مواضيع

القائد في المنفى

الشهود الثوري

بعينه الباصرة البصيرة رأى الماضي فدعاه، وقرأ الحاضر فاختار اللحظة الشهودية للقيام، واستشرف المستقبل فعاش الانتصار.

يقول السيد الإمام: «لما جاؤوا لاعتقالي ليلة الحادي عشر من محرم بعد الخطاب الذي ألقيته في الفيضية ودعيت للثورة وإسقاط الشاه، كانوا هم الخائفين بدل أن أكون أنا الخائف»، ويواصل سماحته قوله عن عملية اعتقاله في تلك الليلة: «أركبوني سيارة وجلس على جانبي اثنان من عملاء السافاك وكنتُ هادئًا وكنت أشعر بأرجلهم على جانبي ترتجف». نعم من خاف الله أخاف منه كل شيء. كانوا خائفين من ذلك الرجل العظيم. أما هو فكان يعيش الطمأنينة والسكينة. لقد تجلت فيه تلك الكلمات الملكوتية التي قالها فآمن بها وجسدها. «كُتب بقلم العقل على صفحة القلب أن لا مؤثر في الوجود إلا الله»، لذا عندما هددوا السيد الإمام بأنه سيُقتل ويُرمى في بحيرة الملح، كل ذلك لم يحرك شعرة في جسد الإمام، وعلم الشاه أن استمرار اعتقاله سوف يؤدي لحالة هياج واحتجاجات واسعة لا يتحملها النظام. عندها فكر الشاه في خيار آخر. فوجد الأنسب إخراج السيد الإمام من إيران وإرساله للمنفى في الخارج. <وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ>[1] فخابت خطط وظنون الشاه المقبور.

المنفى الأول: إلى تركيا ولم ينكسر القلم

كانت الهجرة القسرية عندما رتب الشاه مع السلطات التركية لإرسال السيد الإمام إلى تركيا، وكان اختيار تركيا تحديدًا يعود إلى: أ. الاختلاف المذهبي لن يوفر بيئة مناسبة للنشاط الجماهيري للسيد الإمام، وسيكون معزولاً. ب. الاختلاف اللغوي والتباين القومي يصعب من حالة التواصل بين السيد الإمام ومحيطه.

جـ. نظام الحكم في تركيا علماني متصلب ولن يقبل أنشطة دينية ذات بعد سياسي.

فكّر الإمام في كيفية توظيف الإمكانات لديه، وفي ظل غياب الشاه عمل السيد الإمام على القيام ببعض الترتيبات الأولية كي يضمن استمرارية التواصل بين القيادة وجماهير، وباعتباره مرجعاً للتقليد إلا أنه لم يطبع رسالته العملية بعد، فلما تم إرساله للمنفى في تركيا قام بكتابة رسالته العلية «تحرير الوسيلة»، وهي تعليقه على كتاب «وسيلة النجاة» للسيد أبو الحسن الإصفهاني، وكان أحد أهدافه هو تعميق الارتباط بين المرجعية الفقهية والجماهير خصوصًا وهو الآن خارج إيران. كما قام بتأليف مجموعة من كتبه ورسائله في تركيا لرفد الساحة الثقافية بالفكر الإسلامي الأصيل. كما فتح قناة تواصل مع تلامذته بحيث كان بعضهم يترددون على تركيا لأخذ التعليمات والبيانات ونشرها بين أبناء الشعب وفيها توصيات الإمام. أما على المستوى الشخصي في تركيا فبدأ الإمام بالتردد على أحد المساجد وتعلم اللغة التركية حتى وصل به الأمر لإلقاء الخطب في المسجد، وبقي في تركيا قرابة السنة والنصف وعندما حاول العودة لإيران لم يسمح له بذلك.

في وادي السلام بجوار أمير المؤمنين (ع)

اتفقت السلطات الشاهنشاهية مع السلطات البعثية العراقية على نقل السيد الإمام من تركيا إلى العراق، وحصره في نطاق جغرافي بين كربلاء والنجف، والغرض من ذلك أن وجود الخميني المرجع في الوسط الحوزوي ضمن مرجعيات كبرى أخرى سيقيد دوره، وأن طبيعة النفور الموجود في حوزة النجف من العمل السياسي هي السائدة في المجتمع النجفي مما سيخلق معارضة داخلية لسلوك الإمام السياسي ويكبل حركته وبالفعل.

وصل السيد الإمام للنجف واستقر في منزل بحي «الحويش» بجانب مسجد «الترك» ومكتبة العلامة الأميني، ولم يكن يعلم الأعداء أن الجو الروحي للنجف هو مصدر للبركات واستنزال للفيوضات الإلهية، وأن الجو الذي كان السيد الإمام يريد أن يعمل فيه قد تحصّل بيد الأعداء أنفسهم. وهكذا السيد الإمام بذكائه كان يحوّل مخططات الأعداء إلى وسائل يصحح مسارها، وتكون معبرا للانتصار فهو يوظف أهدافهم لمصلحة رؤيته.

استدعى السيد الإمام مجموعة من تلامذته من إيران لإعادة تنظيم عملهم، وتواصل مع البقية الموجودة في إيران، وتم تشكيل مجلس لقيادة الثورة ضم السيد القائد والشهيد البهشتي والشهيد مطهري والشهيد سعيدي والمرحوم الرفسنجاني خصوصًا أن الثورة ظلت مشتعلة، ولضمان استمراريتها يحتاج الأمر لتنظيم عمل الجماهير، وتواصل جميع طلبة الإمام مع الجماهير عبر الانتشار في مناطقهم وبث الوعي والتوجيه وإيصال مواقف الإمام وإرشاداته. من جهة أخرى ارتفعت وتيرة الثورة وتصاعدت خصوصًا بعد مجزرة المدرسة الفيضية والتي كانت في الذكرى السنوية لاعتقال السيد الإمام ونفيه عن الوطن.

مجزرة المدرسة الفيضية 1965 م

وعلى إثر ما حصل في الفيضية وبركات تلك الدماء الطاهرة هبت الجماهير المؤمنة في كل أنحاء إيران تنادي بسقوط الشاه، ورغم اشتراك وانضمام الأحزاب السياسية الأخرى في الثورة إلا أن العمود الفقري للثورة يستند على الجماهير المؤيدة للسيد الإمام، وكانت منذ اللحظة الأولى تعتبره قائدها وصاحب كلمة الفصل فيها.

الثورة الروحية للسيد الإمام

رغم بروز البعد السياسي في شخصية السيد الإمام ومسؤولية قيادة الثورة إلا أن السيد الإمام واصل في ممارسة برنامجه العبادي والروحي بنفس الوتيرة، وقد ظهر في حرصه الدقيق على أداء برنامجه العبادي اليومي؛ كحرصه على صلاة الليل والتزامه بالأوراد والنوافل والأذكار اليومية وزيارة ضريح أمير المؤمنين في كل صباح.

درس عبادي من حياة السيد الإمام

طوال فترة وجوده في النجف على مدى 13 سنة كان الإمام يواظب على زيارة أمير المؤمنين يوميًا عند الفجر، ويحرص يوميًا على قراءة الزيارة الجامعة، ويعتبرها أحد أسرار الانتصار ودائمًا ما يوصي بها. وفي إحدى المرات وفي فصل الشتاء وكان الجو قارسًا شديد البرودة أراد الخروج من منزله فجرًا لزيارة ضريح أمير المؤمنين فاستوقفه السيد مصطفى بلطف قائلاً: «الجو بارد جدًا وأنت مريض فلماذا لا تزو الإمام من داخل البيت ونحن في النجف وبجواره، فهل يجب عليك الذهاب للحرم كما يفعل العوام. فرد السيد الإمام: ولماذا تريدون حرماني من يقين العوام».

اللقاء بالسيد الصدر

لقد وجد السيد الصدر الأول ضالته في الإمام الخميني، ورأى فيه نموذج العالم العامل وذو رؤية واسعة بالدين وصاحب نظرة ثاقبة للأمور، فارتبط به وزادت العلاقة بينهما وأخذ السيد الشهيد الصدر يتردد على السيد الإمام، ويدعو طلبته لحضور درس السيد الإمام خصوصًا بعد طرح السيد الإمام بحث الخارج في الحكومة الإسلامية، وبسبب المسلك العرفاني للسيد الإمام ونفور الفكر السائد في الحوزة منه إضافة لتوجهه السياسي وهو خلاف الطرح الموجود في النجف وهو النأي بالحوزة عن الشأن العام والسياسة. كان السيد الصدر يعيش نفس المعاناة لذا كان الصدر يحرص على تأييد السيد الإمام والارتباط به في مواقفه.

بحث الحكومة الإسلامية 1975

عند الحديث عن ترشيد وتأصيل الثورة سيتم الإسهاب في هذا المبحث، وما يهمنا هنا هو أن الإمام وفي منفاه بالنجف قام بطرح نظريته وفهمه العميق للإسلام وحاكميته في كرسي البحث الخارج تحت مسمى «الحكومة الإسلامية»، وهذا خلاف العرف الحوزوي في النجف الأشرف الذي يجتنب الخوض في هذا المبحث. وهنا استقطب السيد الإمام طلبة الدين العاملين ليشربوا من رحيق الولاية؛ ذلك الكأس الصافي والذي يظهر جوهر الدين الإسلامي، وقد أثار هذا البحث ضجة واسعة وطرح رؤية أوضحت مسلك الإمام وهدفه ومباشرة عمل تلامذته على نشر هذا الطرح والعمل على إيضاحه للناس.

اغتيال السيد مصطفى والإيمان المطلق ونقطة تحول في الثورة 1977

كان استثنائيًا حتى في حادثة استشهاد ابنه البكر السيد مصطفى الخميني على يد رجال السافاك الإيراني إمعانًا في إيذاء قائد الثورة وإضعاف عزيمته، لكن ذلك لم يكسر من استقامة الإمام؛ بل منطق التسليم المطلق لله وأن كل تدبير في هذا الوجود منحصر فيه سبحانه وكل ما يجري به القلم فهو خير. لذا عندما جاء خبر استشهاد السيد المصطفى قال السيد الإمام: «الخير في ما وقع، تجهزوا لتشييع السيد مصطفى» ولم يكن السيد مصطفى ابنًا فقط بل كان مرافقًا وعالمًا نابغًا في العلم والاجتهاد مجاهدًا في سبيل الله إلا أن ألم فراقه كان في منطق الإمام أن اغتياله خطوة في طريق الانتصار. وهذه الثقافة التي أشاعها السيد الإمام ثقافة العشق الإلهي وحب الشهادة. فبعد تشييع السيد مصطفى الذي دفن في كربلاء عند الرواق الشرقي من الحائر الحسيني قال السيد الإمام: «وإني لأرجو أن تكون شهادة السيد مصطفى بداية سقوط عرش الطاغوت»، وبالفعل اشتعلت الثورة مجددًا في كل أنحاء إيران وازداد وهجها ببركة دم الشهيد.

احقنوا الدم بالدم

التقى السيد الإمام بالمرجع الأكبر السيد محسن الحكيم، ودار بينهما حوار حيث طلب السيد الإمام من السيد الحكيم أن يثور على نظام البعث، فردّ السيد الحكيم أن الناس لا تتحمل، وسوف تتعب من المواجهة، وسيسقط الكثير من الشهداء والدماء، فكان رد الإمام: «احقنوا الدم بالدم» فبمعنى لو تقدم رجال الدين ودافعوا عن الشباب الثائر وأعطوهم الحق في الدفاع عن أنفسهم ووفروا الغطاء الشرعي لمطالبهم الحقة، فهي التي ستحقن الدماء، أما السكوت فسوف يجعل الطواغيت يتفردون بالشباب ويقتلونهم، وهذا ما يحصل عمليًا فالسكوت يجعل العدو يتمادى، فإذا سكت فالعدو لن يسكت.

إلى فرنسا والمحطة الأخيرة

ضاق النظام البعثي المجرم ذرعًا من وجود السيد الإمام، وبدأ خطره يمس أمن النظام البعثي، وهذا يدفع بمن يتبنى قناعات الإمام أن يثيرها في العراق، و بدأ الإمام الخميني يتمدد، ومحاولات حصاره داخل حوزة النجف لم تجد نفعًا لهم، فوجدوا أن الحل الأسلم إخراجه من العراق، فتم إنهاء إقامته وطلب منه الخروج. في البداية توجه إلى الكويت باعتبار وجود ممثل له هناك هو السيد المهري إلا أن السلطات الكويتية رفضت إعطاءه تأشيرة إقامة على أراضيها، عندها عزم الإمام للتوجه نحو أوروبا وتحديدًا اختار فرنسا، ولأن فرنسا والغرب تدعي الحرية والديموقراطية فهذا اختبار لوجوده هناك بحيث يمارس نشاطه السياسي بكل أريحية. وصل إلى باريس عام 1978، وأقام في بلدة قريبة من باريس تسمى «نوفل لوشاتو» وهنا نشير لمحطات في وجوده بفرنسا التي أقام فيها أربعة أشهر:

  • كان يلتقي بالوفود السياسية والدبلوماسية من بلدان العالم.
  • كانت وفود شعبية وطلابية وأصحاب المهن والكوادر الإيرانية تلتقي به للمبايعة.
  • أقام مؤتمرات سياسية للمعارضة بكل أطيافها للتباحث في الشأن الإيراني.
  • عقد المؤتمرات الصحفية لبيان الموقف والحديث في التطورات على الساحة حتى أن إحداها جاء وقت أذان الظهر والأسئلة في أوجها قام السيد الإمام لأداء الصلاة باعتبارها أهم من أي عمل آخر. وفي إحدى اللقاءات الصحفية سأله صحفي: هل تستخدمون السلاح في ثورتكم؟ فأجاب الإمام جوابًا حكيمًا: لا لحد الآن ولكنه خيار مفتوح.

[1] فصلت: 23

المصدر
كتاب وذكرهم بأيام الله | الأستاذ محمد سرحان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟