مواضيع

لم أرَ مثيلاً له

لقد وهبني الله عزّوجل توفيق خدمة الشهيد ميرحسيني منذ بدايات عمليّة «والفجر 1» حتّى النهاية، وإنّني أقولها بصراحة أنّني ملكت أصدقاء كثر من شهداء الحرب، لكنّني لم أرَ مثيلاً له في مختلف العمليّات.

عالم لا متناهٍ من المعرفة

منذ أن كنت بخدمته، لم أره يترك نافلة الليل ولو مرّة واحدة. أو أنّني لم أرَ نافلة ليل لا يُتمّها الشهيد ميرحسيني بالبكاء. يشهد الله أنّنا كنّا نصحو بفضل بكاء هذا الشهيد العظيم؛ كان رجلاً مذهلاً، كان عالماً لا متناهٍ من المعرفة. كنت ألاحظ عندما يجتمع أفراد الكتيبة حوله ويهمّ بإلقاء خطاب معيّن، كان الجميع منذ اللحظة التي يبدأ فيها بـ«بسم الله» حتى انتهاء كلامه، يُسحرون به ويغرقون في كلامه تماماً مثل الأطفال الذين يترقّبون أن تلقمهم أمّهم الطعام.[1]

اعتبر الشهيد ميرحسيني المنقذ لكلّ العمليّات

لقد كان الشهيد ميرحسيني المنقذ لكلّ العمليّات. فعندما كان البعثيّون يشنّون هجوماً مضادّاً وكنّا نشعر بالضغط، كان مجرّد انتشار خبر قدوم ميرحسيني في الجبهة بمثابة قدوم فيلق بأكمله، كان يترك هذا القدر من التأثير في كلّ الجبهة.

أذكر في عمليّة «بدر» أنّه عندما شنّ البعثيّون هجوماً مضادّاً، انطلق ميرحسيني باتّجاههم، في ذروة تلك الصعوبات -في اللحظة التي كان الجميع يفكّر فيها بالتراجع- ذهب ميرحسيني وكان آخر العائدين. إنّني أجزم بأنّ ميرحسيني كان منقذ كلّ العمليّات. دور ميرحسيني كان في كفّة ودور سائر الكتائب في الكفّة الأخرى!

لم أرَ ميرحسيني يمدح نفسه يوماً بأنّني كنت المنقذ للعمليّة الفلانيّة و… كان مجهولاً إلى أقصى الحدود. قبر ميرحسيني اليوم قبرٌ عاديّ في منطقة نائية وبعيدة؛ لا يعلم أحدٌ أنّ شخصيّة بهذه العظمة كانت تعيش في زابل؛ وهذا هو حال نهارها وذاك هو حال ليلها.

سوف تصيب الرّصاصة هذه النّقطة من جسدي

في عمليّة «كربلاء 4» كان الشّباب قلقين جدّاً على ميرحسيني. لم يخرج الشهيد ميرحسيني من أيّ ميدان دون أن يصاب بجرحٍ معيّن. لقد كان يحمل في جسده جراحاً من كلّ العمليّات التي شارك فيها. قال للإخوة أن لا تخافوا، لن أستشهد في عمليّة «كربلاء 4»!

قبل عمليّة «كربلاء 5» كنّا جالسين في إحدى الليالي داخل الخندق ومنشغلين بتبادل أطراف الحديث، قال: ستصيب الرّصاصة هذه النقطة من جسدي! وضع إصبعه على جبهته وهذا ما حصل؛ لم يُسمع صوت ميرحسيني العذب والقيّم والحافل بالمعرفة من أجهزة اللاسلكي حتّى انتهاء الحرب؛ لقد كان ذلك الصّوت عذباً ومحبوباً لدى جميع الإخوة، الكرمانيّين، الرفسنجانيّين، الزرنديّين، السيرجانيّين، الهرمزگانيّين والبلوش، وكان يبعث فيهم الأمل؛ خمد حينها ذلك الصّوت.

طلبتُ من الله أن يختم عمري في تلك المرحلة

طبعاً، لم أكن قادراً على التصديق. في اللحظات الأولى لم يخبرني الإخوة بهذا الخبر ثمّ أخبروني إياه على مراحل وبحذر. لا أنسى لحظة إخباري بنبأ شهادته على الإطلاق. لقد طلبتُ من الله عزّوجل في عمليّتين أو ثلاثة أن يختم عمري في تلك المرحلة. وإحدى العمليّات كانت عمليّة «كربلاء 5». خاصّة عندما بلغني نبأ استشهاد الشهيد ميرحسيني. شعرتُ بالفعل أنّ فيلق ثار الله انهار وتفتّت. والأهمّ من كلّ ذلك هو أنّني كنت أظنّ أنّ شهادته ستترك أثراً كبيراً على عدم نجاحنا في عمليّة «كربلاء 5». لم يكن أيّ خبر آخر ليقدر على نشر الحزن وسط فيلق ثار الله. فحتّى تلك اللحظة، لم يستصعب المجاهدون في فيلق ثار الله أيّ حدثٍ كما استصعبوا سماع نبأ استشهاد الحاج قاسم ميرحسيني. حتّى ذلك الذي كان حاضراً في العمليّة وفقد شقيقه أو ابنه، كان حزيناً ومكروباً لفقد الشهيد ميرحسيني.

معنى الهجوم الثقافي هو أن لا يعرف أبناؤنا مثل هذه الشخصيّات. على الشّباب أن يتّخذوا قدوة من بعض الشخصيّات. لقد كان [الشهيد ميرحسيني] قدوة ونموذجاً قيّماً ومجسّداً في عمرنا؛ على الجميع أن يعرفوه ويعرّفوه للآخرين، فقد كان هو من عائلة محترمة واستشهد شقيقه فيما بعد.


أرغب في التحدّث مع إخوتي الأعزّاء، رفاقي في الجهاد وقدامى المجاهدين، والحاج قاسم سليماني بشكل خاصّ، لعلّ مصلحة الحقّ عزّوجل ومشيئته اقتضت أن أحظى بتوفيق الشهادة وأن نودّع بعضنا البعض في هذه الدار الفانية. رأيت أنّه من الضّروريّ أن ألفت الأنظار إلى بضعة جُمل تحت عنوان بثّ الهواجس وعرض خلاصة ما خَلُصت إليه خلال أعوام الحرب والدروس التي استلهمتها منها:

1- أنتم وسط الحرب، لا تسمحوا لأيّ مشروعٍ في حياتكم الشخصيّة بأن يصيبكم بالتراخي في أمور الحرب والتخطيط ويحدّ من قدرتكم على المقاومة.

2- ينبغي البحث عن السّبب الرئيسي لترك ساحة الحرب والضغوط الناجمة عنها في الأمور العقائديّة والروحيّة، لا في قلّة الزاد من ناحية التدريب والكوادر والتجهيزات؛ لو كنّا على سبيل المثال نعتقد بيوم القيامة، والمعاد والحشر وصدّقنا بوجود هذه الأمور وكونها حقّاً، فإنّنا لن نهرب أبداً من الموت وسوف لن نتعلّق بهذه الدّنيا على الإطلاق؛ لكن ولأنّ الروح الملكوتيّة لم تنضج بما يكفي لتؤمن بالله عزّوجل بالقدر الكافي ولم تفنَ في الله جلّ وعلا ولا تملك الطاقة الكافية لمقاومة الضغوط الماديّة، ينتج عنها باستمرار، اليأس، والكدورة، والتذمّر وترك ساحة الحرب في بعض الأحيان.

3- لا تسمحوا لأيّ شيء بالتغلغل إلى قلوبكم بحيث يصبح إلهاً ويحتلّ مكان الإله الحقيقي؛ فالله جلّ وعلا يغادر ذلك القلب بسرعة.

4- قسّموا الأمور المريحة في الحرب بينكم وبين الآخرين، وافعلوا الأمر نفسه حيال المشاكل والصعوبات.

5- فلتكن الفئات الأدنى الباعث لقوّة قلب الفئات الأعلى ولتعامل الفئات الأعلى الفئات الأدنى منها معاملة الآباء والأمهات.

6- أشهد عند الله عزّوجل أنّ التعبويّين أسوة وتجسيدٌ للمجاهدين في زمن الأنبياء والأولياء، ولا ينبغي التطلّع إلى الجميع بعينٍ واحدة والخلط بينهم وبين بعض الأشخاص غير التعبويّين الذين يرتدون لباسهم المقدّس.

7- لقد سارت أمّة حزب الله، عوائل الشهداء المعظّمة، مفقودو الأثر والأسرى والجرحى وسائر الفئات من ذوي الحقّ على الثورة الإسلاميّة جنباً إلى جنب مع الإمام الخمينيّ وقاوموا مع الإمام وعلى الإخوة في الحرب -بصفتهم روّاد هذه الحركة- أن يمتلكوا حرارة، ونشاطاً وسرعة أكثر من الجميع.

8- في ختام حديثي أوجّه كلامي للمسؤولين رفيعي المستوى في الفيلق وأقول لهم ما قاله الإمام الخمينيّ؛ لا تنتظروا امتلاككم للقوّة؛ بل تحرّكوا باتّجاه امتلاك القوّة.

  • [1] أورد الحاج قاسم مير حسيني في مقطع من وصيّته خطاباً لرفاقه المجاهدين وأيضاً لقائده الحاج قاسم سليماني أموراً أوصاهم بها، ونظراً لأهميّتها، نرفق فيما يلي المقطع الكامل من الوصيّة الذي خصّ به الشهيد الحاج قاسم سليماني:
المصدر
كتاب سيد شهداء محور المقاومة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟