مواضيع

المفاوضات مع أمريكا


جدول المحتويات

الموضوع الأساسي الذي أريد التحدّث حوله اليوم، وهو ما كنت قد أشرت إليه ضمن حديثي في الأسبوع الماضي إلّا أنّ تساقط الثلج لم يترك مجالاً لمتابعة ذلك الموضوع، كما وإنّ قضايا أخرى قد استجدّت حديثاً أوجبت عليَّ متابعتها، ومن ضمنها الضجّة الإعلاميّة التي أثيرت في الأسبوعين الأخيرين واستقطبت إليها أنظار العالم، وما اعتبر خبراً جديداً عن العلاقات بين إيران وأمريكا، وهذا ما سبق أن أشرت إليه وسلّطت عليه الأضواء في الخطبة التي ألقيتها في أول جمعة من شهر رمضان.

ثمّة لعبة إعلاميّة تعدّ لها حاليّاً وبشكل أساسي الأجهزة الأمريكيّة وتوابعها من أجل إضفاء طابع حقيقي على أكذوبة مفضوحة، وإخفاء حقيقة واقعيّة وطمسها بالمقابل، في سبيل تمرير أغراضهم، وهذا المدّ الإعلامي صادر أساساً من قبل الأجهزة الإعلاميّة في خارج البلد، إلا أنّ له انعكاساته في الداخل أيضاً.

بعض الأشخاص ممّن انتماؤهم الثوري ليس كما يجب وبخلاف ما نتوقّعه من المتولّين لأمور الصحافة؛ وللأسف ينشرون في بعض الصحف ما يمثّل تماهياً وانعكاساً لما ينشره أعداء الثورة وأعداء الشعب الإيراني والتابعين للاستكبار في العالم أو كما ينشر في أمريكا؛ إنّ هذا لأمر مؤسف.

القضيّة التي أثاروا حولها الضجّة هي أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران تريد إعادة النظر في علاقاتها مع أمريكا! و روّجوا لهذا الموضوع واعتبروه خبراً جديداً، ولكنّهم في الحقيقة أثاروا ضجّة وضخّموا موضوعاً واهياً لا أساس له من الصحّة، ولا شكّ أنّ لهم من وراء ذلك مقاصد، وهي مقاصد خطيرة على الشعب الإيراني، إنّهم يسعون وراء مصالحهم ويقومون بعملهم؛ أمّا نحن فيجب علينا معرفة أفعال العدو حتى وإن لم نتّخذ أي خطوة عمليّة في مقابل ذلك، يجب أن نعرف ماذا يفعل وأن لا نسمح للعدو بفعل ما يشاء على الصعيد الإعلامي ضد الشعب الإيراني وضد البلد وضد المسؤولين ونلتزم جانب الصمت، بل لابدّ من معرفة أهداف العدو وغاياته.

بالتأكيد إنّ بعض وسائل الإعلام تعكس آراء صحيحة وصائبة يدلي بها بعض المسؤولين، ففي ليلة البارحة شاهدت مقابلة أجراها التلفاز مع وزير الخارجيّة المحترم وتحدّث فيها بكلام جيّد صحيح، ولا أقول أنّ المسؤولين لا يقولون ما يجب أن يقال، إلّا أنّ من واجبي أيضاً أن أعرض الوقائع وأصل المسألة على الشعب، و أؤكّد هنا أنّ هذه ليست هي المرّة الأولى، فقد وقعت أمثال هذه القضايا قبل هذا، وخاصّة في تلك المرّة التي يمكن مقارنتها بالوضع الحالي إلى حد ما، فقد أثاروا من بعد رحيل الإمام ضجّة كبيرة أيضاً، حتى أنّ الصحف كتبت بعض المقالات وكتب بعض المناوئين للثورة أموراً وخطّؤوا فيها عهد الإمام صراحة إلاّ أنّ الصفعة التي جاءتهم من الشعب لم تسمح لهم بالاستمرار على ذلك النهج، لكن الضجّة هذه المرّة جاءت بشكل أوسع وعلى نحو يختلف عمّا كان عليه في المرّات السابقة.

أمّا الذريعة التي اتّخذوها لإثارة هذه الضجّة فهي التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهوريّة المحترم قبل عدّة أيام، وهذا في الحقيقة ظلم كبير للشعب الإيراني ولرئيس الجمهوريّة، وطمس للحقيقة وإخفاء لما لا يريدون للناس الاطّلاع عليه. إنّه أمرٌ عجيب في الواقع!

لابدّ من الإشارة بدءاً إلى أنّ تلك التصريحات قد بيّنت بوضوح مواقفنا المبدأيّة في مجال العلاقات مع أمريكا ومع إسرائيل، وأوضحت جميع ما ينبغي إيضاحه وقد أصغيت لها تمام الإصغاء، وقد ذكر رئيس الجمهوريّة فيها ما كان يجب قوله بشأن التفاوض مع أمريكا، وما يجب أن يقال عن العلاقة مع أمريكا، وما يتعلّق بإسرائيل، وما يتعلّق بالمجاهدين الفلسطينيّين، وما يرتبط بالقضايا الداخليّة وكان كلامه جيّداً جدّاً، وقد دعوت الله له ولوزير الخارجيّة ولبعض المسؤولين الآخرين الذين كانت لهم مواقف حسنة في هذه المجالات.

أمّا إذا كانت هناك قضايا تتعلّق بالأذواق والسلائق، وبلهجة الكلام ولحنه فلا شأن لنا بها، أمّا القضايا المبدأيّة والمهمّة وهي المفاوضات والكيان الصهيونيّ وما يتعلّق بذلك فقد عُرضت بكلّ وضوح، فإذا لم يشأ العدو الإذعان لهذه التصريحات لأنّها جاءت خلافاً لرغباته، فهو عدو! وماذا نتوقّع من العدو؟

يجب أن نفهم هدف العدو وأغراضه، وما هي الغايات التي يستهدفونها من وراء الضجّة الإعلاميّة التي تثيرها أجهزة الدعاية الأمريكيّة وخصومنا، ويؤكّدون فيها على أنّ إيران تريد التفاوض مع أمريكا، وتريد إقامة علاقات تدريجيّة مع أمريكا؟!

ما هو الهدف؟

من المسلّم به أنّهم لا يستهدفون من وراء ذلك غير الجمهوريّة الإسلاميّة والشعب الإيراني، وكثيراً ما كان الشعب الإيراني على مدى هذه التسعة عشر عاماً منذ انتصار الثورة عرضة للطعن والإهانات والاتّهامات من قبل الحكومة الأمريكيّة ومن قبل أجهزتها الإعلاميّة كالصحف والإذاعة والتلفاز، بالقدر الذي استطاعوا أهانوا وكذّبوا وخانوا، وفي فترة الحرب التي استمرّت ثمان سنوات وفي القضايا الاقتصاديّة، لم يصدر منها موقف واحد لصالحنا! وهي لازالت تسير على هذا المنوال حتى يومنا هذا.

فما هو هدفهم إذن؟ إنّهم يستهدفون من وراء ذلك عدّة أمور أشير إليها بإيجاز وعليكم أنتم أن تفكّروا في هذه الأمور، وخاصّة أنتم الشبّان المتعلّمون والطلّاب والجامعيّون وطلبة العلوم الدينيّة، فكّروا وتأمّلوا بدقّة في هذه القضايا لأنّها شديدة الأهميّة.

ففي أمثال هذه القضايا التي تبدو صغيرة قد يُصاغ مستقبل شعب بأكمله، وخاصّة في مثل هذه البرهة، وإذا لم يدرك الشعب والشباب والمسؤولون حقيقة الأمور، قد تُفتح لا سمح الله ثغرة صغيرة تؤدي إلى هدم كل شيء، هذا ما يحصل عادةً، لذلك فمن المهم أن يكون هناك دقّة عالية.

ما هو الهدف الذي تبتغيه أمريكا وإمبراطوريتها الدعائيّة من وراء القول أنّ إيران راغبة بالتفاوض مع أمريكا؟

إنّها تستهدف من وراء ذلك عدّة أمور منها:

الهدف الأول: تحويل الأداة التي كانت حتى يومنا هذا سبباً في وحدة الشعب إلى أداة اختلاف بين أبناء الشعب.

حتى الآن، وبما أنّ الشعب الإيراني يدرك أنّ أمريكا هي عدوته، فهو متأهّب لمواجهتها وحتى إذا كانت ثمّة اختلافات جزئيّة فهو يتفاداها ويتّحد بوجه أمريكا.

إذن فمواجهة أمريكا كانت إحدى الوسائل لوحدة هذا الشعب وهم يستهدفون من وراء هذا الضجيج إحالة أداة الوحدة هذه إلى أداة للاختلاف بين هذا وذاك، فهذا يدعو إلى التفاوض والآخر يرفض وغيره لا يرى فيه من بأس! ولأجل إثارة الجدل بين هذه الفئة وتلك ولكي تتحوّل هذه الوحدة الجماهيريّة الصلبة بين أبناء الشعب بوجه العدو إلى اختلاف ونزاع.

والهدف الثاني: هو أنّهم يحاولون من وراء تكرار هذه القضيّة إزالة قبح العلاقة مع أمريكا من أذهان شعبنا الذي يرى العلاقة مع أمريكا من أقبح الأشياء، ولديه في رؤيته هذه دلائل منطقيّة سأشير إليها، فهدفهم هو إزالة قبح هذه القضيّة كما فعلوا مع العرب حول قضيّة إسرائيل؛ كانت الدول العربيّة ذات يوم ترى الحوار أو العلاقة مع إسرائيل بل وحتى مجرّد ذكر اسمها من أقبح الأمور ولكنّهم عملوا من خلال طرح قضيّة التفاوض وإثارة تلك القضيّة وتقديم شخص في الواجهة وطرد شخص من الصف العربي وإلقاء المسؤوليّة على عاتقه على إزالة قبح هذه القضيّة، إلى أن أضحت حتى الدول العربيّة التي لا حدود لها مع إسرائيل ولا ضرر ولا تهديد عليها منها تتحدّث في مجامعها عن التفاوض مع إسرائيل! فما هو وجه الضرورة في ذلك؟ إلا أنّهم عملوا لأنّ قبح ذلك قد اشترى.

إنّ للشعب الإيراني أسبابه المنطقيّة واستدلالاته الرصينة في اعتباره الحكومة الأمريكيّة عدوّة له، وهو ما سأشير إليه لاحقًا، وهذا ما تعلّمته جميع شعوب العالم من الشعب الإيراني وباتت تنظر إليه بعين التكريم والاحترام، بينما يرمون هم إلى إزالة قبح الحوار وتحويله إلى أمر عادي وطبيعي.

الهدف الثالث: من المهم بالنسبة لأمريكا بصفتها قوّة عظمى أن تتفاوض مع إيران، وقد يتعجّب البعض ويقول وما أهميّة إيران حتى تهتم أمريكا مع ما توصف به من قوّة عظمى للجلوس مع إيران على طاولة المفاوضات؟ أجل إنّه أمر مهم جداً بالنسبة لها، وبما أنّها دولة كبرى فهي تبدي اهتماماً فائقاً لهذه القضيّة، فالقوّة العظمى هي تلك القوّة الأعظم من سائر القوى السياسيّة في العالم والقادرة على فرض إرادتها عليها.

كانت في هذا العالم قوّتان كبيرتان هما أمريكا والاتّحاد السوفيتي، وكان لكل منهما منطقة نفوذ وكان بإمكانهما أن تفعلا ما تشاءان، حتى أنّ أمريكا نصبت صواريخها في أوروبا في مقابل الاتّحاد السوفيتي ولم يكن أمام الأوربيّين سوى القبول بذلك لأنّها كانت في واجهة الدفاع ضدّ الاتّحاد السوفيتي السابق، وكان الاتّحاد السوفيتي يفعل مثل ذلك في مناطق نفوذه، والآن وبعد انهيار الاتّحاد السوفيتي أخذت أمريكا تدّعي وتسعى بشدّة لإيجاد نظام ذي قطب واحد في العالم، لتكون هي القوّة المهيمنة على إمبراطوريّة كبرى اسمها العالم.

وهذا الكلام لا يتورّع أصحاب النظر من الساسة الأمريكيّين عن التصريح به، وإنّما ينشر في الصحافة الأمريكيّة وتصدر المقالات السياسيّة الفكريّة بهذا المضمون، وقد قرأت قبل حوالي شهر ونصف مقالة في إحدى الصحف الأمريكيّة بقلم كاتب سياسي أمريكي شهير يخاطب فيها العالم قائلًا: ما ضير أن تكون أمريكا على رأس إمبراطوريّة واحدة في العالم؟ فأمريكا اليوم كذا وكذا!! إنّهم يسعون اليوم في سبيل تلك المزاعم إلّا أنّ ثمّة بلد لا يبدي لهذه القوّة الكبرى بكلّ ادّعاءاتها السياسيّة ومزاعمها العالميّة أي احترام ولا يعير لها أيّة أهميّة، وذلك البلد هو الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

فالجمهوريّة الإسلاميّة والشعب الإيراني أصبح يُعرف في العالم بأنّه كاسر هيبة أمريكا، وسبق لي أن أكّدت مراراً أنّ اقتدار القوى العظمى يكمن في هيبتها، وهيبتها هي القادرة على أداء ما تريد، وإلّا فتلك القوى لا تدخل كلّ ميدان ولا تستخدم السلاح في كلّ مكان، وإنّما هيبتها وشوكتها وكلامها هو الذي يرغم الدول والحكومات الضعيفة والأحزاب السياسيّة على الخوف منها والتراجع أمامها، فإذا أصبحت إيران الإسلاميّة التي وقفت بوجه أمريكا منذ اليوم الأول – لأسباب واضحة ولم تستسلم لها وقالت لا نتفاوض مع أمريكا – إذا أصبحت مستعدّة للتفاوض، سيقولون حينذاك: ها قد اكتملت مقوّمات القوّة الكبرى، وها هي القوّة التي كانت تأبى الانصياع، قد انصاعت الآن وقبّلت الأعتاب، إنّ مجرّد المفاوضات وحدها مهمّة بالنسبة لهم.

من الطبيعي أنّ مسألة العلاقة ليست على هذه الشاكلة، أمّا الذي يحظى بأهميّة فائقة بالنسبة لهم هو أن تجلس إيران على طاولة المفاوضات؛ وإذا ما بدأت المفاوضات ستكون لقضيّة العلاقات حينذاك حكايات وقصص.

  • [1] خطبة صلاة الجمعة في مصلّى جامعة طهران بتاريخ 16-1-1998م


المصدر
كتاب التحليل السياسي في فكر الإمام الخامنئي كتاب التحليل السياسي في فكر الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟