مواضيع

مشروع الشهادة

كلمة فضيلة الشيخ علي رحمة في تأبين الشهيد بتاريخ 9 أبريل 2013م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين و صلى الله على محمدٍ و آل محمد الطيبين الطاهرين

) و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم و لا هم يحزنون )([1])

الشهادة مشروع حياةٍ وإحياء، فالله عز وجلّ أراد للإنسان الذي كرّمه أيّما تكريم أن يعيش حياً والحياة بالتوحيد والعبودية لله والقيم والمبادئ والعزة والكرامة، عندما تُختطف هذه المعاني من حياة البشر تبقى حياتهم كاللاحياة وهنا لابد بأن يكون مشروع بديل يضخ الحياة في الأمة فتصل النوبة إلى الدم الطاهر وحينئذٍ تكون هذه الحياة التي لم يرخص الله في بذلها تُبذل من أجل الحياة.

الشهيدُ عندما يقدم دمه الطاهر، وهو إنسانٌ تحتاج إليه الحياة فكيف يبذل حياته وكيف يُحرم المجتمع من حياته، وفي الحقيقة هي الحالة الاستثنائية التي تستدعي من الحسين عليه السلام سبط النبي (ص) أن يضحّي بدمه الغالي ليحيي الأمّة ويضخّ الحياة فيها فشهداؤنا الأبرار على خطى سيد الشهداء صلوات الله عليه، يتوّهم البعض إنّ الإنسان إذا قدّم نفسه في هذا السبيل فإنّه يفقد حياته ويخسر عمره ويضيع أهله وأسرته وعائلته لكنّ القرآن الكريم في أكثر من آيةٍ كريمةٍ تصدّت لهذه الشبهة فعلينا أن نفهم أيّها الأحبة بأنّ الذي يقدم في سبيل الحق فإنّه لا يُقدم على الموت بل يُقدم على حياة فيجب أن لا تدخل هذه الشبهة عليهم وتبخلوا على الحياة بالحياة.

فبالشهادة الإنسان يقدم على الحياة والإحياء فالحياة هي التي بشّرك الله بها والإحياءُ هو استيقاظ الأمّة الميّتة التي أراد الظَلَمة والطواغيت وعباد الدنيا والذين نصّبوا أنفسهم أرباباً من دون الله أرادوا من هذه الأمة أن تموت حتى لا يجدوا أمامهم من يسمعهم كلمة ” لا ” ومن يقف في طريق دنياهم المحرّمة ومن هنا لا يترددون في من يعترض عليهم المهالك زاعماً منهم أنهم سوف تصفو لهم الدنيا ويخلّدوا فيها ويلقّنوا هذا المعترض عليهم درساً يكونُ عبرةً لغيره فإنهم قد نسوا الله وآياته ووعوده ونسوا أنفسهم فقد قال الله تعالى عنهم في ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم )([2]) وإلّا هذه التخبّطات والتصرّفات العشوائية التي لا تنبّأ على أنّ فطنة وذكاء حتى على مستوى تأمين المستقبل الدنيوي، فهذه التصرفات العشوائية هي تصرفات حمقاء تصدر من هذه السلطة لا تحقق لها ما ترجوه فكيف تقنع الناس بأن يرضوا بالواقع الذي أرادتهُ لهم؟!

الشهيد له خصوصيّة وقد وردت في الروايات الشريفة بأنّ الإنسان الصالح المؤمن إذا ذهب إلى جوار ربه وكان من أهل الجنة فلا يرغب أن يعود إلى الدنيا مرةً ثانية ويستثنى من ذلك الشهيد، عن الرسول ( ص ) : ” ما من أحدٍ يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا و أنّ له ما على الأرض من شيء غير الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيُقتل “([3])، هنا الشهيد مستثني لأنّ الشهادة لها مذاقٌ حلو ويرغب الشهيد أن تتكرر له الفرصة بأن يذوق مذاق الشهادة مرةً و ثانية و ثالثة و عاشرة ..

أيّها الظلمة والجبابرة والطواغيت لا تحسبوا أنكم بقتلكم الشهيد بأنكم تحرمونه من الحياة وتوردوه المهلكة بل إنكم تتسببون في وصوله إلى مقامٍ رفيعٍ وعالٍ بشّر الله به الشهداء وهو يتمناه.

حتى يكون الشهيد مشروع حياةٍ وإحياء لا بد أن يتوفّر على مجموعة من الخصوصيّات والملكات التي إذا فقدته الامة وهو مقتول ومظلوم يصبح له أثر كبير يهزّ به كيان قتلته ويهزّ عروش الظلمة والطواغيت الذين تربّعوا على هذه الأمة وتحكّموا في مقدراتها، وهذا الشيء قد نلحظه بالتتبع والفحص عن حالة الشهداء الذين يرزقون هذا المكان فالشهداء دائماً نراهم يمتلكون مجموعة من المؤهلات والمواهب والملكات التي تجعلهم أشخاصاً متميّزين فإنّ قتلهم يوقد حُرقةً في قلوب الناس ويجعل الجميع يثبت أنّ من قام بقتلهم قام بعملٍ بشعٍ قبيحٍ يستحق أن يعاقب عليه أشدّ عقوبة.

 الأمر الثاني هو من الممكن بأن تكون الملكات والمواهب التي تجتمع في الإنسان خفيّة لا يعلم بها أحد لكنّ الله عز وجل يعلم بها ومن هنا ليس كل من أراد أن يكون شهيداً يوفّق إلى هذا المصير، فالشهادة توفيقٌ واختيارٌ من الله، فالشهيد خيرة الله فعلى الإنسان المؤمن أن يستعد لهذا المصير ويتمناه، فالمسألة ليست مسألة تهوّر، فالإنسان المؤمن يعيش حياته الطبيعية ويسعى إلى هذا المصير، سمعنا وسمعتم في التاريخ من كان يحمل على ظهره خشبة الصلب حيث كان الظلمة السابقين عندما يقتلوا أحداً يصلبوه حتى يكون عبرةً للآخرين ويخوّفونهم لكن أصبح الناس آنذاك من خلال الحياة الزاهرة التي أعدها الله للشهيد يحملون معهم خشبتهم.

شهيدنا الغالي الشهيد عبدالكريم فخراوي نرى بأنه مصداق واضح من مصاديق هذا الكلام بأنّه إنسان قد وهبه الله تبارك وتعالى خصوصيّات وميزات جعلته شخصاً متميزاً ومحبوباً في المجتمع ومصداقاً للآية الكريمة ( إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً )([4])، فكلّ من صاحبه وعاشره وعرفه أحبه ولم يكن أحد يُصدق حين سماع خبر استشهاده حيث كان الخبر كالصاعقة على كل من سمعه.

 فالمسألة أيّها الأحبة مسألة اختيار والله سبحانه وتعالى أحبّ هذا الرجل وأراد أن يوصله إلى هذا المقام وأراد من خلال شهادته بأن يكون سبباً لحياة أمة، هو ومن اختارهم الله إلى هذا المقام، كان رجلاً صالحاً وطنياً ووجوده ضرورةٌ في المجتمع ولكنّ الله تبارك وتعالى اختاره لكي يكون له دور أكبر فالله سبحانه وتعالى يتفضّل بالذي يراه لائقاً به من الناس وعلى الإنسان أن يخلص النيّة ويصدق مع الله حتى يختاره لهذا المقام.

ما يحزّ في النفس بأنّ الشهيد الغالي ومجموعة من شهداء الوطن ظلامتهم متميزة بحيث أن شهادتهم كان لها وقعٌ أكبر في النفوس وتأثيرٌ أكثر فالشهيد فخراوي رحمه الله حُرم من أبسط الحقوق التي تكون للشهيد بعد شهادته فإنهم أرادوا بأن يتكتّموا على الجريمة وإخفاء معالمها كليّاً من خلال التهديد الذي تعرضوا له أهل الشهيد بأن لا يكشفوا عن هذه الجريمة حتى على مستوى الصور فأنت الذي تقدم على هذه الجريمة ولا تراعي الدين والوطن وتحاسب أشد الحساب عن من يخبر عن جريمتك التي ارتكبتها وتعتبره إنساناً غير وطني ويريد الخراب لهذا البلد ولا تتحمل من يُخبر عن جريمتك فكيف تريد الآخرين أن يتحمّلوا جرائمك لكن الله تبارك وتعالى فضح السلطة بإقدامها على هذه الجريمة البشعة وسوف يكون لها التداعيات الطبيعية التي سوف تؤثرّ التأثير الذي يتطّلع إليه هذا الشعب وهي الحريّة وأخذ الحقوق، أيضاً حُرم الشهيد من التشييع و طوّقت المنطقة بحيث لا يصل أحد إلى موقع التشييع ويشارك، وهذا لا ينقص من قدر الشهيد فالله تبارك وتعالى بعد أن اختاره لهذا المقام الذي ليس عليه مقام فلقد كان للشهيد فخراوي وعائلته الكريمة أسوة حسنة في مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام حيث إنها انتقلت إلى جوار ربها من غير تشييع.

إلى روح الشهيد فخراوي الرحمة والرضوان والكرامة في جنّات الخلد وعلى قاتله وظالمه لعائن الله تتراً ..

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينتقم لنا ممن ظلمنا ويفرّج عن هذا البلد فرجاً عاجلاً قريباً.


  • ([1]) آل عمران : 169-170
  • ([2]) الحشر : 19
  • ([3]) مستدرك الوسائل و مستنبط الوسائل، المحقق النوري الطبرسي، مؤسسة أهل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، جزء 11، صفحة 13
  • ([4]) مريم : 96
المصدر
كتاب فخر الشهداء - الشهيد عبدالكريم فخراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟