مواضيع

الرسالة رحمة في الدين والدنيا

وكانت الرسالة الإلهية والدعوة المحمدية رحمة للناس جميعاً في الدين والدنيا:

  • في الدين (وهو الأكثر أهمية): لأنه بعث بالدين الإلهي الحق الذي ينقذ الجميع، وكان الناس في جاهلية وضلال وفساد الأخلاق وقبيح الأعمال وانتشار الظلم والجور والفجور والخيانات ونحو ذلك، حيث كان يعم الشرك وعبادة الأصنام وهيمنة الخرافات والعادات والتقاليد السيئة البالية، وكانت الشعوب المتحضرة، مثل: الروم وفارس، يعانون من التفاوت الطبقي الفاحش وظلم الحكام المستبدين وجورهم، مع يأس المصلحين وجسامة تضحياتهم وكثرتها، ولم يكن هناك دين سماوي صحيح ينهض بمسؤولية التغيير ويُصلِح أحوال الناس الخاصة والعامة في أمور الدين والدنيا والآخرة الفكرية والروحية والأخلاقية والسلوكية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، ويؤدي دور الرسالة الإلهية المطلوب في الهداية والإصلاح والإرشاد، ولم يكن هناك مصلح رباني قوي وموثوق به.

وكان أهل الكتاب اليهود والنصارى في حيرة من أمرهم وضياع؛ لطول انقطاع الوحي عنهم وتحريف كتبهم السماوية المنزلة التوراة والإنجيل، فدخلت فيها التناقضات والخرافات والمنكرات التي لا تتناسب مع جلال الله وكماله وساحة قدسه وعظمة رسالته، ولم تعد تصلح لهداية الناس وإرشادهم وإنقاذهم من ظلمات الجهل والضلال ومتاهة الضياع وإبعادهم عن الشرور والفساد والأعمال السيئة والجرائم والمنكرات في العقيدة والأخلاق والسلوك.

ووقع بين أهل الكتاب الاختلاف، وتحولت اليهودية إلى دين قومي ضيّق الأفق والمصالح، يخدم جماعة قليلة من الناس، يزعمون أنهم شعب الله المختار، ويرتكبون صنوف الجرائم والشرور باسم الله والدين من أجل مصالحهم الضيّقة.

وتحوّلت المسيحية إلى رهبانية مفرطة معزولة عن واقع الحياة، وإطلاق أيدي الحكام المستبدين الظلمة في تدبير شؤون الناس بالظلم والجور والباطل والتحكم في مصائرهم باسم الله والدين بغير وجه حق، على قاعدة «ما لقيصر لقیصر، وما لله لله» أي: تقسيم الحق في الناس بين الله وبين القيصر، وجاء في العهد الجديد: «لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة، فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل للشريرة»[1] وفي ذلك إساءة بالغة لله سبحانه وتعالى وللدين الإلهي الحق وللحقيقة، بنسبة الجرائم والرذائل والمنكرات التي يأتي بها الحكام المستبدون الظلمة إليه (عز وجل)، فتسقط حرمة الدين الإلهي وقدسيته ورموزه في النفوس، وتعطي المبررات العملية للمعصية والخروج على الدين الإلهي الحنيف والاستهانة بتعاليمه وأحكامه والمقدسات الشرعية.

وبذلك صار الدين الإلهي ألعوبة بأيدي مجموعة قليلة من الفاسدين المارقين من رجال الكنيسة والحكام المستبدين الظلمة، يتحكمون فيه بحسب أهوائهم ومصالحهم كما يشاؤون، فضاعت معالم الدين الإلهي الحق وحدوده، وانقلبت التعاليم الدينية من تعاليم إلهية مقدسة إلى تعاليم وضعية بشرية تافهة وجائرة وظالمة.

مع التنبيه إلى أن رسالة بولس الرسول تصلح لأن يُستدلّ بها على إنحصار الحاكمية في الله سبحانه وتعالى، ووجوب طاعة أئمة الحق وحرمة الخروج عليهم، على غرار قول الله تعالى: <يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ>[2]، إلّا أنّ الواقع هو فهمهم بالشكل الذي سلف ذكره وبيانه، وهو نفس الأمر الذي وقعت فيه طائفة من المسلمين الذين أوجبوا طاعة الحكام المستبدين الظلمة، وحرمة مخالفتهم والخروج عليهم، مخالفين في ذلك ضروريات العقل والدين الحنيف.

وفي ظل جميع ما سبق ذكره وغيره، فقد وقع فراغ ديني ورسالي كبير، ولم يعد في الإمكان لطالب الدين الإلهي الحق الوصول إليه وتحصيله، فبعث الله تبارك وتعالى الرسول الأعظم الأكرم (ص) رحمة للعالمين في الوقت المناسب؛ ليبين للناس معالم الدين الإلهي الحق وحدوده، ودعاهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة بعد أن بيّنه لهم وأقام الحجة عليه وكشف لهم عن سبيل الهداية والرشاد والصلاح والخير والسعادة.

فمن آمن به وصدّقه وقَبِل منه واقتدى به اهتدى وفاز في الدارين الدنيا والآخرة، ومن كذّبه وكفر برسالته وخالفه فقد ضلّ وخسر خسران مبيناً وشقى وهلك في الدارين الدنيا والآخرة، وهذا المصير الأسود البائس الذي يصير إليه هؤلاء الجهلة الحمقى المعاندين لا يخدش في عموم الرحمة؛ لأنه لحق بهم بسبب سوء اختيارهم، وخروجهم بمحض إرادتهم عن دائرة فيض الرحمة الخاصة، وهي قبول الهداية والإيمان بعد قيام الحجة والبيان والعمل بمقتضاهما، ولأنهم لا يحرمون من فيض الرحمة العامة التي ينالونها بمقتضى الآثار الطبيعية المرتبة على وجود الرسالة والرسول أراد الكافرون ذلك أم لم يريدوا.

  • في الدنيا: وأما عن كون الرسالة المحمدية رحمة للناس جميعاً في الدنيا، فذلك لأنه نشر بينهم العلم والمعرفة والقيم السماوية العليا والشريعة السمحة، وأتى إليهم بوسائل وأساليب الحياة الطيبة والحضارة الإنسانية الراقية المتوازنة، وقضى على الفتن الجاهلية والصراعات والحروب القبلية ونحوها، وعلى العادات والتقاليد الجاهلية البالية ومظاهر الذل والهوان والتخلف والظلم والتفاوت الطبقي والعرقي في المجتمع، وصان الحقوق وكرامة الإنسان وكافة الحرمات والمقدسات، يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (ص) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ أَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ»[3].

وقول فاطمة الزهراء (عليه السلام): «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ الْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلى الله عليه وآله بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي»


  •  رسالة بولس الرسول إلى أهل الرومية، الإصحاح الثالث عشر: 1-4-[1]
  •  النساء: 59-[2]
  •  نهج البلاغة، خطبة 26: من خطبة له (ع) وفيها يصف حاله قبل البعثة ثم يصف حاله قبل البيعة له.-[3]
المصدر
رسول الرحمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟