه القوى كانت تؤمن بأنه لا يوجد أفق حقيقي لتحقيق أي مطلب سياسي أو معاشي جوهري للشعب من خلال اقتصار العمل ضمن الآليات الرسمية التي وضعها النظام، وكانت تشخص بأن النظام يعمل على عامل الوقت لإضعاف المعارضة، وتمييع المطالب الشعبية، وتنفيذ مخططات خطيرة كالتجنيس والتوطين السياسي، وإقصاء الشعب عن مواطن النفوذ، فوضع تيار الوفاء الإسلامي وبقية القوى الحليفة معه في مقدمة أولويات أهدافهم السياسية إسقاط مشروع حمد المسمّى زوراً بالمشروع الإصلاحي، والسعي لتحقيق المطالب السياسية الجوهرية، بدل الانشغال بالمطالب الآنية والمعاشية، والتي كان النظام يحاول إغراق المعارضة بتفاصيلها داخل أروقة المجلس النيابي الصوري.

اعتمدت هذه القوى في عملها على أساليب منها العمل السياسي غير المرخص، والقيام بفعاليات ميدانية احتجاجية غير مرخصة، وكسر حاجز الخوف من بطش النظام، والذهاب للمحافل الدولية، واعتماد خطاب سياسي جريء لا يعترف بالخطوط الحمراء التي وضعها النظام.

وطرح هذا القسم من المعارضة فكرة استفتاء الشعب وتعزيز سيادته على مقدرات بلاده، ولذلك أصر هذا الفريق على العمل الميداني الشعبي، والمطالبة بكتابة دستور يخطه الشعب بيده، كما طالب بمحاسبة المسؤولين عن المخطط التدميري الذي كشفه تقرير البندر، وتقديم المجرمين إلى القضاء المستقل، ومحاكمتهم على جرائمهم بحق الشعب، وتوج هذا الخط خطابه السياسي بفكرة إسقاط ومحاكمة النظام ورموزه.

وخاض هذا الخط عمله الجماهيري الميداني من خلال اعتماده على الجماهير وشعبية رموزه وإدارة لجان وملفات متفرقة، ولكنها تصب في نفس الأهداف المرسومة داخلياً. أما خطاب هذا الفريق السياسي فكان طرحاً واقعياً وموضوعياً بعيد المدى، قد حاز على دعم علماء أجلاء من كبار علماء البحرين لم يشتركوا مباشرة في العمل السياسي واكتفوا بالتنويه على شرعية وصحة وجود وعمل هذا الفريق.

التحدي الثاني: غياب آليات صحيحة للقرار  الداخلي وإدارة الخلافات

كانت أفكار الجناحين الثوري والسياسي في المعارضة تتمايز شيئاً فشيئاً في مرحلة ما بعد 2001م، أي مرحلة الصراع مع النظام الحاكم، وكان ينبغي لهذا التمايز في الفكر والعمل أن يتم استيعابه في وعاء وهيكل تنظيمي ينظّم التوجهات وينتج قرارات ضمن آلية واضحة ومنصفة ومتفق عليها، إلا أن التنظيم الواحد بداية الألفيّة لم يتوفر على الآليّات الصحيحة لإدارة الخلافات والتوجهات الداخلية وتنضيج القرارات وإصدارها، وقد أدى ذلك في النهاية إلى حدوث تكتلات في التنظيم الواحد، والتي سرعان ماتحوّلت إلى انشقاقات سياسية في التنظيم.

التحدي الثالث: الحاجة للمرجعية الدينية والسياسية ونفوذها

 كان يمكن لبعض المرجعيات العلمائية والسياسية من خارج التنظيم من أن يكون لها فعل مؤثر على إمكانية التقاء المختلفين داخل الخط أو التنظيم الواحد والوصول به إلى وحدة الموقف والقرار، إلا أنّها لم تستطع أن تلعب هذا الدور، فأخذ التباين في التعاظم بحيث إن اختلاف القيادات أو الرؤى في داخل التنظيم لم يعد من الممكن احتواؤها ضمن الآليات الداخلية.

من جهة أخرى فإن القوى السياسية والثورية البحرانية لها علاقاتها الإقليمية مع أحزاب وشخصيات وقوى مؤثرة في خارج البحرين، والتي لم تستطع أن تقوم بدور المشجّع أو الوسيط أو الضاغط على القوى البحرانية المعارِضة من أجل الانسجام والتوافق أو التنسيق.[6]

التحدّي الرابع: فاعليّة مخطط النظام التشطيري

عمل النظام على إضعاف الخطين «الرسمي والثوري» في المعارضة، كلٌّ في دائرة منهجيات عمله، وضمن خطط مدروسة، بل منصوص عليها في «تقرير البندر».

كما أوجد النظام حالة من التشرذم في صفوف التيار السياسي الذي دخل معه في العملية السياسية، وأخذت تعبّر حالة التفكك عن نفسها في شكل تقارب وتباعد فصائل هذا التيار من بعضها البعض خلال مراحل العمل الوطني وفي المفاصل المهمة من الاستحقاقات – كالانتخابات مثلاً -، فأحياناً يلتقي عدد من الجمعيات على بعض الأهداف والمواقف، وسرعان ما ينقص عدد الجمعيات المتوافقة، فيبتعد أحدها هنا أو هناك، ثم يلتئم بعضها في إصدار بيان مشترك، وينزوي بعضها إلى زاوية أخرى. بمعنى آخر لم تكن صِيَغ التفاهم بين الجمعيات قادرة على رسم برنامج وطني يحقق أهدافها المشتركة على ضوء سياسات النظام التشطيرية.

من جهة أخرى فقد وصم النظام القوى الثورية بالإرهاب والعنف، مما يعني أن لقاء القوى السياسية المرخصة مع هذه القوى التي تعمل خارج العملية السياسة محرَّم لديه، وله تبعات سياسية وقضائية، وقد أوصل النظام الخليفي بشكل مباشر وغير مباشر لقيادات الجمعيات السياسية انزعاجه من أي فعل تقوم به الجمعيات يُفهَم منه التنسيق مع جهود المعارضة الثورية، بل وضغط النظام كثيراً، بمعية السفارات الأجنبية، على الجمعيات السياسية لاستصدار مواقف سياسية علنية، وعلى نقيض من مواقف وخطاب القوى الثورية، مما عقّد المشهد أمام أي لقاء أو توافق ولو نسبي في الخطاب والتلاقي السياسي والخطوات على الأرض.

التحدي الخامس: العلاقات الدولية والتزاماتها

من أجل الحفاظ على خيوط التقاء وقنوات سياسية مفتوحة، فإن القوى السياسية الرسمية في بعض المحطات لم تذهب بعيداً عن الدائرة المرسومة من قبل السلطة والسفارات الغربية، في طرح بعض قناعاتها وخطابها وفعالياتها ومواقفها وخطواتها، ما دام ذلك يمكن أن يستفز النظام أو السفارتين الأمريكية والبريطانية في البحرين، ولقد كانت القوى السياسية الرسمية تملك علاقة هادئة ومباشرة مع أطراف فاعلة داخل النظام الخليفي والسفارات الأجنبية، وكانت القوى السياسية الرسمية تعتقد بأن مفاتيح الحل في البحرين وتحقيق المطالب الشعبية يعتمد على عدم استفزاز الأمريكي والبريطاني والموافقة السعودية بشكل كبير.

ولهذا نأت القوى السياسية الرسمية بنفسها عن أي نوع من العلاقات المفتوحة مع الجمهورية الإسلامية في إيران أو روسيا أو الصين، فأصبحت لا تستفيد من القوة التي تملكها الجمهورية الإسلامية وروسيا والصين على المسرح الدولي، ونأت بنفسها عن الانفتاح على بعض أصدقاء الشعب البحراني من القوى الإقليمية خشية إغضاب أمريكا والسعودية، أو لعدم قناعتها بنفع التواصل مع هذه القوى الصديقة.

في الجهة المقابلة فإن القوى الثورية لا تحدها قيود السلطة أو القوى الغربية في نسج علاقاتها السياسية مع الجبهة الدولية المقابلة، وخصوصاً مع القوى المناهضة لأمريكا والغرب.

عكس اصطفاف قوى المعارضة على مستوى العلاقات الدولية، مع هذا الطرف أو ذلك، التزامات أدبية ومعنوية معينة على هذه القوى من ناحية الخطاب السياسي والخطوات السياسية والاحتجاجية، وحتى في تشكيل العلاقات البينية في المعارضة، بسبب أن النظام أو صانع القرار الأمريكي أو البريطاني لن يتسامح أبداً مع الجمعيات السياسية لو رأى لها بياناً أو موقفاً سياسياً أو خطوةً احتجاجيةً جامعةً مع القوى الثورية، فهذا خط أحمر بالنسبة لأمريكا وبريطانيا.

التحدي السادس: الاختلاف في الطرح الإيديولوجي

يقصد بالاختلاف الإيديولوجي هو اختلاف المنطلقات والتركيبة الفكرية والقناعات بأساليب العمل المناسبة، وانعكاسات ذلك على عمل القوى السياسية والثورية، فالخطاب السياسي لتيار الوفاء الإسلامي هو خطاب سياسي يستند على التأصيل الديني، وتكون مواقف التيّار السياسية وفعالياته الميدانية، وحتى الرؤى السياسية التي يطرحها، ونشاطه الإعلامي والثقافي مليئة بالخطاب الديني والعقائدي، بينما يتخذ النشاط والخطاب السياسي لبعض القوى الرسمية في الساحة المنحى الوطني المجرد عن الانتماء الديني الفاقع، أو المعاني الدينية والعقائدية.

من جذور هذا الاختلاف في الطرح والمواقف هو الخلفيات الفكرية للقيادات والكوادر القيادية العاملة في كل من القوى الرئيسة في جناحي المعارضة: السياسي والثوري، وقد انعكس هذا الاختلاف على السلوك السياسي والعلاقات الدولية والشعارات المرفوعة والفعاليات الدينية والميدانية وغيرها، وكان انعكاس هذا الاختلاف فاقعاً وحاداً في مرات عدة، ومثال على ذلك الموقف من المقاومة المشروعة.

فبالنسبة لفهم المقاومة والسلميّة والموقف منهما فإن لكلا الطرفين فهم وموقف مختلف، الأول: هو الفهم والموقف البرغماتي المتبنى من قبل القوى السياسية الرسمية، والثاني: هو الفهم والموقف العقائدي المتبنى من قبل مجموعة من القوى الثورية. وانطلاقاً من إيمان الجمعيات السياسية بعدم صحة الذهاب في منحى سياسي أو ميداني عنيف وتصادمي مع السلطة فقد انتهجت المنحى غير التصادمي، وأقامت فعالياتها السياسية والاحتجاجية المرخصة وفي الأماكن والأوقات المحددة من قبل السلطات الأمنية في البلد، ولم تصرح عملياً بتأييدها للأساليب الدفاعية تحت أي عنوان ديني أو سياسي، بل وقفت في محطات عدة موقف الإدانة السياسية لأي نشاط ميداني يؤدي للصدام مع السلطة، وكان لزوم إدانة أساليب الدفاع والردع راسخاً لدى الجمعيات السياسية، حتى لو كانت كردة فعل على قمع السلطات وجرائمها، فتبنّت فهما محدداً حول السلميّة، لا يستفز النظام والسفارات الغربيّة، وتبنّت العمل المرخص من قبل السلطة كاستراتيجية ثابتة وصالحة لكل ظرف ووقت في الثورة.

هذا بطبيعة الحال لم يكن يتوافق مع نظرة القوى الثورية للسلمية القرآنية والمقاومة المشروعة، حيث تعتقد القوى الثورية بأن السلمية والمقاومة هما أداتان من أدوات العمل، فقد تكون إحداهما راجحة في وقت ما، وغير راجحة في وقت آخر، كما تبنّت القوى الثورية حق الدفاع عن النفس، وحق استخدام بعض أساليب المقاومة المشروعة ضمن ضوابط واستراتيجيات محددة، لتحقيق أهداف سياسية وميدانية محدّدة.

يرى تيار الوفاء الإسلامي أن الحراك المعارض النخبوي والجماهيري يمر بمنعطف مهم، وتحديات جمّة، في ضوء الاستهداف الأمني المبرمج لكل الساحة، ولكل الأطياف العاملة، وتظهر الساحة أنها بحاجة لاستنهاض سياسي وميداني قادر على خلق توازن مع السلطة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بمعالجة أو تجاوز عوامل الفرقة والتحدّيات التي تمنع الوحدة أو التحالف أو التنسيق، وبتقارب وتفاهم وجهود مشتركة بين أطياف العمل السياسي والثوري، فقد ثبت بالتجربة عدم قدرة طرف واحد من أطراف المعارضة على استنهاض الساحة كافة وخلق توازن جديد، كما ثبت بالتجربة استحالة أن تنفرد قوة ما في جهد سياسي وميداني يؤدي لتحقيق أيّ من المطالب السياسية، دون التفاهم والالتقاء مع القوى الفاعلة الأخرى في الساحة، وتعاون وتنسيق في المشتركات.


  • [1]. راجع ملحق (1): بيان الانطلاق
  • [2]. «الوفاق»: لقاؤنا بتيار الوفاء لاعلاقة له بانتخابات 2010م، صحيفة الوسط البحرينية، تم الاقتباس بتاريخ 29 مايو 2019م، من على الرابط الإلكتروني:
  •  http:www.alwasatnews.com
  • راجع الملحق المصوّر التوثيقي، صورة (9)
  • [3]. من خطاب للقيادي في الوفاء الأستاذ عبد الهادي الخواجة في ميدان الشهداء في الأيام الأولى لانطلاق الثورة: «نحن جناحان في المعارضة، والشعب والقضية لا يمكنهم الطيران بجناح واحد، ومن أجل وحدة الصف، ومن أجل التفاهم، ومن أجل عدم شق الصفوف، لا بد من تشخيص الأمور وفهم بعضنا البعض، ويجب فهم أن هناك تيارين، تيار العمل الثوري وتيار العمل السياسي. تيار العمل الثوري طموحه عالي ولا يهادن وأساليبه عالية، وهو موجود في كل البلدان تقريباً. ولايعمل هذا التيار وفق الحسابات السياسية، لكنه تيار حكيم، ويكسر القواعد المعتادة. وهناك تيار العمل السياسي، وشعاراته ليست بعيدة، وينظر إلى ما يمكن تحقيقه ظاهراً، وهو يعمل سياسياً من خلال المجلس، ولكن عندما يتحرك الشباب ويرفعون السقف فهو يرفع سقفه أيضاً. ويعتقد تيار العمل السياسي أن لديه حجته، وهو يعتقد أنه بسبب الانقسام السياسي لايمكن إسقاط النظام، وهم يعتقدون أنهم يتخذون خطواتهم بمنطقية. أنا أقول اسمحوا لكل طرف أن يعمل بطريقته، من يؤمن بالطريقة الثورية يعمل بطريقته، ومن يؤمن بالطريقة السياسية يعمل بطريقته. تيار العمل السياسي يصرّح بأنه ليس من أطلق الثورة وهو يعرف ذلك، لكن طريقة عمله فيها ذكاء، فهو مثلاً عندما دعا لمسيرة مساندة للثورة استطاع تحشيد مايقارب 300 ألف شخص. ونحن نحتاج لهذا التحشيد. لذلك دعونا نكمّل بعضنا البعض!»
  • [4]. شاهد (كلمة الاستاذ عبدالوهاب حسين على منصة دوار الشهداء)، من على الرابط الإلكتروني:http:www.youtube.com
  • [5]. راجع برقيات ويكيليكس التالية: 07MANAMA225 – 07Manama659 – 07Manama672 – 08Manama2 – 08Manama140 – 08Manama168 – 08Manama313 – 08Manama336 – 09Manama50 – 09manama438 – 09Manama543 – 09Manama557 – 09Manama628 – 09Manama639 – 05Manama922
  • من خلال الرابط التالي: www.wikileaks.org
  • [6]. راجع ملحق (6): العلاقة مع المرجعية الدينية

المصدر
كتاب تيار الوفاء الإسلامي .. المنهج الرؤية الطموح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟