مواضيع

الإبادة الثقافية تبدأ من تدمير اللغة والدّين

    “اللغة والدين هما خط الدفاع الأخير للهنود ولا بد من القضاء عليهما” بهذه العبارة التي قالها مؤسس مدارس الهنود الحمر في أميركا الكابتن ريتشارد هنري برات، يقدم الفصل السادس من الكتاب الآلية التنفيذية لكنعنة الآخر، انطلاقا من القاعدة المعروفة بأن اللغة والدين هما من المكونات الحضارية والوجودية لأي أمة، فالتوالي الجيني لأمة قد يعطيها القدرة على البقاء المادي في حين أن سلخها عن هويتها الثقافية يجعلها غير قابلة للتجديد والحياة والتطور وبالتالي تصبح أكثر قابلية للتبعية والتلاشي في ظل القوة الأكبر والأقوى ثقافيا حتى لو كانت تمتلك حضارة ما عبر التاريخ.

    وتحديدا -فيما يتعلق بهذه الجزئية- يستعرض الكاتب القنبلة الثقافية التي أبيد بواسطتها الهنود الحمر روحيا وتحولوا معها إلى مجرد ظل في إطار الجغرافية والتاريخ وذلك بهدف احتلال أرضهم والاستفادة من ثرواتها العامرة، مع الإشارة إلى أن فهم هذه القنبلة الثقافية بمعناها المجازي الواسع -كما يشرحها الكتاب استنادا إلى أقوال مؤسسي صانعيها- تقدم وبطريقة مباشرة قراءة ولو على المستوي الدلالي فقط للتركيبة البنيوية للعقلية التي ألقت بالقنبلة الذرية على ناغازاكي وهيروشيما في اليابان.

    ويوضح الكتاب الهدف الذي أنشئت من أجله مدارس تعليم الهنود الحمر كما يرد على لسان ويليام جونز أحد مسؤولي مكتب الشؤون الهندية -الذي كان يعتبر بمثابة المؤسسة الراعية لمصالح الهنود أو السلطة الوطنية للهنود- بقوله إن الهدف من إنشاء هذه المدارس هو إبادة الهندي بمعناه الثقافي وخلق بديلا عنه يرضى بالأمر الواقع.

    لذلك يقول الكتاب إن اللغة كانت من المحرمات الأساسية على الهنود باعتبارها محركا أساسيا لتطور الهوية الثقافية والنظم الاجتماعية التي تجعل من المجتمع الهندي الأحمر يمتلك سلاح الاستمرار في التصدي للغزو الإنكلوساكسوني، كما يستعرض الكتاب شهادات لأطفال الهنود الحمر الذين انتزعوا بقوة السلاح من أسرهم إلى معازل خاصة تجردهم من كل شيء وأولها الأسم حيث تحولت الأسماء الهندية المحاكية للطبيعة إلى أسماء إنجليزية مسيحية في أول خطوات الإبادة الثقافية.

    وباسم الحضارة والتمدن التي ساقها المستوطنون الحالمون بإسرائيل الله استنادا إلى مبادئ وعقائد البيورتانيين “الأطهار كما كانوا يطلقون على أنفسهم” المخلصين للكنيسة البروتستانتية، كانت الإبادة الثقافية مقدمة لفكرة استبدال شعب بشعب آخر.

    أما أنصار التمدين فكانوا يعلمون أن اغتصاب هذه الأرض (أميركا) بغير الحرب لايتم إلا بزرع الثقافة الهندية ذات البنية الاجتماعية بالألغام لتدمير نظام التكاتف الاجتماعي (أو ما تسميه الأنثرولوجيا العرقية بالمشاع البدائي أو الشيوعية البدائية) واستبدال دماغ الهندي بدماغ أبيض يؤمن بالملكية الخاصة.

    ويوثق المؤلف هذه المقولة بعبارة لمفوض الشؤون الهندية جورج مانبيبني يقول فيها “لا بد للطفل الهندي من أن يتعلم كلمة أنا بدلا من نحن، وهذا لي بدلا من لنا… إلخ، ليتنازل طوعا عن ما يملك”.

    وهنا يوضح الكتاب الفكرة المنفعية التي قامت عليها المستوطنات الأميركية الأولى عبر شيطنة الآخر ومنح المسوغات المدعومة دينيا وأخلاقيا ومؤسساتيا لإبادة هذا الآخر وجوديا وثقافيا من أجل السيطرة عليه.

    لعل فهم التجربة الإنجليزية في الحرب والإبادة الثقافية ضد القوميات والشعوب المستهدفة تشرح سياستهم ضد الشعوب التي تثور ضدهم أو ضد الأنظمة السياسية الحليفة لهم، وخاصة النظام الخليفي، الذي تعرض لثورات وحركات شعبية مناهضة متتابعة طوال أكثر من مآئتين عام من غزو قبيلة العتوب للبحرين.

    نرى في عملية الإبادة الثقافية التي تعرض لها شعب الهنود الحمر في أمريكا الشمالية مصاديق مشابهة في البحرين، والتي يحكمها نظام قبلي عنصري تكفيري وإقصائي، وقد عمل على شيطنة السكان الأصليين من خلال تكفيرهم، واتهامهم بالعمالة للخارج، وتغييب اللهجة والثقافة المحلية للأغلبية في الإعلام، بل وتسخيفها، ومنع أي نوع من التعليم الديني للأغلبية السكانية في المدارس الرسمية، وسن القوانين والتشريعات التي تطبع الحياة العامة في البحرين بنسق واحد وطبيعة واحدة

    فضلا عن ذلك، فإن سياسة التجنيس السياسي وتخريب الديمغرافية السكانية لبلد ما، وتغريبه عن لغته وثقافته هو مصلحة وسياسة غربية أمريكية وبريطانية بدرجة أولى، وهو الوجه الآخر للإبادة الثقافية ضد شعب البحرين الأصيل، وذلك من أجل السيطرة عليه، وضمان استمرار حكم النظام السياسي التابع للغرب، وضمان استمرار وتأمين المصالح الغربية في البحرين، وسائر منطقة الخليج.

المصدر
كتاب الإبادة الثقافية في البحرين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟