مواضيع

الرجل  المعطاء وسرّ المحبّة

كلمة الدكتور منصور الجمري رئيس تحرير جريدة الوسط في تأبين الشهيد بتاريخ 9 أبريل 2013م

إن ذكرى الشهيد عبدالكريم فخراوي هي ذكرى مؤلمة، ولكن في نفس الوقت تعطي الإنسان الطّاقة والأمل.

كانت آخر مكالمتي له هي آخر مكالمة قبل أن يستلمه الجلاوزة، وكان ذلك في اليوم العصيب الذي أوقفت فيه الصحيفة في 3 أبريل، بعد أن دُسّ لها ما دُسّ لها، وأعد لها برنامج، واتصلت به لأنه عضو في مجلس الإدارة، وقلنا بأننا سنجتمع في ذلك اليوم لاستعراض ما لدينا من إثباتات على ما حدث، وما قد خطط للصحيفة، بصفته أحد المؤسسين للوسط وأحد المضحين من أجل أن ينجح هذا الوسط، فبلا شك لابد لي أن اتصل به كما اتصلت لغيره، ولكن مكالمتي له كانت من أولى المكالمات التي فكرت فيها في ذلك اليوم، وربما كانت أيضاً هي آخر مكالمة يتسلمها، فرفع الهاتف وكان صوته متغيراً، وقال لي : أنا كنت سوف أغلق الهاتف قبل أن أرد عليك؛ لأنني في مركز شرطة السنابس .

فقلت له : ما سبب تواجدك في المركز؟

قال : سوف أدخل للضابط؛ لأنني كنت أنتظر الضابط، والآن طلبوا مني أن أدخل له، لأن البارحة جاؤوا إلى المنزل وكسروه، وهناك الكثير من العبث، وأريد أن أعرف إذا كانوا يطلبونني، وما هو نوع الطلب الموجود عليّ، وأستفسر عن السبب في تكسير المنزل.

وقال : إنني مضطر أن أغلق الهاتف.

في الحقيقة أنا ودعته ولا أدري كيف ودعته لأنها كانت مجرد لحظات، ولا أعرف ماذا سوف يحدث له، وأغلق الهاتف وأنا بين ما أمر فيه وما أفكر فيه كان هناك نوع من الألم والمعاناة المستمرة، لم أسمع أي شيء عن الشهيد بسبب اختفائه بعد ذلك مباشرة فلم نعلم عنه أي شيء، في تلك الفترة أنا كنت أمر في شيءٍ مما مر بشعبي، فالآن أتذكر وأقول الحمدلله الذي جعلني أن أنال شيئاً من الألم الذي يتألمونه، ولكي تكون جزءاً من هذا الشعب عليك أن تنال نصيبك من الألم، ولكي أستحق أن أكون جزءاً من أفضل وأطيب الشعوب في هذا العصر.

بعد تسعة أيام من تلك المكالمة كانت الفاجعة أن سُلِّم جسده إلى أهله، فأنا أقدم اعتذاري في ذلك اليوم؛ لأن رجلي لم تستطع أن تتحرك باتجاه مقبرة المنامة، ولا أدري لماذا، لكنني ذهبت إلى الانترنت وذهبت إلى واشنطن بوست، حيث هناك خدمة يضعون فيها أفضل مقاطع الفيديو والأخبار التي تتناولها الصحافة العالمية أو تصل إليها، ورأيت كيف قُطع دم الشهيد فخراوي.

أعتقد أن شخصية الشهيد تتميز بعدة أشياء، فهو شخصية معطاءة، وأي مجتمع أو بلد أو حضارة لا تقوم إلا على المعطائين، فهناك في هذه الدنيا من يأخد أكثر مما يعطي، وهؤلاء يمكن أن يزيدوا ولكن أثرهم لا يساوي شيئاً عندما يوجد شخص واحد يواجههم، يعطي من نفسه وماله وجهده أكثر مما هو مطلوب منه، أن تعيش شخصاً لوحدك ربما لا تحتاج لكل هذه الجهود ولكن لأنك تشعر بأن هناك مسؤولية أكبر، وعليك أن تقدم هذا الشعور بالواجب، وهذا الشعور الذي هناك سعادة الآخر واستقراره، كعائلة، كمجتمع يعتمد على مقدار ما تعطيه من نفسه، هذا الشعور المعطاء هو الذي يبني المجتمعات، ويتطور هذا العطاء إلى أن يتحول الإنسان إلى رجل موقف وصاحب موقف، ولديه وجهة نظر، فهو يعرف وينظر ويراقب ما يحدث في بلده، ولكن لديه وجهة النظر : ما هو الصحيح وما هو الخاطئ وماذا يجب أن نفعل؟ كيف نقلل من المضرات وكيف نكثر من الأمور الخيرية؟ فهذا الإنسان يكون شاهداً على المجتمع.

الشهيد عبدالكريم كان معطاء، وكان شاهداً على مجتمعه، فكان يتواجد في كل مكان، وعندما أسسنا الصحيفة كان هو من أوائل الناس الذين استشرتهم، كان يعطي من نفسه الكثير حيث كان يقضي الساعات ويختار المكان، حتى مسألة المهندس و كيف نوصل الشبكة الإلكترونية، فقد كان لديه شبكة توصيل لشركته وكنا محتاجين إلى شبكة توزيع؛ ولأن هناك تضارب في المصالح كان يبتعد، فكان يقول أنا أعطيكم كل الخطة ولا أريد حين يأتي التوزيع بأن تقولوا لي فخراوي فعل هذا؛ لأنهُ سوف يكون تضارب في المصالح، فنظره كان إلى الإخلاص وإلى كل النوايا الخيرية المعطاءة للآخرين، وعندما علم بأنني سوف أذهب لملاقاة بعض الناشرين وبعض المؤسسات التي لها علاقة بالصحافة تقدم للأمام واتصل بهم وأخبرني بأن هناك شخص، وهناك أشخاص، وإذا أردت هذه الأمور فهذا موجود، فكان يتقدم الأمور وأينما طلبت منه وهو يستطيع فعله فتراه في المقدمة، وكان يتأكد بأنه دائماً لا يستفيد شخصياً، بل يستفيد الآخرين، لأنه يعطي أكثر مما يأخذ فهذه صفة للشهيد.

أيضا الشهيد سخاؤه على كل المؤسسات والمشاريع الخيرية معروف، إلى درجة أن الناس الذين يحبونه ربما تفاجأوا به، والمجتمع وربما عائلته تفاجأت من محبة الناس لهذا الشخص، وربما الذي قتله أيضاُ استغرب من هذا الشخص، فكان يعتقد بأنه شخص ليس لديه ذكر فيستطيع أن يفعل فيه ما يشاء.

فما هذه السر في هذه المحبة؟ السر هو بأن كريم كان يعطي ولا ينتظر المردود، وهو إنسان معطاء، وصاحب موقف، وشاهد، والشاهد إذا كان موقفه مبدئي يستعد بأن يقدم أغلى ما لديه، وعندما يضطر المرء أن يوقف نفسه فهذا سوف يكون ما عليه من موقف، موقفه من خلال ما سمعناه يؤكد شخصيته المميزة والمحبوبة والمبتسمة، لعل الذي قتله يموت كل يوم لأنه حاول أن يقتل الابتسامة والسعادة في قلوب الآخرين، وربما أنه شقي لأنه يغار من السعداء، لكنهم لا يعلمون بأن هذه الابتسامة التي أرادوا قتلها، بقت تبعث الابتسامة في قلوبنا جميعاً وتبعث الأمل بأن غداً سوف يكون أفضل؛ لأنه كان لدينا كريم ولأن نفس وروح كريم تبقى معنا وهذا هو سره كمعطاء وكشاهد وكشهيد.

المصدر
كتاب فخر الشهداء - الشهيد عبدالكريم فخراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟