مواضيع

أنها أنزلت بمقتضى الرحمة الإلهية

قول الله تعالى: <وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ>[1]، وقول الله تعالى: <فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ>[2]

أي: أنّ الرسالة المحمدية العظيمة هي من مظاهر وتجليات رحمة الله سبحانه وتعالى العامة والكاملة لكافة الناس المؤمنين والكافرين، وفي الحديث النبوي الشريف: «إنما أنا رحمة مهداة»[3]، وذلك يدل على أمور عديدة، منها:

  1. فضل الله العظيم على النبي الكريم محمد بن عبدالله (ص) وعلى الناس كافة المؤمنين والكافرين، إذ منّ عليهم وتفضّل وتحنّن بالنبي الأكرم (ص).
  2. أن الرسول الأعظم الأكرم (ص) يتحلى بأخلاق فاضلة كريمة، قول الله تعالى: <وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ>[4]، وبأكمل الصفات الممكنة لمخلوق، وأنه مفطور على الرحمة، وتظهر في جميع أحواله وسلوكه ومواقفه وتصرفاته.
  3. أنّ لوجود النبي الكريم (ص) آثار حسنة على جميع الناس، آثار تترتب تلقائياً على مجرد وجوده المبارك، مثل: قول الله تعالى: <وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ>[5]، وآثار تترتب على عمله ونشاطه وجهاده المبارك في مختلف الميادين على كافة الأصعدة الفكرية والروحية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية وغيرها.
  4. أن الرسالة المحمدية العظيمة فيها المظهريّة التامّة الكاملة للرحمة الإلهية ولصفات كماله وجلاله، ولأخلاق النبي محمد (ص) ولصفات كماله وعظمته ورحمته التي يقود بها الناس ويربيهم التربية الحقيقية الكاملة الشاملة لجميع الجوانب الفكرية والروحية والأخلاقية والسلوكية، ويمثل لهم القدوة الحسنة والمثل الأعلى، قول الله تعالى: <لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا>[6].
  5. أنّ الرحمة والبرّ بالناس والإحسان إليهم والتودد إليهم من صفات الله، وأمسها حاجة بالناس. أنّ الملكية المطلقة التامة والسلطة الكاملة والربوبية العظمى والتفرّد في التدبير التام، كلها لا تقوم على السطوة والجبروت في المقام الأول، وإنما على الرحمة الواسعة الشاملة والشفقة التامة بالخلق والتودد إليهم والإحسان لهم والبر بهم، وإرادة صلاحهم وخيرهم وكمالهم وسعادتهم الحقيقية في الدارين الدنيا والآخرة، مما يدفع الإنسان للاستغراق التام في العبودية لله ذي الجلال والإكرام وسلوك طريق العشق والمحبة والطاعة والتسليم المطلق له والانقطاع التام إليه عن غيره ونزع ولاية غيره من قلبه، الأمر الذي لا تتم حقيقة الإيمان الكامل إلا به، قول الله تعالى: <لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ>[7]، ويجاهد نفسه غاية المجاهدة ولا يطلب لنفسه شيئاً سوى ما يريده الله سبحانه وتعالى له.

وقد وصف الله نفسه بالرحمة التي هو مصدرها الوحيد، فكل رحمة في غيره، فأصلها من فيضه. وكتب الرحمة على نفسه، أي: فرضها وأوجبها على نفسه فرض وإيجاب تفضّل وكرم وبرّ وإحسان، لا بإلزام لازم ولا بحساب محاسب، وأثبتها قضاءً حتماً على نفسه؛ لأن ذاته المقدسة غنى وفيض مطلق ملؤها الرحمة، وسواه فقير محتاج إليه في وجوده وصفاته وأفعاله وكمالاته، ومحتاج إلى فيضه ورحمته.

ومن أسماء الله الحسنى: الرحمن الرحيم:

  • الرحمن: صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة وبلوغ الغاية في الرحمة الواسعة العامة المطلقة التي تعم المؤمنين والكافرين.
  • الرحيم: صيغة تدلّ على الثبات والبقاء والديمومة والعظمة وهي تخصّ المؤمنين.

وهذا يعني: إفاضة النعم التكوينية والتشريعية على العباد، وإنزال الخير إليهم والإحسان والبرّ بهم، ورفع حاجة كل محتاج، وإعانة كل ضعيف، وإيصال الموجودات إلى كمالها اللائق بها والمقدر لها بحسب قابلياتها واستعداداتها التكوينية والإرادية، وهذا يتطلب أمور عديدة من الله (عز وجل) بخصوص الإنسان، منها: إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأدلة لهداية الناس، وأن لايعاجل المسيئين بالعقوبة على أعمالهم السيئة ويقبل توبتهم ويعفو عنهم ويغفر لهم، قول الله تعالى: <وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ>[8]، وأن يخاطبهم على قدر عقولهم ويكلّفهم على قدر الوسع والطاقة، ويأتي بكل ما يلزم لصلاحهم وكمالهم وسعادتهم في الدارين الدنيا والآخرة، ويلبي جميع احتياجاتهم المادية والمعنوية، الفردية والمجتمعية، الدنيوية والأخروية.

  • أن يبعث الناس بعد الموت ليجازيهم على أعمالهم جزاءاً وفاقاً، أي: موافقاً لأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فيثيب المحسن ويعاقب المسيء. وذلك لقابلية الإنسان للخلود فيلبسه لباس حياة جديدة أبدية أشرف وأوسع وأعلى مرتبة وأعظم فضلاً، وقيل: لولا الوعد والوعيد وخوف العذاب في يوم القيامة لمال الكثير من الناس إلى المعصية والجريمة والرذيلة وترك الطاعة والفضيلة، فصار التهديد بعذاب يوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة، وتركه مخالف للحكمة، وفيه نقض لغاية خلق الإنسان التي تعلّقت بها الإرادة الإلهية حين خلق الإنسان، وهي إيصال الإنسان إلى كماله وتحصيل سعادته الحقيقية الكاملة.

وقد انعكست الرحمة الإلهية على شخصية الرسول العظيم (ص) فكان مظهراً للرحمة الإلهية ورحمة للعالمين، وتعامل مع الناس على أساس الرحمة، قول الله تعالى: <فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ>[9]، وقول الله تعالى: <لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ>[10] وهذا يعني ضرورة أن يتحلّى المؤمنون بالرحمة وحسن المعاملة مع الآخرين والرأفة بهم؛ لأنّ الإيمان من تجلّيات الرحمة الإلهية ولايمكن أن ينفصل أو يتخلّف عنها، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بالتراحم، قول الله تعالى: <ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ>[11]، أي: يوصي المؤمنين بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه، والاستقامة على الصراط المستقيم ونهج الاعتدال القويم والطريقة الوسطى، والصبر على الطاعة لله (عز وجل) وترك المعاصي الظاهرة والباطنة – معاصي القلب – والصبر على ما يصيبهم من البلايا والمصائب والمحن طلباً لمرضاة لله ذي الجلال والإكرام.

ويوصي بعضهم بعضاً كذلك بالرحمة والمودة وحسن الخلق والشفقة على خلق الله وعباده والإحسان إليهم والبرّ بهم ومساعدتهم على قضاء حوائجهم وحفظ مصالحهم الدينية والدنيوية، خاصة ذوي الفقر والحاجة والمسكنة، والتعاطف مع المظلومين والضعفاء ونصرتهم، والتعاون على تحقيق العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة الطيبة لجميع الناس وتحرير الضعفاء من الذلّ والعبودية، والأمر بالمعروف وسلوك طريق الخير والنهي عن المنكر وسلوك طريق الشر، وإيجاد الترابط والتلاحم والتعاون والتماسك بين الناس لتلبية كافة احتياجات المجتمع وتحقيق الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار ومواجهة المصاعب والكوارث والمشاكل والأزمات والتغلّب عليها وقهرها والاستمرار في مسيرة التقدم والتحضّر.

وقد خصّ الله تبارك وتعالى التواصي بالصبر والتواصي بالرحمة – التراحم – بالذكر من بين جميع أوصاف المؤمنين الحميدة التي هي تجلّيات جمال الله وجلاله، وهي كثيرة جداً؛ لأنّ الصبر والرحمة هما أشرف صفاتهم بعد أصل الإيمان واليقين، فالصبر هو الطريق إلى الطاعة والأعمال الصالحة وترك المعاصي والذنوب والجرائم الظاهرة والباطنة، والوصول إلى قمة الخير والصلاح والكمال والفضيلة والسعادة، أي: الكمال التربوي، وفيه تعظيم كبير لأمر الله سبحانه وتعالى، والتراحم هو الطريق إلى صلاح المجتمع ورقيه وازدهاره، أي: الكمال الحضاري، والكمال التربوي والكمال الحضاري هما غاية الخلق للإنسان وهدف المسيرة الاجتماعية التاريخية للبشرية.

وفي الحديث النبوي الشريف: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى« ارحمُوا من في الارض يرحمكم من في السماء»[12].

وفيه أيضاً: «من لا يَرحم لا يُرحم ومن لا يَغفر لا يُغفر له ومن لا يتب لا يتوب الله عليه»[13]

وفيه كذلك: «من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمهُ الله يوم القيامة»[14]

وما سبق من الحديث عن تجلّيات الرحمة الإلهية في الرسالة المحمدية يدلُّ على أمور عديدة، منها:

  • إنّ اتباع الرسالة المحمدية ودين محمد (ص) يوصل الإنسان إلى كماله الحقيقي المعرفي والتربوي والحضاري، ويحقق للإنسان السعادة والطمأنينة والسكينة والابتهاج والغبطة في الدارين الدنيا والآخرة.
  • إنّ الرسالة المحمدية والشريعة الإسلامية السماوية السمحة وكل ماجاء به الرسول الأعظم الأكرم (ص) من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة ودعى إليه من الأعمال الصالحة موافقة للعقل والمنطق والفطرة السليمة وأصل الخلقة والتكوين، وفيها صلاح الأفراد والمجتمعات ومصالحهم الحقيقية الدنيوية في دورة الحياة الكاملة العرضية في المكان والجغرافيا، والطولية في الزمان والتاريخ ومصلحتهم الأخروية، وهي أوسع رحمة بالناس من جميع الأديان والشرائع السماوية السابقة والأرضية.

أمّا الأديان الأرضية: فذلك في غاية الوضوح والمنطق؛ لأنّ الرسالة المحمدية من ربِّ رحيم عالم حكيم، والإنسان عاجز بذاته عن أن يأتي بالتشريعات التي تكفل جميع مصالحه الفردية والمجتمعية، المادية والمعنوية، القريبة والبعيدة، الدنيوية والأخروية، وهو أمر ثابت بالعقل والتجربة وسبق بيانهُ وإثباته.

وأمّا الأديان السماوية السابقة: فمع أنها مملوءة بالرحمة والرأفة والشفقة على الناس؛ لأنها من تجليات رحمة الله ذي الجلال والاكرام، قول الله تعالى: <ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ>[15]، وقول الله تعالى: على لسان نوح (ع) <قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ>[16] ومثلها على ألسن غيره من الأنبياء الكرام (عليهم السلام)، لكن الرسالة المحمدية الخاتمة للرسالات السماوية هي أتمّ الرسالات وأكملها وأشملها وأظهرها لرحمة الله الواسعة التي تتجلى فيها أكثر من غيرها من الرسالات السماوية، وهي نهائية وثابتة وغير قابلة للنسخ التغيير والتبديل وعالمية وعامة لكلّ البشر على طول التاريخ وعرض الجغرافيا حتى نهاية التاريخ وانقضاء الحياة الإنسانية على وجه الأرض.


  •  الأنبياء: 107-[1]
  •  آل عمران: 159-[2]
  •  التفسير المبين، صفحة 432-[3]
  •  القلم: 4-[4]
  •  الأنفال: 33-[5]
  •  الأحزاب: 21-[6]
  •  البقرة: 256-[7]
  •  الأنعام: 54-[8]
  •  آل عمران: 159-[9]
  •  التوبة: 128-[10]
  •  البلد: 17-[11]
  •  كنز العمال، الحديث: 5969-[12]
  •  كنز العمال، الحديث: 5966-[13]
  •  كنز العمال، الحديث: 15614-[14]
  •  الأنعام: 154-[15]
  •  هود: 28-[16]
المصدر
رسول الرحمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟