مواضيع

لقاءات مع أقارب ومعارف الشهيد

من لقاء مع علي فخراوي (ابن أخ الشهید عبد الكریم فخراوي)

وهو أحد إبني أخ الشهید والقریبین لقلب الشهید، وكان مطلوباً من قبل النظام حین استشهاد الشهید.

الوداع الأخیر

كنت أنا وأخي محمد ملاحقین من قبل النظام البحریني، وكنا مختبئین في مكان ما، ولم یكن یعلم أحد بمكاننا إلا الشهید فخراوي، ولأن في لقائنا الأخیر معه واجهنا الكثیر من الأحداث، فأحببنا أن نسرد هذه الأحداث.

زيارة في المخبأ السرّي

كنا في ذلك المكان السري وإذا بالشهید یفتح الباب شیئاً فشیئاً، ویدخل رأسه، وكان هدفه مفاجأتنا، دخل الشهید وسلم علینا، وحضننا وكعادته تواضع لنا، وكل من یعرفه یعرف عن تواضعه الكبیر.

في الواقع لما رأیناه أخذنا طاقة جدیدة منه، وكان یقول لنا في ذلك اللقاء : الحمد لله أني رأیتكم في هذه الحالة من القوة النفسیة وكنت أخشی أن أراكم متعبین من الحال التي أنتم علیها ولكن الحمد لله أنكم أقویاء.

یفتخر بثبات وصمود زوجاتنا

فجلس معنا وأول ما قال لنا هو موقف زوجاتنا، فكان فرحاً وكان یقول : أفتخر بزوجاتكم حیث رفعن رأسي، وكنت أظن أنهن سیبكین بسبب فراقكما، وعدم معرفتهن بمصیركما، لكن سعدت بصلابة موقفهن، فقط طرحن علي سؤالاً واحداً عنكما وعن مصیركما وهل أنكما معتقلان أو لا؟.

وكان عمي الشهید كثیراً ما یفتخر بزوجتي وبزوجة أخي، ویمدحهن علی صبرهن وثباتهن وذكر ذلك أمامهن أیضاً.

وقد تسألون لماذا قدر هذا الثبات في زوجاتنا؟ عمي الشهید كان یستشهد بقصة أحد أصدقائه المجاهدین الذین اعتقلوا في الثمانینات والتسعینات، وكان خاطباً لإحدى النساء وقت وجوده في السجن، فجاءته تلك المرأة وهو في السجن وطلبت منه الطلاق وقد طلقها فقط من أجل أن یواصل طریق الجهاد، وعمي كان كثیر الاستشهاد بهذا الصدیق وكان یقول أهم شيء في طریق الجهاد وقوف الزوجة وثباتها.

التوكل والصبر

في هذا اللقاء الأخیر وفي تلك الظروف العصیبة كان عمي هادئاً جداً وكان یقول : أهم شيء في هذه الظروف التوكل علی الله تعالی والصبر، وأن أي إنسان إذا واجهته أیة محنة وتوكل علی الله وصبر فحتما تكون النتیجة إیجابیة، وقد كرّر الشهید علینا ذلك أكثر من مرة.

الشهید .. وعلاقته بفاطمة الزهراء (علیها السلام)

بعد ذلك قال لنا الشهید فخراوي إنه تفصلنا أیام عن ذكرى استشهاد فاطمة الزهراء علیها السلام ( وكانت هذه الذكرى تتزامن مع إعلان حالة الطوارئ ورفض السلطات لخروج مواكب العزاء ) فقال لنا أنني سأمر علیكما لاصطحابكما لنذهب لعزاء السیدة الزهراء علیها السلام.

وكان یوصینا بهذه الأیام كثیراً ویقول أنها أیام فاطمیة فعلیكم بالتوسل بفاطمة علیها السلام.

وإصرار الشهید علی أن نتوسل بفاطمة الزهراء علیها السلام له أسباب، وأنا أتكلم عن شخص عاصرته لسنوات طوال .. في البیت وفي العمل وفي الجلسات .. فقد كان عند الشهید ارتباط عجیب بأهل البیت علیهم السلام ولا أتذكر أنه في مرة توسل بأهل البیت وقد رُد طلبه.

وكان عندما یطلب ویتوسل بأهل البیت علیهم السلام یتوسل بهم وهو مطمئن أن أهل البیت سیقضون حاجته، وفي كل مناسبة من مناسبات أهل البیت علیهم السلام یتوجه بصاحب المناسبة لطلب حاجاته، لكن لفاطمة الزهراء علیها السلام في قلب الشهید شأن خاص.

وكان الشهید یكرّر علیناً دائما ” توسل باعتقاد “، وكان یقول لنا ” الله موجود “، وكنا نراه دائماً هادئاً أمام المصاعب والمشاكل، وكان یواجه كل تلك المشاكل بهذه العبارات، ونفس هذه العبارات كان یكررها لنا في هذا اللقاء.

وكان ینصحنا دائما ویقول : إذا توسلتم بأهل البیت علیهم السلام فلا تحتاجون بأن تقسموا علیهم بأشیاء كبیرة، فقط توسلوا بهم واطلبوا حاجاتكم وهم سیقضون حاجتكم.

وكان یقول لنا مستنكراً : لماذا نقسم علی صاحب الزمان بضلع الزهراء علیها السلام ونجعل الإمام الحجة (عجل الله فرجه) یبكي لأجل حاجة دنیویة!، إلا إذا كان الإسلام في خطر.

بعد ذلك أوصانا الشهید بأن نضیف لتوسلنا بفاطمة الزهراء علیها السلام هذا الدعاء : اللهم اجعلنا في درعك الحصینة التي تجعل فیها من ترید.

توكلوا علی الله … ونظام آل خلیفة كظل هذه النملة

ثم جلس الشهید معنا یسرد بعض الأحداث التاریخیة ویستخلص منها بعض العبر ومما قاله الشهید : كنت أنا وأبوكما في فترة الثمانینات نوزع المنشورات ونقوم ببعض الأعمال السیاسیة، وبطبیعة الحال فإنه بسبب نشاطنا كنا نترقب في كل لیلة مداهمة قوات الأمن لمنزلنا.

ویستمر الشهید في قوله : وفي إحدى اللیالي وفي وقت متأخر نسبیاً طُرق الباب فكنا نتوقع أن هذه طرقات قوات الأمن، فذهبنا لسطح البیت لرؤیة من الطارق، ولكن لم نستطع أن نعرف بسبب وجود حاجب یمنعنا من الرؤیة، وفي الصباح اكتشفنا أننا كنا قد نسینا الحلیب علی الباب وكان الطارق جارنا یرید أن یعطینا الحلیب .. ولذلك لا تخافوا وتوكلوا علی الله تعالی.

ویضیف الشهید : كنا أنا وأبوك ننام في غرفة واحدة وكانت الإنارة في السابق تعتمد علی المصابیح المتدلیة من السقف، وكنا نرى دائماً علی جدران الغرفة ظلا كبیراً یتحرك، وكنا في البدایة نخشی أن یكون ذلك جناً، ثم بعد مدة اكتشفنا أن ذلك انعكاس ظل نملة، فعلق الشهید قائلاً : إن نظام آل خلیفة كظل هذه النملة ونحن نحسبه كالفيل!.

شجاعة الشهید

یعلق ابن أخ الشهید علی شجاعة الشهید ویقول : كثیرون یتكلمون عن كرم الشهید وأخلاق الشهید، لكنهم لا یتكلمون عن شجاعته حیث كانت صفة الشجاعة فیه واضحة، وكمثال علی ذلك في یوم 13 مارس عندما هجمت قوات الأمن علی المرفأ المالي وأرادت الهجوم علی دوار اللؤلؤة، فقامت الجماهیر بالدفاع عن الدوار بالهجوم علی قوات الأمن المتمترسة فوق الجسر، حیث كان الشهید فخراوي من أول الواصلین لأعلی الجسر في مواجهة قوات المرتزقة، هذا مع الأخذ بالاعتبار ثقل جسمه إلا أنه تخطی الجماهیر صاعداً لأعلی الجسر لیكون في مواجهة مباشرة مع قوات مرتزقة النظام وعلی إثر ذلك أصیب بطلق مطاطي في رجله.

ماذا یریدون مني، لا أخافهم ولا أخاف تعذیبهم

في آخر لحظات اللقاء حاولنا تحذیر الشهید من النظام وجلاوزته ولكنه قال بنفس المتواضع الواثق من نفسه : ماذا یریدون مني فأنا لا أمثل شیئاً ولا أخافهم.

قلنا له : لقد عُرض عنك فلم في قناة وصال الطائفیة یستهدفك بشكل مباشر ویتهمك بأنك ناشر فكر التشیع وولایة الفقیه، وقلنا له : أن اسمك موجود في بعض تقاریر النظام.

فقال لنا الشهید : إذا جاءوني سأسلم نفسي، وأنا أنام خارج البیت كي لا یهینوني أمام بناتي.

اللهم اجعل عذابي في الدنیا عوضاً عن عذابي في الآخرة

حاولنا إقناعه بعدم تسلیم نفسه لكننا لم نستطع ذلك، وكان یقول : ماذا سیفعلون بي؟ یعذبونني !! أنا لا أخاف تعذیبهم، وقال أیضاً : أیهما أشد ؟ عذاب الدنیا أم عذاب الآخرة ؟ فأجبناه : طبعاً عذاب الآخرة، حینها رفع الشهید فخراوي یده للسماء وقال : أنا أطلب من رب العالمین أن إذا عُذبت، یكون هذا العذاب عوضاً عن عذاب الآخرة، اللهم اجعل عذابي في الدنیا عوضاً عن عذابي في الآخرة. فكان له ما أراد.

اللحظات الأخیرة

حینها استأذن الشهید للانصراف فحضننا وودعنا وذهب للباب، ثم عاد وحضننا للمرة الثانیة وودعنا وذهب للباب، ثم عاد للمرة الثالثة ففعل نفس الشي، ثم عاد للمرة الرابعة وفعل نفس الشيء لكن هذه المرة أدار رأسه لنا وهو عند الباب فابتسم لنا وانصرف.

المصدر
كتاب فخر الشهداء - الشهيد عبدالكريم فخراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟