مواضيع

علاقات فخراوي

كصاحب مكتبة، من الطبيعي أن تكون لفخراوي علاقات واسعة، ليس في داخل البحرين فقط، بل خارجها، في مصر وإيران ولبنان وكل المطابع ودور النشر الموجودة في هذه البلدان، وأيضاً بعض الدول الأوروبية. حاز عمي على احترام الجميع وتقديرهم، ونحن الآن أينما نذهب يستقبلوننا بالأحضان ويبكون خسارة شخصٍ مثل كريم فخراوي.

في بيروت قال لي أحد أصحاب دور النشر أكثر ما آلمني في أحداث البحرين هو شهادة عمِّك، كريم فخراوي خسارة لا تُعوَّض للبحرين. كان يُميِّز فخراوي تسامحه مع الجميع، يكره الخصومات ويؤمن أنّ أفضل ما تفعله في حال استمرار الخلاف والخصومة هو أن يمضي كلُّ واحدٍ في طريقه المُختلف، بدلاً من البقاء في الخصومة أبداً. لديه علاقات واسعة مع جميع الأطياف على اختلاف توجّهاتها داخل البحرين وخارجها، وله احترامه الخاص وتقديره بينها، كانت معظم علاقاته مع الدينيين بحكم توجّهه الديني، وعلاقاته مع السياسيين محدودة. لم يكن فخراوي يرغب في العمل السياسي، ورغم الدعوات التي كان يتلقّاها من مُهتمين بترشيحه إلى المجلس النيابي، إلا أنّه لم يقبل، ويرى أن هناك كثيرين يعملون على الجوانب السياسية والاجتماعية، لكنّ الجانب الثقافي ليس كذلك، لهذا يرى أن مكانه الأنسب هو هذا.

بعد 14 فبراير ..

يقول علي : مثل كل البحرينيين الذين تغيّرت حياتهم بعد 14 فبراير، لم يكن عمي فخراوي بعيداً يوماً عن مطالب الشارع واحتياجاته، لهذا خرج مع الناس مؤمنًا بحقهم في المطالبة بالإصلاح منذ 14 فبراير، وأصابته طلقة في رجله.

على قناة وصال، نُشرت مقاطع فيديو تمّ تصويرها بطريقة مخابراتية من داخل مكتبة فخراوي، وتمّ الترويج أن صاحب هذه المكتبة خطر لأنه خلال الـ 25 سنة الأخيرة عملت هذه المكتبة على نشر ثقافة وفكر ولاية الفقيه بين الناس، وكان ذلك مُقدّمةً لاستهدافه المباشر. ولأنه لم يكن شخصاً عادياً، بل رجل أعمال، فاستهدافه كان بحاجة إلى مُقدّمات يُسوّقون لها في ماكينتهم الإعلامية. وبعد ضرب الدوار مباشرةً، استُهدفت صحيفة الوسط، وهو أحد مؤسِّسيها، تمّ توقيف الصحيفة الساعة الحادية عشرة ليلاً، ومداهمة بيته عند الساعة الحادية عشرة والنصف. كان اسمه مطروحاً في التحقيقات، لم يُربط بتهمة معينة لكنّهم يسألون المُحقَّق معهم عن علاقاته وتحرّكاته وتوجّهاته.

ضُرب الدوار، وبدأت حملة الاعتقالات في الليلة نفسها، لم نكن نعرف مصيرنا، ونعلم أننا مستهدفون. التقينا في اليوم التالي نحن الثلاثة؛ عمي وأخي محمد وأنا، تباحثنا الموضوع. قال عمي : علينا أن نتوزّع، بحيث يكون كلّ واحدٍ منا في مكانٍ مُختلف، لكي لا يُقبض علينا جميعًا مرّةً واحدة، وأن نبقى كذلك حتى تتضح الصورة. اتفقنا على ذلك، وبالفعل داهموا شقتي وشقة أخي محمد في منتصف الليل بعد 3 أيام. اختفينا بعدها مباشرة، ولم يعلم أحد بمكاننا حتى زوجاتنا، لكن عمي رفض الاختفاء معنا وقال : لن أختبئ، وعندما يطلبونني سأذهب لهم مع إصراره وتأكيده أن نبقى مختبئين ولا نسلم أنفسنا حتى بعد القبض عليه.

اللقاء الأخير ..

يتذكّر علي : “كان الوقت ظهراً، وكان معي أخي في المكان الذي اختبأتُ فيه، فُتح الباب، وأطل بوجهه باسماً كي يفاجئنا، ثم دخل علينا بكل بشاشته المعتادة، احتضن أحدُنا الآخر، وقبّلنا بعضنا البعض. كانت قد مرّت أيام لم نرَ فيها بعضنا البعض، تجنّب الحضور إلينا خشية أن يكون مُراقباً. جلس بيننا بتواضعه المعروف، وقال : أفتخر أنكم أبنائي، لقد خشيتُ أن أحضر وأراكم في حالٍ سيّء، لكنكم تبدون لي العكس، لقد جعلتموني أستمدّ منكم القوة. وبالطبع لم يكن كلامه هذا صحيحاً، العكس تماماً هو الصحيح، فقوّته وبشاشته وحضوره هي التي أمدّتنا بالقوة.

في هذه الجلسة قدّم لنا نصيحته الأخيرة، وحكمته، قال : الإنسان في هذه المواقف الصعبة يتوكّل على الله فقط، إذا فعلتم ذلك ثقوا أنه لن يحدث لكم شيء، شرط أن تصبروا وتتوكلوا. كنّا نعلم أنه بالنسبة لعمّي لم تكن هناك مشكلة في الثقة والتوكّل. طوال عمره كان متوكلًا، حتى عندما تشتّد عليه الأزمات. كان يهدّئنا ويقول : الله موجود. في أوقاتٍ كثيرة، خارج السياسة، هناك مواقف تعرّضنا فيها لمشاكل وقلقٍ شديد، كان يقول لنا ذلك، نذهب إلى بيوتنا ولا ننام، ويذهب إلى بيته وينام، وفي صباح اليوم التالي نُفاجأ بتغييرات لم نتوقّعها، فيقول لنا : ألم أقل لكم أن الله موجود.
ثم راح يكمل لنا نصيحته : في بداية الثمانيات، كنّا شباباً، ووفق الجو العام حينها، نُوزِّع المنشورات، من الطبيعي عندما نعود البيت أن نتوقّع أن يأتوا لاعتقالنا. كنّا ننام أنا ووالدكم في نفس الغرفة. في إحدى الليالي سمعنا عند الساعة العاشرة طَرْقاً على الباب، قلنا لبعضنا : أتوا لأخذنا. ذهبنا فوق سطح البيت لنرى من القادم، فلم نتمكّن من الرؤية. دُقّ الجرس مرتين ولم نفتح. صباحاً، عندما فتحتُ الباب رأيتُ كيس حليب عند الباب. كنتُ اشتريته ونسيته فوق السيارة، وعندما رآه الجار وضعه عند الباب. ثم أكمل قائلاً : الإحساس الذي يأتيك وقت الخوف والقلق ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، الخوف يجعلك تتصوّر أنّ الأمور كلها عليك.

ثم أضاف : في فترةٍ ما، كنّا حين نوشك على النوم أنا ووالدكما، نرى على الجدار جسماً كبيراً يتحرّك، كنّا نخاف، ظنناه لفترة شيئاً من الجن، اكتشفنا فيما بعد أنه نملٌ يمشي على الطرف الآخر، لكن بسبب انعكاس ضوء المصباح الخارجي من الطرف المقابل نراه بحجمٍ كبير. قال لنا : لا تهتمّوا، آل خليفة مثل هذا النمل، نحن الذين نراهم فيلًا.

يُكمل علي : عندما أوشك عمي على الخروج، قلنا له تعال اختبئ معنا، أو اذهب إلى مكانٍ آخر تختبئ فيه. قال : لا أستطيع فعل ذلك. أنا فقط لا أحتمل أن يهينوني أمام ابنتي زهراء وسارة، لهذا لا أنام في البيت، لكن مجرد أن يأتوا ويطلبوني سأسلّم نفسي، ها أنا أخبركم. كنّا نُحاول إقناعه أن لا يفعل، فيجيب : ماذا سيفعلون بي؟ سيعذبونني؟ لا يُخيفني تعذيبهم. ثم رفع يده : فقط أسأل الله إن عذبوني، أن يكون ذلك كفّارةً لي عن عذاب الآخرة. وقد كان له ما أراد.قبل أن يُغادر، أوصانا بالصبر مرّةً أخرى. ودّعنا وسلّم علينا واحتضننا، وصل إلى الباب ثم عاد. ودّعنا مرّةً أخرى واحتضننا، ثم وصل إلى الباب مرّةً ثانية وعاد، كّرر الفعل ذاته 4 مرات، وعاد الخامسة، لكن ثمّةَ من كان ينتظره عند الباب، (حرص أن لا يأتي إلينا بسيارته وجاء مع صديقٍ لا نعرفه) قال له الأخير : كريم ترى وراي شغل، إذا تريد تجلس سأعود لك فيما بعد، حينها قال عمي : لا، أنا ذاهب معك، وخرج.

المصدر
كتاب فخر الشهداء - الشهيد عبدالكريم فخراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟