مواضيع

التحديات التي تواجه أصحاب البصيرة

يواجه أهل البصائر الكثير من التحديات والمخاطر أثناء مسيرتهم، وهذا جزء من الامتحان والتمحيص لهم لاختبار تحصيل الكمالات وظهورها منهم، ولا تكفي وجود الكمالات النفسانية في الإنسان المؤمن دون الوعي التام والتنبه لدسائس ومكائد شياطين الجن والإنس، فكما قال أمير المؤمنين (ع): «من نام عن عدوه أنبهته المكايد»، فأحد مداخل الشيطان أن ينفد من الكمالات نفسها باستخدام حيل حثيثة تجر المؤمن إلى السقوط دون أن يشعر، فالشيطان لا ورع ولا تقوى عنده، فيتلبس بها أمام المؤمنين فيغترون به ثم يدس سمومه في صفوفهم وهم يحسنون الظن به، وهنا تدخل البصيرة التي توضح الطريق الصحيح من عثرات الطريق فلا ينزلق فيها، فقوله تعالى: }ولا تتبعوا خطوات الشيطان{ فقد تكون الخطوات الأولى خطوات حق تسحب المؤمنين إليها ثم يسلك بهم مسالك الباطل، لذا طالما حذّر السيد الإمام القادة والجماهير من السقوط في حبائل الشيطان والانجرار وراء الدعاوي المشبوهة والمضللة أيًا كان مصدرها إلا بعد تمحيص الأمر وبيان الحق، فحذر من التهاون والغفلة وحب الدنيا والسذاجة في فهم القضايا والابتعاد عن أداء التكليف السياسي والاجتماعي وتحصيل رضا الأعداء وغيرها مما يؤدي إلى السقوط في شراك الشيطان، وهذه الأمور في حقيقتها تحديات تواجه أهل الحق أثناء التطبيق العملي ولا بد من دفعها، وهنا إشارات من كلام السيد الإمام في هذا السياق:

1.   حب الدنيا والتعلق بها

وهنا يتطلب من القيادات والمسؤولين البدء بتربية أنفسهم وتزكيتها قبل الآخرين فهو أولاً فاقد الشيء لا يعطيه، والأمر الآخر بقاء المصداقية في مواساة أضعف الناس حظًا، لذا نجد في سيرة أمير المؤمنين نظير ذلك، فهو بحكم مسؤوليته في إدارة الدولة تجده أكثر الناس مواساة للناس، فضلاً على أن التعلق بالدنيا في ذاته مفتاح للخطيئة كما قال رسول الله (ص): «حب الدنيا رأس كل خطيئة»، وهذا من أخطر التحديات التي تواجه أهل الحق، فالانغماس في لذات الدنيا تحت دعوى الإباحة وإذا أقبلت الدنيا أولى الناس بل المؤمنين لا يليق بهذا المقام، لذا تجد السيد الإمام يؤكد على هذا المعنى في قوله وهو يخاطب مجموعة من العلماء والنخب: إذا أردتم مواجهة الباطل والدفاع عن الحق بلا خوف ولا رعب، بحيث لا تؤثر فيكم أسلحتهم المتطورة ومؤامراتهم وشياطينهم على معنوياتكم ولا تبعدكم عن ساحة المواجهة، عليكم أن تعتادوا على العيش البسيط، وإبعاد قلوبكم عن التعلق بالمال والجاه والمنصب والمقام، فأغلب العظماء عاشوا حياة بسيطة، وأما المتعلقين بالدنيا وزخارفها فأولئك أسرى أهوائهم وأذلاء شهواتهم حيث يعملون المستحيل من أجلها. وهنا يجب أن يعيش أهل الحق والبصيرة في بيئة لا تؤثر على معنوياتهم، وإذا لاحظوا بوادر الدنيا تميل بجانبهم فعليهم أخذ الحيطة والحذر، ولا يعتبروا الحصول على بعض المكاسب أنها مستحقات؛ بل عليهم الزهد فيها وإن حصلوا عليها، ليس لأنهم غير مستحقين ولكن ضرورة الموازنة بين خدمة الناس وتحمل المسؤولية وبين الحصول على المكتسبات ولو باعتبار عنوان الحرص على ثقة الجماهير في  المسؤولين الذين يمثلون واجهة الثورة والإسلام، ومن هنا يقول السيد الإمام (قدس سره): «لا سمح الله إذا رأى الناس تغييرًا في وضع رجال الدين المعيشي، حيث يفقد الناس الثقة في رجال الدين، فإن ذلك سيؤدي إلى زوال الإسلام، ولا تظنوا أن بضع سيارات سوف تزيد من مكانتكم عند الناس! إذ إن أقصى ما يهم الناس ويتلاءم مع ذوقهم العام أن تعيشوا حياة بسيطة».

وقد طبق السيد الإمام هذا الأمر بنفسه، فحتى بعد انتصار الثورة وهو الرجل الأول في النظام تجده تجسيدًا عمليًا لذاك القائد المواسي في طريقة عيشه في ملبسه ومأكله ومأواه إلى المستضعفين لأبناء الشعب، وهذا نموذج من الاقتداء الذي يحرص السيد الإمام على ممارسته من سيرة جده أمير المؤمنين (ع).

2.   الخوف والتزلزل في الظروف الصعبة

عندما يكون المرء في موضع الاختبار الحقيقي على الأرض وفي لحظات اشتداد الأمور والابتلاءات الخطيرة يداخله الخوف والرعب من تداعيات أمثال هذه المواقف، والتفاوت موجود بين الأفراد في تحمل المخوفات ويعود ذلك إلى مدى الارتباط بالله سبحانه، فكلما زاد التعلق بالله وارتكاز ملكة الشجاعة في وجدان المؤمن تضمحل معها حالة الخوف وزعزعة النفس كنتيجة طبيعية ناتجة عن علاقة عكسية؛ أي كلما زاد خوفنا من الله تصاغر أي مخوف أمامه، وكلما قل خوفنا من الله زاد خوفنا من الآخر، وهذا منطوق الرواية الشريفة: «من خاف من الله أخاف منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء» وهذا التحدي الخطير تعرض له الكثير من أهل البصائر فتزلزلت معنوياتهم. وهذا يتطلب استعداداً روحياً لدى أهل البصائر كي لا تنهار البنية الروحية لديهم أمام المخاطر المحدقة، لذا نرى دائمًا الأعداء يعملون على الحرب النفسية ضد المؤمنين لكن عزائمهم لا تلين وهي أخطر الحروب، وهذا ما يحدثنا به السيد الإمام في معرض حديثه عن هذا الخطر الداهم: «طيلة فترة هذه النهضة ظهر أشخاص من المؤمنين المصلين والخطباء والمحترمين، لكنهم ما إن بدأت حملة جهاز الاستخبارات بتعذيب المجاهدين حتى اختاروا الصمت والركود إلى الراحة والانزواء وطلب الأمان». لذا يقول أمير المؤمنين (ع): «شدة الجبن من عجز النفس وضعف اليقين».

3.   السذاجة وبساطة التفكير

على الرغم من أن أصحاب البصيرة من المفترض أن يكونوا بعيدين عن السذاجة باعتبارها النقيض للبصيرة، فلا يصدق على صاحب البصيرة أن يكون ساذجًا وصاحب فكر سطحي إلا أن أصحاب البصيرة وأتباع نهج الحق أحيانًا في المواقف غير المتوقعة تختلط عليهم الأمور، وربما لا يراعي الأولويات فيقع في المحذور. لذا مع الاطمئنان من سلامة النهج يُصاب بعض أهل الحق بحالة من الاطمئنان بأنهم لن يقعوا في الخطأ في التشخيص، وفي غفلة من الأمر تجدهم يسقطون في مواقع لا يتوقع منهم السقوط فيها. كأن يتحدث بعض المؤمنين و يتساءلون مستنكرين لماذا التركيز على قضية فلسطين، بينما الفلسطينيون أنفسهم منقسمون في التعاطي مع قضيتهم، ووصلت الأمور ببعضهم إلى التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني؟! أو لماذا نُعادي أمريكا بهذا الشكل؟

وهذا الطرح عندما يصدر من خواص الحق عند السيد الإمام فهو مصيبة كبرى، و يصفه بالسذاجة ويشير هنا إلى هذا الأمر في قوله (قدس سره): «يجب أن لا نفقد شخصيتنا من أجل كسب رضا بعض الليبراليين فنعمد إلى طرح الأفكار والعقائد الخاطئة التي تجعل أمة حزب الله تشعر بعدول الجمهورية الإسلامية عن مواقفها المبدئية».

4.   التهاون في طلب الحق

إن حالة التراخي والغفلة عن طلب الحق، أو عدم الالتفات إلى التوقيت المناسب لاتخاذ الموقف فتضيع الفرص دون استقلال، فيدفع أهل الحق ثمن تلك الغفلة وتتضاعف التضحيات لاحقًا نتيجة عدم استغلال الفرص، أو الاكتفاء بالمقدار اليسير وكأن الأمور تتكرر بكل ظروفها! لهذا لم يكن مسلسل تضييع الفرص والتهاون في اتخاذ الموقف في قاموس السيد الإمام؛ بل كان دقيقًا جدًا في اتخاذ الموقف  وتوظيف الظروف للوصول للهدف وفق رؤية واضحة، فعندما أعلن السيد الإمام الثورة على الشاه اختار التوقيت المناسب، وفي أجواء من الشحن العقائدي يوم العاشر من محرم 1964 وفي ظروف يخاطب فيه غيرة وكرامة الشعب الإيراني، وعند تشخيص الواقع والسبب المبرر للثورة، لم يتهاون في الإقدام على قرار إعلان الثورة متذرعًا بمبررات واهية؛ بل اتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وكان تصديه مباشرًا، وقاد الثورة حتى الانتصار وحتى بعد الانتصار؛ كي لا يصعد الانتهازيون على أكتاف المضحين كما فعلوا في الثورة الدستورية التي قادها العلماء، ثم تركوها للآخرين الذين سيطروا على المجالس التشريعية، وضربوا أهداف تلك الثورة وضاعت بسبب غفلة أهل الحق وانتهاز الفرصة من قبل من ركبوا موجة الثورة لاحقًا وجنوا ثمرتها.

الخلاصة

 لقد شخص السيد الإمام (قدس سره) نوعية الأفراد الذين ينطبق عليهم صفة أهل البصيرة وهم خواص الحق، وهؤلاء قادرون على تحليل الواقع بشكل صحيح، و اتخاذ القرار المناسب، وهؤلاء ليسوا من طبقة اجتماعية أو ثقافية معينة، ولكنهم ينتمون لكل شرائح المجتمع حسب تصنيف السيد الإمام. وإن هذا الوعي الذي يمتلكه هؤلاء الذين بصروا الأمور ووقفوا دومًا مع الحق هو أحد عوامل انتصار الثورة الإسلامية المباركة وأحد أهم العوامل التي ضمنت استمراريتها وديمومتها. و هو ثمرة تلك البذرة التي زرعها الخميني العظيم فأنبتت هذه الشجرة الوارفة المسماة اليوم (الجمهورية الإسلامية).

وهذا ما يؤكد عليه اليوم كذلك سماحة الإمام القائد الخامنئي الذي يراهن على وعي واستقامة الشعب الإيراني في مواجهة مخططات ومكائد الشيطان وأعوانه، وفي كل يوم تثبت هذه الثورة المباركة أنها خط الدفاع الأول عن الأمة الإسلامية ضد مخططات الاستكبار العالمي، ورغم أنها تدفع ثمن مواقفها المبدئية الذي أدى إلى حصارها من قبل قوى الظلم في العالم وفرض عقوبات صارمة ضدها إلا ان ذلك لم يثنها عن مواقفها الثابتة، وبقيادة حكيمة تستمر في منهجها وبكل بصيرة من أمرها.

بعد 41 عامًا من انتصار الثورة الإسلامية ها هي تقف شامخة بعزة الإسلام، تذود عن حياضه وتدعو إليه في مسيرة مستمرة حتى تسليم الراية إلى المولى صاحب العصر والزمان.

المصدر
كتاب وذكرهم بأيام الله | الأستاذ محمد سرحان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟