مواضيع

حقائق لفهم القضية الفلسطينية

وفي نهاية هذه الكلمة أرغب في ذكر مجموعة من الحقائق الرئيسية التي من الممكن أن تسهم في بلورة الوعي وتحديد الفهم والموقف الإسلامي من القضية الفلسطينية وبعض أهم ملابساتها:-

الحقيقة الأولى :-

أن قضية فلسطين .. هي : قضية إسلامية حضارية رسالية .. وحق وطني للفلسطينيين، وبالتالي فهي ليست قضية محلية تخص الفلسطينيين وحدهم .

الحقيقة الثانية :-

يجب على الفلسطينيين مقاومة الكيان الصهيوني .. وعدم الاستسلام له، وهم رأس الحربة في هذه المواجهة، ويجب على كافة المسلمين تقديم الدعم الشامل لهم من أجل تحرير فلسطين العزيزة وإنقاذها من براثن الصهيونية العالمية وقوى الاستكبار العالمي .

الحقيقة الثالثة :-

لا يجوز للفلسطينيين ولا لغيرهم تقديم أي تنازل للصهاينة بشأن أرض فلسطين والمقدسات الدينة فيها . 

وينبغي التنبيه هنا : إلى أن الأساس الذي قبلت بناء عليه الحكومات العربية وبعض المنظمات الفلسطينية بشرعية الاحتلال لأراضي ما قبل حرب ( 67 ) المتمثل في قبول الأمر الواقع المستند إلى قوة الكيان الصهيوني والدعم الأمريكي غير المتناهي لهذا الكيان الغاصب الخبيث وقرارات الأمم المتحدة .. واليأس من تغيير المعادلة، تصلح أن تكون أساسا لإعطاء الشرعية والاعتراف بالاحتلال الصهيوني لكل فلسطين العزيزة !! 

الحقيقة الرابعة :-

لا يصح الفصل بين الكيان الصهيوني وأمريكا في تحمل مسؤولية ما يحدث للشعب الفلسطيني على أرض فلسطين، وما يحدث لكافة العرب والمسلمين في جميع أنحاء العالم من ظلم واضطهاد وسرقة لثرواتهم ومنعهم من الحصول على أسباب القوة المشروعة والتقدم في الحياة . 

أيها الأحبة الأعزاء : يجب أن نعلم بأن أمريكا المجرمة قد وضعت كل علاقاتها الدولية في ميزان المصالح الصهيونية والسعي لتوفير كل عناصر القوة لهذا الكيان الغاصب الخبيث .. من جهة، وإفراغ الواقع العربي والإسلامي من عناصر القوة .. من جهة ثانية، وذلك ليبقى الإخلال بميزان القوى لصالح الكيان الصهيوني في المنطقة والعالم .. حقيقة أبدية . وهذا ما تشهد به الوقائع اليومية على الساحة الدولية .. لا سيما في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، المتشبعة بالولاء للصهيونية العالمية والحقد على العرب والمسلمين !!

وبالتالي : فإن التعويل على الدور الأمريكي للحصول على الحل العادل أو المقبول في فلسطين والعالم .. ليس في محله قطعاً، وهو من أوهام المتخاذلين والمنبطحين من الحكام والمنافقين المرجفين في الأرض من عملاء المشروع الأمريكي الخبيث .. والتوجهات الغربية الضالة .

الحقيقة الخامسة :-

يجب العمل على توحيد المعركة ضد الكيان الصهيوني وحلفائها .. مهما اختلف تكتيك المواجهة، ويجب الاعتقاد بوحدة المصير للأمة الإسلامية .. ولأعدائها .

قال الله تعالى : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } ( الأنفال : 73 )

وينبغي التذكير هنا برفض الكيان الصهيوني للتفاوض مع العرب مجتمعين وذلك للأسباب التالية حسب التحليلات السياسية:- 

  • لأن التفاوض مع العرب مجتمعين من شأنه أن يمثل مظهرا من مظاهر القوة السياسية لهم .. وهذا مما لا تريده أمريكا والكيان الصهيوني . 
  • لكي لا تبرز القضية الفلسطينية على أنها قضية متصلة بالاستراتيجية المشتركة بين الدول العربية .. وهذا أيضا مما لا تريده أمريكا والكيان الصهيوني .

وينبغي التذكير هنا بما وصف الله تعالى به اليهود في القرآن الكريم من كثرة الجدال بدافع العناد والرغبة في المعصية .. ومثال ذلك : جدالهم حول البقرة .

وقد ظهرت مفاوضات الحكومات العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية مع الكيان الصهيوني .. في النهاية : على أنها سبيل لحل مشكلة كل دولة عربية على حدة مع الكيان الصهيوني، وأن القضية الفلسطينية هي قضية الفلسطينيين وحدهم، وأنها شأن داخلي بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني، فهنيئا للحكام العرب وقوى المساومة بهذه النتيجة المخزية في الدين والدنيا !!

والمطلوب من الشعوب العربية والإسلامية : أن تكتشف وحدتها في القضايا المركزية الجوهرية المشتركة .. وأن تعززها بالقول والفعل، على مستوى التخطيط والتنفيذ بين القوى الشعبية المجاهدة .

أيها الأحبة الأعزاء : إننا نتطلع بشوق لذلك اليوم الذي تجتمع فيه قلوب العرب والمسلمين وتتلاحم سواعدهم أمام طواغيت الشرق والغرب وقوى الاستكبار العالمي .. وما ذلك على الله تعالى بعزيز .

قال الله تعالى : { وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين } ( الجاثية : 19 )

الحقيقة السادسة :-

أن المنهجية الكفيلة بتحرير فلسطين هي المنهجية الإسلامية في الجهاد، وأن العلمانية بكافة مدارسها غير قادرة على تحرير فلسطين، لأن رؤيتها لفلسطين رؤية قاصرة وغير ضامنة لتحريرها من براثن الصهاينة المغتصبين .. والاستكبار العالمي .

أيها الأحبة الأعزاء : إن الحركات والتيارات العلمانية في الحقيقة، أجسام غريبة في الكيان الإسلامي .. ونقاط ضعف فيه، وكان لبعضها أدوار تخريبية في كيان الأمة الاجتماعي والسياسي .. وفي ثقافتها وتاريخها، وقد أثبتت التجارب سقوط معظمها في المواجهة مع الاستكبار العالمي، تحت تأثير الهوى الثقافي الضال، والإغراءات المادية، والضغوط التي تحيط بالواقع العربي : سياسيا واقتصاديا وعسكريا، والضعف النفسي، والفراغ الروحي لها .. وهي في الحقيقة : جزء من خطط الاستكبار العالمي الثقافية والسياسية في العالم الإسلامي، والقائمين علي تلك الحركات هم أعظم المروجين والمنفذين لتلك الخطط الاستعمارية فيه، وليس لهم وهم الغرباء الذين يتغذون على الجيف الثقافية .. أي مستقبل سياسي أو ثقافي في عالمنا الإسلامي المبارك، وسيقذف الله تعالى بهم في مقبرة الوجود والتاريخ .

ومع كل ما سبق من التقييم لهذه الحركات والتيارات فإنه لا يصح – حسب المنهج القرآني العظيم – منعهم من حقهم في التعبير عن آرائهم، أو يمنع من الحوار والعمل المشترك معهم على الصعيد الوطني والقومي والدولي .. فالقرآن مثلا : يصف واقع الحال لأهل الكتاب بموضوعية تفرضها الأمانة العلمية والدينية والإنسانية .. ومع ذلك يدعوهم للحوار والعمل المشترك .

قال الله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) ( آل عمران : 64 )

والنتيجة التي نخلص إليها من هذه الفقرة : أن الإسلاميين الثوريين هم وحدهم الذين يعون حقيقة الاستكبار العالمي وخطورة الأوضاع المادية والمعنوية الناجمة عن اغتصاب الصهاينة المجرمين للقدس الشريف وفلسطين العزيزة، وهم وحدهم القادرون على تحمل مسؤولية التحرير وإفشال مخططات التهويد والتطبيع ورفض الهيمنة الاستكبارية ومقاومتها في العالم الإسلامي .. ودفع الثمن الصعب لتحقيق ذلك الهدف المقدس العظيم .

وعليه فإن المطلوب من القيادات الإسلامية اليوم : أن تتحمل مسؤوليتها الدينية والتاريخية والوطنية، وتسعى لتحريك الشارع الإسلامي الغيور، وتقوم بالتعبئة الشاملة لقدرات الأمة الإسلامية ( وهذه مسؤوليتها الخاصة ) وذلك للقضاء على عوامل الضعف والاختراقات الثقافية والسياسية والأمنية، وللضغط على الواقع الرسمي الاستسلامي المنهزم أمام قوى الاستكبار العالمي والكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العزيزة، ومن اجل إحداث إصلاحات داخلية جوهرية شاملة في البلاد العربية والإسلامية .. مع التأكيد هنا : على أن الجماهير هي وحدها القادرة على أن تفعل ذلك وتقول الكلمة الفصل في هذا الموضوع، وليس للحركات المعزولة عن الجماهير مثل هذا التأثير قطعا، وسوف أشير إلى هذا الموضوع في مكان آخر في نهاية الحديث .

الحقيقة السابعة :-

لقد أثبتت التجارب بأن منهجية الحكومات العربية الفكرية والسياسية منهجية خاطئة، فهي منهجية علمانية قاصرة عن إدراك الأبعاد الروحية والمعنوية للقضية الفلسطينية، ولذلك فهي تسمح بالتفريط في أرض فلسطين والمقدسات الدينية فيها، وهي منهجية مرتبطة بالغرب وتتسم بالضعف وتختزن الهزيمة النفسية والروحية في خطواتها وتطلعاتها، وتقوم على المساومات السياسية المفضوحة مع الأعداء، ولا ينفصل ذلك عن كونها حكومات مستبدة غير منتخبة من الشعوب، وقد أصبحت سياسيا : رموزا للذل والوهن وفقدان الدور والمكانة في العالم .

إن واقع الحال للحكومات العربية اليوم .. يقول : أنها تسعى للتحرر من القضية الفلسطينية بدلا من السعي لتحرير فلسطين، لأن القضية الفلسطينية في حساباتهم السلطوية المادية والدنيوية الدنيئة، تمثل عبئا ثقيلا على واقعهم اللهوي والأمني والسياسي والاقتصادي، وتعيق انطلاقتهم مع العولمة وكسب ود رب نعمتهم أمريكا المجرمة .

أيها الأحبة الأعزاء : يجب أن نعلم بأن تقاعس الحكومات العربية في بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، كان من أهم العوامل التي أدت إلى رسوخ هذا الاحتلال وفرضه كأمر واقع على الفلسطينيين والعالم .. وتقاعسهم اليوم : من أهم العوامل التي أدت إلى ما نشهده اليوم في فلسطين العزيزة من القتل والتشريد الجماعي ومن مآسي مفجعة تدمي قلوب الشرفاء في العالم .

الحقيقة الثامنة :-

أن التعويل في تحرير فلسطين يقوم حقيقة على حركات التحرير الشعبية في فلسطين والبلاد العربية والإسلامية، ويجب التنبيه إلى أنها لن تنجح في القيام بهذا الدور الديني والتاريخي والإنساني، إلا إذا نجحت في استنهاض الجماهير وإحداث إصلاحات داخلية في الدول العربية والإسلامية، وتخلصت من الأنظمة الدكتاتورية، ورفضت الخنوع لقوى الاستكبار العالمي، وملكت استقلالها الفكري والنفسي والسياسي والاقتصادي عن قوى الشرق والغرب .

أيها الأحبة الأعزاء – إنني أؤكد لكم هنا : على أن الاستقلال الفكري والنفسي أسبق من الاستقلال السياسي والاقتصادي، وأن التبعية الإسلامية لأي قوة في العالم غير جائزة شرعا .. بإجماع المدارس الفقهية الإسلامية، وأنها تتنافى مع المكانة المعنوية والدور الرسالي الذي شرف الله تعالى الأمة الإسلامية النهوض به . .. وفرضه عليها

قال الله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 )

كما أؤكد لكم : التلازم بين الإصلاحات الداخلية في البلاد العربية والإسلامية، وبين النجاح في تحرير القدس الشريف واسترداد المكانة الضائعة للمسلمين في العالم، فلن تستطيع الحركات الإسلامية الشعبية أن تحقق النجاح في تحرير فلسطين العزيزة واسترداد المكانة المعنوية والدور الرسالي للأمة الإسلامية، إلا إذا نجحت في تحقيق إصلاحات داخلية جوهرية شاملة في البلاد العربية والإسلامية . 

المصدر
كتاب القدس صرخة حق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟