مواضيع

أهل البصيرة وخواص الحق

طبيعة الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل في الإسلام

طبيعة العلاقة بين الطرفين هو الصراع الحتمي، وذلك لاختلاف المنطلقات والتنافر في المصالح والأهداف والغايات، وهذا واضح جلي منذ بدء الخليقة، أما في مرحلة قيام دولة الرسول (ص) تجد وجود شرائح متعددة من أهل الباطل وتتمثل بأهل الشرك، والشريحة الأخرى تتمثل بالمنافقين.

أما أهل الحق، فليسوا على حد سواء في رأي الإمام الخميني رغم أن الحق واحد، ولكن طريقة التعامل مع الحق مختلفة، تجعل هؤلاء يصنفون إلى أهل الحق الملتزمين بالحق والمدافعين عنه؛ فهؤلاء عند السيد الإمام (قدس سره) يسميهم خواص الحق أو أمة حزب الله، وأما الشريحة الأخرى من المتخاذلين والمتهاونين في طلب الحق فهؤلاء هم العوام، ووصفه لهم بالعوام لا لأنهم ينتمون إلى شريحة اجتماعية أو مستوى علمي منخفض؛ بل قد يكونون من العوام وهم من طبقة الفقهاء وأصحاب النفوذ الاجتماعي، فتصنيفه لهم نابعٌ من مدى ارتباطهم ودفاعهم عن الحق، فمن يتخاذل عن نصرة الحق –  حتى لو كان فقيهاً – فهو من العوام، وأما الإنسان البسيط إذا كان ذا بصيرة ووعي بالحق و ملتزم به، فهو من خواص الحق، يقول سماحته في هذا الصدد:

منذ صدر الإسلام وحتى الآن، ظهر منهجان وخطّان هما: الخط الأول؛ يمثله الأشخاص الذين يطلبون الدعة والراحة، فكان همهم الوحيد الحصول على لقمة العيش والخلود إلى النوم والمسلم منهم يضيف معها العبادة! فعندما عزم الإمام الحسين (ع) الاستعداد لسفره العظيم نصحه أمثال هؤلاء بعدم الخروج؛ بل كان البعض يُشكل عليه مواجهته بعدّة قليلة تلك القوة الكبيرة، وما زال هذا الخط موجوداً إلى حد الآن، وقد شاهدنا مثل هؤلاء في بداية النهضة الإسلامية؛ الذين فضلوا الدعة والراحة على كل شيء، وكان الواجب عندهم يقتصر على الصلاة والصوم والجلوس في المنزل لقراءة الأذكار والأدعية، وإذا أرادوا التدخل في الشأن العام كانوا ينتقدون ويطرحون الإشكالات فقط!

أما المجموعة الأخرى، فهم الأنبياء والأولياء ومن حذا حذوهم، قضوا كل أعمارهم في محاربة الظلم والفساد، ومن يتتبع سيرة الرسول (ص) وأصحابه المخلصين يرى أنهم خاضوا رحى الحرب والجهاد من بداية الإسلام وحتى تمكينه، وكذا أمير المؤمنين وهكذا ائمتنا، فلو كانوا يهادنون أهل الظلم والطغيان، لحظوْا منهم بالاحترام والمنزلة مقابل تخليهم عن دعوتهم.

هناك مبدءان منذ بداية الخلق وما زالا حتى الآن، الأول؛ هو التمسك بالإسلام و مبادئه والوقوف ضد الظلم والطغيان وديكتاتورية القوى الشيطانية والرضوخ للطاغوت.

لقد انطلق السيد الإمام في فهمه لقواعد الصراع ليس من خلال جبهتي الحق والباطل فقط؛ بل شخّص وجود الخلل من داخل جبهة الحق نفسها التي عانت عبر التاريخ من أمراض نخرت في جسد هذه الجبهة، وألحقت الضرر الفادح بها أكثر مما عملت جبهة الباطل. ولاحظْ التشخيص الدقيق للإمام (قدس سره) حيث بيّن لنا حجم المعاناة التي عاشها أمير المؤمنين (ع) وبعده الإمام الحسن (ع)مع المجتمع الكوفي، إذ تضرر بالدرجة الأولى من السطحية والسذاجة وأصحاب الأهواء والمتلونين الذين لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك الذين لا يثبتون على حال، وينعقون وراء كل ناعق، ويميلون أينما مالت الريح. وهذا ناتج عن قصور في المعرفة ونقص في الوعي والبصيرة، فكان تشخيص هؤلاء مهما بلغوا من المكانة العلمية والاجتماعية ضعيفًا، ومواقفهم لا تقل ضعفًا وخطورة على الحق من أعدائه.

اعرف الحق تعرف أهله

في أجواء الانخداع والإعلام المضلل ونقص في الوعي ترى حتى النخب تعيش حالة من الضبابية في المواقف وعدم استيعاب للحدث، فتختلط عليها الأمور، فحتى من كانوا في جنب المعصوم ترى بعضهم يتساءل: أيُعقل أن يكون هؤلاء وفيهم من فيهم على باطل!! ليأتي الإمام أمير المؤمنين (ع): «لا يُعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف أهله»، وهذا الخلط الحاصل ناتج عن نقص في البصيرة والوعي، فلا تشفع له حينها وجاهته العلمية ومكانته الاجتماعية، فهذا الحارث بن حوط يأتيه أمير المؤمنين (ع)قائلاً: «يا حارث إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت! لأنك لم تعرف الحق لتعرف من أتاه ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه». فهؤلاء الملبوسون أو من يدعون الحيادية في الصراع في الحقيقة هم شركاء للباطل لأنهم كما قال أمير المؤمنين (ع): «لم ينصروا الحق ولم يخذلوا الباطل»، فهي فئة خطيرة على المجتمع الإسلامي، ومكمن الخطر في أنها تُحسب على أهل الحق وهم خلاف ذلك، وينظرون في الوقت الحرج عندما يحتدم الصراع وفي اللحظة غير المتوقعة يتقاسمون المجتمع علميًا أو اجتماعيًا، ولكن تصنيفهم عند السيد الإمام بأنهم من العوام وليسوا الخواص. بينما ذلك الإنسان البسيط والفلاح الفقير قد يكون من خواص الحق، لأنه بانحيازه للحق واستقامته وثباته عليه وتضحيته لأجله تجعله من الخواص الذين يستند عليهم الحق، وفي هذا السياق يقول السيد الإمام (قدس سره)في حديثه عن قدرة أمهات الشهداء على التحليل والتشخيص والبصيرة في الأحداث: «إن إحدى هذه الأمهات وقفت في مقبرة جنة الزهراء وقالت: إن شجرة الحرية تحتاج إلى السقي، وقد سقاها ولدي بدمه. انظر كيف لدينا مثل هذه الأمهات الشجاعات». وهذا يحاكي المدرسة التي ينتسب لها هؤلاء، فهذه مدرسة الحسين التي قال عن أتباعها الأعداء قبل غيرهم عندما وقف عمر بن سعد في جنوده يوم العاشر من المحرم في كربلاء وهم يقاتلون الحسين (ع)وأصحابه: «ويحكم أتعلمون من تقاتلون؟! إنكم تقاتلون أهل البصائر من هذه الأمة».

تعريف أصحاب البصيرة عند السيد الإمام (قدس سره)

البصيرة لغة الفطنة والحجة، ويُعرّف السيد الإمام خواص الحق وأهل البصيرة بأنهم «أولئك الذين يختارون طريقهم وموقفهم عن فكر وتحليل، فهم يفهمون ما يريدون ثم يقررون على ضوء هذا الفهم موقفهم المناسب عن وعي تام. فهل هؤلاء ينتمون لطبقة خاصة؟ كلا، فهؤلاء منهم المتعلمون ومنهم غير المتعلمين، لكنهم يعتبرون من خواص الحق وأصحاب البصيرة، فهم يعملون بعد تشخيص دقيق، ويتخذون القرار المناسب، ويدركون ما يعلمون، فقد يكونون من غير المتعلمين ولم يذهبوا للمدرسة وليست لديهم شهادة، ولكنهم يدركون ويفهمون الأمر ويعملون بتكليفهم».

ويشير الإمام إلى هذا المعنى عندما قال: «يحكي أحدهم أن شخصًا من أهل منطقة لم يصلها شيء من الثقافة والعلم ويقول بأننا سنزرع هذه الأرض حتى تتحرر من أسر أمريكا وقيودها». هذا الفلاح البسيط أدرك عزة الإسلام واستقلاله من الرضوخ والعبودية للشيطان الأكبر، واتخذ قراره في مساحة قدراته الذهنية مؤكداً على نصرة الحق ومتحرراً من هيمنة الطاغوت.

هؤلاء الذين عرفوا الحق، فالتحقوا به قولاً وفعلاً، فهم في الفكر السياسي للسيد الإمام يمثلون أهل الوعي والحقيقة التي تقوم على عاتقهم التكاليف الإلهية، وقد صنفهم إلى عدة درجات منهم:

أولاً: طبقات الشعب المختلفة «فلاحون وعمال وكسبة وتجار وغيرهم» الذين شاركوا في جميع مراحل وظروف الثورة الإسلامية، ووقفوا إلى جانب قائدهم في كل الميادين والظروف، وضحوا في سبيل الله بكل غالٍ.

ثانيًا: طبقة العلماء والمثقفين الإسلاميين الذين أدركوا بدقة الظروف المعقدة للثورة، فعمدوا إلى تنوير أفكار الشعب وتوعيتهم لتنفيذ أوامر وتوصيات قائد الثورة في شتى المجالات.

ثالثًا: طبقة رجال الدين والفقهاء الذين يُعتبرون حملة مشعل هداية المجتمع والقادة السياسيين والمعنويين للثورة، فهم حملة الرسالة الإلهية. وركز السيد الإمام كثيرًا على الطبقة الثالثة في الكثير من كلماته السياسية. هذه الطبقة وأهميتها المحورية في قيام النظام الإسلامي الرشيد، فهم مركز الهام وارتقاء بالأمة إذا كانوا على قدر المسؤولية؛ وإلا كانوا مصدر ضعف ووهن للأمة إذا فسدوا أو كانوا بعيدين عن أهل البصيرة والدراية، فقد يكونون عائقًا أمام نهضة الأمة وعلو شأنها. لذا يجب التمسك بهذه الطبقة وتأهيلها لتأخذ موقعها في النهوض بمجتمعها.

ما هي النتيجة المترتبة على فساد هذه الفئة «رجال الدين»

إن السطحيين من رجال الدين والذين عبّر عنهم السيد الإمام بالملبّسين، ولباسهم الدين بقلة وعيهم وفهمهم للإسلام، ويعرقلون حركة النهضة ويشوشون الحركة الإسلامية، ويوقعون الناس في الفتن، وتضيع جهود الأمة بسبب ضعف هذه الفئة والنقص الجاهل فيها. وفي ذات الوقت وجود رجل الدين الواعي والعارف بزمانه وصاحب الفكر النير والبنية العقائدية السليمة له الدور الريادي في قيادة الأمة وتكليفه، لينهض بأمته نحو السمو والكمال الذي أراده الله للبشرية، وفي معرض انتقاده (قدس سره) لتلك الفئة المتلبسة بعباءة الدين والتي تهيئ الأرضية للطواغيت والمستعمرين من حيث تشعر أو لا يقول: «بالأمس كانوا المتلبسين بلباس الدين يدعون -بلا إدراك- إلى فصل الدين عن السياسة ويحرّمون محاربة الشاه، وهم اليوم يتهمون المسؤولين في النظام الإسلامي بالتحول إلى الشيوعية! فبالأمس كانوا يعتبرون بيع الخمر والفساد والفحشاء والفسق وحكومة الظالمين تأخير لظهور الإمام الحجة واليوم ما إن يرى هؤلاء عملاً مخالفًا للشرع يحدث دون رغبة المسؤولين في نقاط البلاد حتى يصرخوا وا إسلاماه».

هذه الفئة من المتلبسين بالقداسة هي نفسها التي ابتلي بها الأئمة (ع) عبر الأزمان، ومن أوضح تلك المصاديق جماعة الخوارج؛ فهم من المتنسكين وحفظة القرآن، لكن قصور وعيهم وعدم فهمهم الصحيح للإسلام تسبب في انحرافهم وتفسيرهم للحقائق القرآنية تفسيرًا خاطئًا أدى لعواقب وخيمة على الأمة لاحقًا، عبّر عنه أمير المؤمنين بقوله: «أعياني اثنان: جاهلٌ متنسك، وعالمٌ متهتك». فيكونون سواء الجاهل والعالم لأن النتيجة المترتبة على عملهم واحدة يوحدهم فيها نقص الوعي وضعف البصيرة بسبب جهل الجاهل وتهتك العالم الذي لا يعمل بعلمه، فالضرر واقع من الاثنين.

المصدر
كتاب وذكرهم بأيام الله | الأستاذ محمد سرحان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟