مواضيع

أسباب ثورة ومقتل الحسين

تمهيد

الفاصلة الزمنية بين رحيل النبي (ص) ومقتل الحسين (ع) هي خمسين سنة، إذ رحل النبي في السنة الحادية عشر للهجرة وقُتل الحسين في سنة 61 هـ، فما الذي جرى في هذه المدة الزمنية وماذا حصل للأمة مما أدى إلى حادثة عاشوراء ومقتل الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه بهذه الطريقة البشعة الدموية؟

وما زالت أصداء أحاديث رسول الله في قبر ومقام الحسين مدوية، وما زال هناك في الأمة من رأى مواقف رسول الله ومحبته للحسن والحسين (عليهم السلام)، وأصل أسباب نزول بعض الآيات في شأن أصحاب الكساء والحسين خامسهم؛ كآية التطهير والمباهلة والإطعام وغيرهم الكثير، في هذا المقام نتطرق للرد على التساؤلات المذكورة التي عبر الإشارة إلى الانحرافات التاريخية التي حصلت في الأمة من بعد رحيل النبي (ص) إلى مقتل الحسين (ع) وذلك عبر سرد الأحداث والوقائع التاريخية التي حصلت في هذه الفترة والتي أدت إلى حادثة عاشوراء ومقتل ابن بنت رسول الله (ص) وسبي أهل بيته وبناته.

قبل البدأ بسرد الوقائع التاريخية، نقف مع حادثة تاريخية مهمة لها دلالاتها وفي هذه الحادثة يبين الإمام الحسين تكليفه الشرعي الذي نحاول من خلالها أن نذكر الأسباب المادية التي أدت إلى اتخاذ الإمام الحسين (ع) هذا الموقف الشرعي، والحادثة المقصودة هي لقاء الإمام الحسين (ع) مع الصحابي الجليل جابر بن عبدالله الأنصاري بعدما قرر عدم البيعة والخروج من المدينة، فقد ذكّر جابر الإمام الحسين (ع) بموقف أخيه الحسن (ع) وصلحه مع معاوية وعدم المواجهة، ثم سأل الإمام الحسين (ع): لماذا لا تعمل كما عمل أخيك؟ فأجابه الإمام: هو عمل بما أراده الله ورسوله وأنا أعمل. أي أن الحسن (ع) عمل بما يرضي الله ورسوله والحسين كذلك ولكن التكليف الشرعي لكل واحدٍ منهما اختلف عن الآخر بسبب اختلاف ظروف زمان تكليف كل واحدٍ منهما، فكان التكليف الشرعي للحسن الصلح وللحسين الخروج للثورة.

سرد لبعض الانحرافات والأحداث منذ رحيل النبي (ص)

عهد الخليفة الأول

أول وأخطر انحراف حصل بعد النبي (ص) هو غصب الخلافة الذي ترتبت عليه جميع الويلات التي جرت على الأمة، إذ أن دستور الإسلام والقرآن الكريم والثقل الأكبر الذي تركه رسول الله والذي من المفترض أن يحكم به المسلمين بحاجة إلى الثقل الآخر الذي تركه النبي (ص) وجعله عِلماً للقرآن وتمثّل آنذاك في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الذي أبُعد عن النصب الإلهي وهو خلافة رسول الله (ص) مما فتح الباب لحكم المسلمين وفق الأهواء النفسية والآراء الشخصية بعيداً عن القرآن فضلاً عن فتح باب الاجتهاد في قبال النص القرآني وسنة رسول الله (ص)، ابتعدت الأمة عن الإسلام الأصيل وتعاليم القرآن وسنة رسول الله (ص)، واتخذ هذا الانحراف يتسع شيئاً فشيئاً فيما بعد كما سنبيّن، وما بقيّ من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلى رسمه.

عهد الخليفة الثاني

في هذه الفترة حدثت اجتهادات واضحة في قبال النص القرآني وسنة رسول الله (ص) بالإضافة إلى الحذف والإضافة في التعاليم الإسلامية وفقاً لمزاج وأهواء الخليفة، وأخطر ما حدث في هذا العهد هو ما سُميّ بـ«الفتوحات الإسلامية» والتي كانت إحدى نتائجها تمكين بني أمية من رقاب المسلمين.

أمثلة على اجتهادات الخليفة الثاني

1.     تحريم المتعتان

جاء في صحيحين البخاري ومسلم وهما من الصحاح الستة عند أهل العامة أنّ الخليفة قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء.[1] لاحظ بأن الخليفة يقرّ بأن هذين المتعتين اللتان كانتا في عهد رسول الله وقام هو باجتهادٌ منه بتحريمهما مع أن القرآن يقول: <وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا>[2] وقد أجمع المسلمون كافة على قول النبي (ص): «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة»[3].

2.     حذف حي على خير العمل من الأذان

بما أن عهد الخليفة الثاني كان مشحوناً بالغزوات، فالخليفة بحاجة إلى تجييش أعداد كبيرة من الرجال للمشاركة في هذه الغزوات، فكان يعمل على التخلص من أي سبب من وجهة نظره يحول دون ذلك، لذلك قام بحذف عبارة «حي على خير العمل» من الأذان بحجة أن الناس ستمتنع عن الجهاد وتقبل على الصلاة أكثر لأنها خيرٌ من بقية الأعمال أي هي خير العمل، مع العلم أن الأذان وحيٌ إلهي نزل به جبرائيل (ع) على رسول الله (ص)، فأي جرأةٍ هذه على الله؟

3.     إضافة الصلاة خير من النوم إلى الأذان

بينما كان الخليفة نائماً على بطنه في المسجد كما ورد في الرواية، جاءه المؤذن وأيقظه لصلاة الفجر وهو يقول الصلاة خيرٌ من النوم، فاستيقظ الخليفة وقال: عجبتني هذه العبارة فاجعلوها في الأذان.

4.     الفتوحات الإسلامية

مع تحفظنا على إطلاق «الفتوحات» عليها إلا أن هذا البحث ليس محله هنا، لذلك نضع الكلمة بين قوسين كلما وردت، هذه «الفتوحات» ألحقت بالإسلام أضراراً فادحة لأنها لم تكن مبنية على الأسس الإسلامية القوية، وهذا أمرٌ بديهيٌ لافتقادها القيادة الشرعية بسبب غصب الخلافة، فقد رافقت هذه «الفتوحات» جرائم ومنكرات تخالف جوهر الإسلام وتعاليم رسول الله (ص) والهدف من هذه الفتوحات، لذلك المستشرقون وجدوا فيها مادة دسمة للتهجم على الإسلام لنتائج هذه الفتوحات والهجوم على الإسلام من بقائعٍ مختلفة، ولكن ليس هو الإسلام الذي جاء به رسول الله (ص) بل هو الإسلام المزيّف المحرّف والمحرّم الذي ليس فيه لعلي بن أبي طالبٍ (ع) وآله نصيب، بل كانوا يُربّون على بغض علي بن أبي طالب (ع)، فهم لا يعرفون علي بن أبي طالب (ع) وتاريخه ومقامه عند رسول الله (ص)، فلك أن تتخيل ما فائدة الإسلام من غير محبة أمير المؤمنين علي (ع).

كما أن أولئك الذين دخلوا الإسلام وبسبب عدم وجود من يتصدى لهم قاموا بإدخال معتقداتهم إلى الإسلام وتأثّر بها المسلمون وكأنها جزء لا يتجزأ من الإسلام، لذلك تجد في التراث الإسلامي الكثير من الأحاديث والروايات التي تخالف روح الإسلام والمنطق والعقل، وأسمى ما نتج من هذه «الفتوحات» هو تنكيل بني أمية من مفاصل الدولة الإسلامية وفق خطة مدروسة، إذ أن الخليفة كان يرى بأن نظام الخليفة سيؤول يوماً إلى علي بن أبي طالب (ع) فقام بتنصيب العديد من أعداء ومبغضي علي بن أبي طالب (ع) في المناصب المختلفة حتى ما أن تصل الخلافة لعليٍّ (ع) يجد نفسه في مواجهة أعداء من داخل الحكومة الإسلامية فلا يتمكن من إجراء سياساته العادلة والحكم بأمر الله ورسوله، ومن هؤلاء معاوية إذ ولاه الخليفة على الشام بعد فتحها فقام منذ اليوم الأول بتربية أهلها على بغض علي (ع) بل سبّه وشتمه، وفيما بعد استخدمهم في الحرب ضد أمير المؤمنين (ع) وهم الذين استقبلوا أهل بيت رسول الله (ص) بعد حادثة كربلاء كأسرى حرب بصفتهم الخوارج بالأهازيج والاحتفالات.

عهد الخليفة الثالث

بالرغم من كل الانحرافات التي حصلت في عهد الأول والثاني إلا أنهما حافظا على الظاهر والطابع الإسلامي في دولة الخلافة ولكن في عهد الخليفة الثالث لا يراعى للإسلام حرمة لا في السر ولا في العلن، ينتشر الفسق والفجور جهاراً في النهار بشكلٍ علني، وامتد ذلك إلى بلاط الخليفة وعادت الجاهلية من جديد، فصار عطاء بيت أموال المسلمين يميّز فيه بين العربي والعجمي وبين القرشي وغيرهم من العرب، وقد قامت فئة قليلة باستئثار الفيء وبدأ الإسلام الحقيقي ينفض أنفاسه الأخيرة وبلغ الفساد والانحراف حدّاً حتى رفع بعضٌ من الصحابة شعار «الثورة على الخليفة» وأخذت عائشة زوجة رسول الله (ص) تنادي في المسلمين «اقتلوا نعثلاً»[4] – في إشارة إلى الخليفة -، وبما أن الخليفة من بني أمية وهم الذين حاربوا الإسلام بضراوة ولهم عداوة دفينة ضد الإسلام فاستغلوا ذلك بتصفية الحسابات القديمة بعد أن تمكنوا من الدولة الإسلامية ومفاصل القرار فيها، وفي هذا العهد أصحبت صلاحيات معاوية مطلقة على الشام حتى لم يكن يرسل خراجها إلى الخليفة وكان يتصرف به بنفسه وكأنها دولة مستقلة على الدولة الإسلامية، وهنا نذكر روايتين تقتصران حجم المأساة وما آل عليه من وضع وحال الأمة الإسلامية.

فقد جاء في الرواية مع الإشارة بأن العامة قد رووها أيضاً: بعد استلام عثمان الخلافة ذهب أبو سفيان عدو الإسلام إلى قبر سيد الشهداء حمزة (ع) فقام بركل القبر برجله النجسة وخاطب حمزة قائلاً: «يا أبا عمارة، إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس – يعني بذلك الزعامة – في يد غلماننا اليوم يتلاعبون به»[5].

أي عادت الجاهلية من جديد بلباس الإسلام وأعداء الإسلام بالأمس أصبحوا اليوم أسياده.

وفي روايةٍ أخرى بعد استلام عثمان الخلافة خاطب أبو سفيان بني أمية: «تلقّفوها الآن تلقّف الكرة – يقصد السلطة – فما من جَنّـة ولا نار»[6]

زمن معاوية

علاوةً على الفسق والفجور العلني الممتد من زمن الخليفة الثالث فقد بنى معاوية القصور وعاش عيشة الملوك والقياصرة وحياة البذخ والترف، ووظّف أموال بيت المال في الهبات والعطايا لشراء دين الناس وتزيين ما في القصور، وقد سعى معاوية للقضاء على الإسلام العدو اللدود الأول وعمل على محاربة الله ورسوله وهو كما ينقل البخاري في صحيحه صاحب مقولة «والله دفنا دفنا»[7]، عندما سمع المؤذن يقول «أشهد أن محمداً رسول الله» ويقصد بأنه سيعمل على دفن ذكر رسول الله (ص) حتى لا يرفع ولا يذكر، ولكن <اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ>[8].

ولقد التجأ معاوية إلى خطة خبيثة وهي محاربة الدين باسم الدين، فهو لم يدخل في مواجهة مباشرة مع الدين وإنما عمل على تمييع وتحريف المفاهيم الدينية عبر الاستفادة من علماء البلاط، فقد ظهر في زمانه الفرق الضالة «المرجئة والمجبرة» التي بعد فترة أفتوا بإعطاء الشرعية لحكمه وتبرير الظلم والفساد تماماً كما هو الحال مع الوهابية في زماننا هذا.

المرجئة

هم الذين يقولون قال الله تعالى في كتابه: <وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ>[9]، فكل البشرية يرجون عفو الله ورحمته وأمرهم منسوبٌ إلى الله يوم القيامة، وبالتالي لا يمكننا أن نحكم على البشر في الدنيا مهما كانوا، فلا يمكننا أن نقول عن معاوية بأنه «إنسانٌ ظالمٌ فاسد» ولا يجوز لنا أن نخرج عليه لأننا لا نعرف مصيره يوم القيامة، فقد يغفر الله له والحال أن الله قد أخّر أمره إلى يوم القيامة فكيف نحن نسبق الله ونقوم بمحاسبته في الدنيا.

المجبرة

هم القائلين بأن الإنسان مجبرٌ في أفعاله وليس مخيّر، فليس بوسع الإنسان أن يفعل أي شيء دون إرادة الله سبحانه وتعالى، فإذا صار معاوية أميراً للظلم والفسق والفجور والجور والقتل فكل ذلك من عند الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن الاحتجاج عليه فضلاً عن محاربته والخروج عليه؛ لأن هذا احتجاج وخروج على الله سبحانه وتعالى وأمره وهذا من الكفر، الله سبحانه وتعالى اختار معاوية فكيف لنا أن نحتج على اختيار الله؟

انظر إلى هذه الأفكار المنحرفة التي تخالف روح الإنسان والقرآن، والتي تبرر الفساد والظلم الذي جاء الإسلام للقضاء عليهما باسم الإسلام، والتي تنشأ الناس التي ليس لديهم روح بل مستسلمين للأمر الواقع تاركين أمرهم إلى يوم القيامة لأن هذا ما أراده الله.

وما قيمة هؤلاء البشر؟

وماذا بقي من الإسلام إذا تم القضاء على جوهره إلا اسمه؟

ولم يكتفي معاوية بكل هذا إلا وعندما يخرج من الدنيا قد حوّل الخلافة الإسلامية إلى الملكية الوراثية لتؤول زمام الأمور الخلافة إلى ابنه يزيد.

وصول يزيد إلى الحكم

بعد هلاك معاوية جاء يزيد إلى الحكم ومع الأخذ بعين الاعتبار مع ما ذكرناه من السرد التاريخي ومدى الانحراف الذي أصاب الأمة والأجواء والطريقة التي وصل بها يزيد إلى الحكم، هناك فارقٌ كبيرٌ بين الأب وابنه، إذ أن الأب كان يتمتع بالخبث والدهاء في حين أن الابن أحمقٌ طائش، وقد كان معاوية حريصاً على ممارسة عربدته في السر وبين حاشيته وتظاهره بالالتزام بتعاليم الإسلام عبر حضوره وأداءه للصلاة، وقراءة الأحاديث التي تبين دوره مع النبي (ص) كونه أحد الصحابة، من قبيل الإدعاء بأنه كان أحد كتّاب الوحي إذ كان يدون ما ينزل على رسول الله (ص) من القرآن، ولكن يزيد الأحمق لم يكن يراعي أي حرمة وكان يسكر ويلاعب القرود علناً وكان مشهوراً بالفساد وليس له أي تاريخ، وهناك إجماعٌ على عدم أهليته لهذا المنصب فضلاً عن أنه كان يحارب الإسلام علناً ويجاهر بكفره وعدم إيمانه للإسلام، ويظهر ذلك من خلال أشعاره التي كان يقولها في حال عربدته، منها على سبيل المثال:

دع المساجد للعباد تسكنها

 وقف على دكة الخمّار واسقينا

ما قال ربك ويلٌ للذين شربوا

 بل قال ربك ويلٌ للمصلينا

أضف إلى ذلك بأن قرارات الأمة كانت تؤخذ من قبل السرجان المسيحي عدو الإسلام وهو المستشار الخاص ليزيد، في مثل هذه الظروف وما آل إليه حال الأمة، كان لابد من هزة قوية تيقظ الأمة من سباتها العميق وتحيي الإسلام من جديد.

الحسين (ع) يرفع راية الثورة والإصلاح

في ظلّ ما تقدم من انحرافات شديدة للإسلام وللمفاهيم الإسلامية وانتشار الفساد والظلم بدءاً من رأس الدولة الإسلامية وعودة القيم الجاهلية بلباس الإسلام وانتهاك سنّة رسول الله (ص) لم يكن أمام الحسين (ع) خياراً غير التصدي وإعلان الثورة والإصلاح ليعيد الأمور إلى نصابها ويحيي دين الله ورسوله ليحكم القرآن من جديد وتكون كلمة الله هي العليا، وها هو الحسين (ع) يعلن أسباب وأهداف خروجه.

ألا ترون إلى الحق لا يعمل به

واضح مما ذكرناه من حال الأمة أن المنكر صار معروفاً والمعروف صار فيها منكراً فالناس تخلّت عن الحق وتمسكت بالباطل، أي أن جهود رسول الله (ص) ذهبت هدراً، لذلك قد وجَّه الحسين (ع) نداء للأمة وعلمائها «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهي عنه»، فالحسين (ع) يستنهض الأمة وعلمائها لأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء على الباطل وإحياء الحق، وبطبيعة الحال في مثل هذا التكليف يُدخل المؤمنين في طريق المواجهة مع الطاغية وزمرته الفاسدة وبحاجة إلى التضحيات.

خرجت لطلب الإصلاح

عندما لا تعمل الأمة بالحق ولا تتناهى عن المنكر فهذا يعني بأنها تعاني من خللٍ عميق وهي بحاجة إلى إصلاحٍ جذري، ومن أولى بالقيام بهذه المهمة العظيمة الكبيرة غير الحسين (ع) وهو ابن رسول ووصي والده، وها هو الحسين (ع) يعلن عن سبب خروجه والنتيجة التي يسعى إليها «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي»[10]، فالهدف هو إصلاح الأمة والسلاح هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بسنّة رسول الله (ص) ووصيه أمير المؤمنين (ع).

دماء الحسين (ع)

بعدما أصبحت حالة الأمر متردية وبدأت تعاني من الانحطاط على جميع الأصعدة، وبلغ بها الحال بأنها تكالبت على قتال ابن رسول الله (عليهم السلام) بقصد التقرب إلى الله ولا زال هناك في الأمة من رأى رسول الله (ص) يطول في سجوده لأن الحسين (ع) صعد على ظهره، وهناك من سمع قول رسول الله (ص): «حسينٌ مني وأنا من الحسين»[11] إلا أنهم بلغوا حدّاً من الانحطاط والتردي حتى قُتل ابن بنت رسول الله (ص) تلك القتلة البشعة ولم يرعوا حرمةً لبنات رسول الله (ص) وأهل بيته وارتكبوا من الجرائم في حق أهل بيت رسول الله (ص)، والأمة تمر بهذه الحالة المزرية التي كانت بحاجة إلى دم كدم الحسين (ع) فيحدث هزة في وجدان الأمة حتى تفيق من سباتها العميق وتعود إلى رشدها، فجاءت دماء الحسين (ع) وضخّت الدماء في عروق هذه الأمة لتحيا من جديد وتقوم بواجباتها ومسؤولياتها اتجاه الإسلام المحمدي الأصيل وتقف في وجه الانحرافات وتطشف زيف الطغاة وتعلن عن بدأ مرحلة الإصلاح الروحي والعقائدي والفكري الشاملة بقيادة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والسعي نحو ثبات الأقدام الصادقة مع الحسين (ع) وتهيئة الأرضية لظهور بقية الله الأعظم أرواحنا له فداه.

قصة: موقفٌ حسينيٌ في زماننا هذا

في سبعينات القرن الماضي قام الفيلسوف العظيم الفقيه المجاهد آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر بجمع طلبته طلاب العلوم الدينية وقال لهم: أن وضع الأمة في العراق اليوم كوضعها في زمن جدي الحسين (ع) لذلك الأمة بحاجة إلى دم كدم جدي الحسين (ع)، ثم طرح عليهم التالي: أن ينقسموا إلى مجموعتين، مجموعة تقوم بالاعتصام في حرم الإمام علي (ع) ضد النظام البعثي المجرم وبطبيعة الحال هذه المجموعة سوف تتعرض للقمع والقتل ووضع نفسه ضمن هذه المجموعة ليكون حسين زمانه، وهذه هي الشجاعة الحسينية، والمجموعة الثانية تقوم أثر قتال المجموعة الأولى بإعلان الثورة ببركة هذه الدماء، بشرط أن يحصلوا على الموافقة من الحوزة العلمية في النجف الأشرف أو مباركة أحد المراجع آنذاك من غير التدخل المباشر، وتم تشكيل مجموعة مهمتها عقد الاجتماعات مع المراجع لعرض الفكرة عليهم، وقد قوبلت هذه الفكرة بالرفض القاطع من الحوزة آنذاك؛ فذهب الشهيد الصدر للسيد الإمام الخميني العظيم وعرض عليه موقف الفكرة والمراجع بعد أن عرض عليه الفكرة واستشاره في الأمر، فأطرق السيد الإمام الخميني رأسه إلى الأرض وهو يعلم حجم المعاناة وأجاب: لا أعلم. فتراجع الشهيد الصدر عن فكرته.


  • [1] مسند أحمد بن حنبل، جزء 1، صفحة 52
  • [2] الحشر: 7
  • [3] الكافي، جزء 1، صفحة 58
  • [4] تاريخ الطبري، جزء 4، صفحة 407
  • [5] شرح النهج، المعتزلي، جزء 4، صفحة 51، بتصرّف
  • [6] أنساب الأشراف، جزء 5، صفحة 19
  • [7] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 33، صفحة 169
  • [8] الصف: 8
  • [9] التوبة: 106
  • [10] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء 44، صفحة 329
  • [11] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، جزء ٤٣، الصفحة ٢٧١
المصدر
كتاب يسألونك عن عاشوراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟