مواضيع

تفاوت المعرفة بالنفس

المعرفة بالنفس ليست على درجة واحدة عند جميع الناس وعند جميع الموحدين، بل تتفاوت درجات ومراتب تكامل الأشخاص فكرياً وروحياً وأخلاقياً وسلوكياً. فهذا التفاوت يؤثر بالطبع وبحسب المنطق في الفهم والوعي والاستقامة وله انعكاسات وجودية على صفاء القلب وطهارة الروح وتزكية النفس ومقاماتها ومراتبها؛ ولأن الله تبارك وتعالى يتعرف لكل أحد من خلقه بقدر قابلياته واستعداداته الروحية، وبحسب منطقه وقوة إدراكه التي هي بدورها لها انعكاسات لصفاء القلب ولطهارة الروح وتزكية النفس، فيعرفه كل واحد من خلقه ويوحده بما يظهر له على لوح الحقيقة وصفحة نفسه، وربما تعرف إلى عبده بنفسه (معرفة الله بالله) كما هو الحال في معرفة أهل الشهود والمكاشفة والفناء بالله ذي الجلال والإكرام التي هي أكمل المعرفة بالله سبحانه وتعالى؛ لأن المعرفة بالشهود القلبي والمكاشفة هي السبيل إلى معرفة حقائق الوجود على ما هي عليه بصورة مباشرة، وهي معرفة حضورية يقينية لا تقبل الشك أو الخطأ، وتحصل عن طريق التطهير من دنس الذنوب والمعاصي والآثام والخطايا والجرائم والجنايات وتخليصها من كدارة عالم المادة والطبيعة، وإزالة حجابها عنها وصقلها بالمعارف الإلهية الحقة والذكر والعبادات وصنوف الطاعات ونحوها.

وليس لكل واحد أن يدعي لنفسه هذه المعرفة، فهي خاصة بالأولياء الصالحين دون سواهم، ولمن يحظى بهذا النوع من المعرفة علامات ونور، وهم درجات ومراتب متفاوتة في أنفسهم وعند ربهم، قول الله تعالى: <هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ>[1]، أي: إن المؤمنين الصالحين المتبعين لرضوان الله تبارك وتعالى يسعون بصدق وإخلاص لنيل المقامات العالية والمنازل والدرجات الرفيعة بأعمالهم الصالحة وكدحهم في ذات الله سبحانه وتعالى، فيعطيهم الله تبارك وتعالى من فضله وجوده وكرمه على قدر علمهم وصدقهم وإخلاصهم وكدحهم وأعمالهم، فهم متفاوتون في مقاماتهم ومراتبهم ودرجاتهم، وليسوا متساوين ولا يعلم أحد خصوصيات ذلك وجهاته إلا الله (عز وجل)؛ لأنها لا تحد بحد من الكمال والجمال والكبرياء والعظمة والجلال، والله سبحانه وتعالى بصير بهم وبنياتهم وبأعمالهم ومقاماتهم ومراتبهم ودرجاتهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو ينعم عليهم في الدنيا وسوف يجازيهم في الآخرة جزاءً موافقاً لحقيقة أنفسهم ونياتهم وأعمالهم، وكما هي عليه في الواقع، وهذا يدل على أن نيل هذه الدرجات والمقامات والوصول إليها لا يكون بالتمني وإنما بالعلم والعمل، وعليه يجب على المتلقي التأكد من صدق كل من يدعي لنفسه أو لغيره هذا النوع من المعرفة بالله ذي الجلال والإكرام، قبل القبول بالإدعاء أو رفضه والترتيب عليه، قول الرسول الأعظم الأكرم (ص): «لكل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً»[2].

ولما كانت نفس الرسول الأعظم الأكرم (ص) أصفى النفوس وأطهرها وأزكاها وفي أعلى مراتب الاعتدال والوسطية والاستقامة والكمال، ولأن المعرفة بالله ذي الجلال والإكرام تكون دائماً وأبداً بمقدار القابلية والاستعداد الذهني والروحي، فإن الرسول الأعظم الأكرم (ص) هو الأكثر قابلية لأكمل معرفة بالله ذي الجلال والإكرام على الإطلاق ولا يجاريه في ذلك سوى الأئمة المطهرين من أهل بيته (عليهم السلام)، وفي الحديث النبوي الشريف، قول الرسول الأعظم الأكرم (ص) مخاطباً علي بن أبي طالب (ع): «ماعرف الله إلا أنا وأنت»[3] أي ما عرف الله ذا الجلال والإكرام المعرفة الحقيقية العالية الكاملة الممكنة في حق المخلوقين إلا أنا وأنت يا علي!


[1] آل عمران: 163

[2] الكافي، جزء 1، صفحة 69

[3] مشارق أنوار اليقين، البرنسي، صفحة 135

المصدر
كتاب معرفة النفس طريق لمعرفة الرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟