مواضيع

الشقشقة الثانية: أمواج الفتن وسفن النجاة

من كتاب شقشقة المظلوم للشيخ زهير عاشور

خداع أعداء علي (ع)!

«عندما تم أمر البيعة -في سقيفة بني ساعدة- لأبي بكر، أراد أبو سفيان أن يوقع الحرب بين المسلمين ويقتل بعضهم بعضاً، فيكون ذلك دماراً للدّين وذهاباً لشوكة المسلمين! فمضى إلى العباس -عم الرسول (ص)- فقال له: يا أبا الفضل إن هؤلاء القوم ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم، وجعلوه بني تميم، وإنه ليحكم فينا غداً هذا الفظ الغليظ من بني عديّ! فقم بنا حتى ندخل على علي (ع) ونبايعه بالخلافة وأنت عم رسول الله (ص) وأنا رجل مقبول القول في قريش، فإذا دافعونا عن ذلك: قاتلناهم وقتلناهم!!»[1]

وعليٌ (ع) ينظر ويسمع!

وعليٌ (ع) ينظر ويسمع، ويتأمل في هذه النصرة التي جاءته، وهو في أمس الحاجة إلى الناصر!

وها قد جاءه رجلان نافذان قويان مسموعة كلمتهم مطاعاً أمرهم: إنّهما العباس وأبو سفيان، جاءاه معلنين الرفض للأول والثاني، ومصرّين على أنّه الأحق في الخلافة الإليه ولبني هاشم!

فهل يقبل الأمير (ع) بهذه النصرة فيثور على الغاصبين؟!

كلا، لأنّه علي (ع) وهو يعرف من هو أبو سفيان عدو الإسلام اللّدود الذي لم يُسلم وإنّما استسلم ونافق وهو لا يريد خيراً من هذه النصرة ولا يبغي أن يرجع الحق إلى أهله وهو لا يُكنّ حباً لعلي (ع) ولا لبني هاشم حتى يأتي لنصرتهم، وإنّما أراد من هذه النّصرة الخديعة وإيقاع المسلمين في الفتنة!

الأعداء واستغلال المواقف!

وهكذا الأعداء، يستغلّون مثل هذه الظروف الحالكة في الظلمات الكالحة على الطرقات الوعرة حيث يقل النّاصر فيعرضون النصرة وتشتد الظلمة فيأتون بالشمعة وينتشر الظلم فيثورون اعتراضاً على الظلمة!

والأمير (ع) يحذِّر من أمثال هؤلاء المخادعين الذين لا يريدون رفع ظلم ولا إضاءة طريق ولا نصرة مظلوم! وإنما يريدون أن يحققوا أهدافهم ويحصلوا على دنياهم ويفرقوا الأهل ويشتتوا الشمل وتشب الحرب ويقع القتل .. فلا أمن ولا أمان ولا بر أمان بل رجوع إلى الجاهلية الظلماء!!

سُفُنُ النّجاة من الفتن!

إن حركة الفتن في المجتمعات مشابهة للأمواج المتلاطمة في المحيطات فكما أنّ الأمواج المتلاطمةتسبب الهلاك والفناء للخائضين فيها كذلك الفتن تسبب الهلاك للواقعين في شراكها وحبالها!

وكلما أنّ النجاة من تلك الأمواج الهائجة يكون بالسّفن القوية والمحصنة القادرة على مواجهة تلك الأمواج العاتية، كذلك يكون النجاة من الفتن الإجتماعية والسياسية بركوب سفن النجاة فيها، وهي:

  • الصبرعلى الفتن حتى يخبو هيجانها.
  • أو المداراة حتى تخف أمواجها.
  • أو المهادنة حتى تذهب بجنونها.

فبهذه السفن يتوصَّل إلى السلامة!

عرِّجوا عن طريق المنافرة!

وفي مثل الظروف الخانقة، والليالي المظلمة، والطرق الوعرة، والتي لا يستطيع أكثر الناس أن يُشخّصُوا الحق وهديه والباطل وغيّه، ويُعرف الحق وأهله والباطل وحزبه، ومع قلّة الأنصار وعدم إحراز الانتصار، وعدم مواءمة الأحوال، فإنّه لا ينبغي إبراز المنافرة والعداوة، ولا الحرب والاحتراب في المجتمع الواحد، بل لابُدّ من الابتعاد -قدر الإمكان- عن أي شيء يسبب المنافرة والشجار والمخالفة.

وهذه سفينة من سفن النجاة!

ضعوا تيجان المفاخرة!

وفي ظروف الفتنة لا ينبغي أن يُحّرك في المجتمع ما يكون سبباً لتهييج الأضغان ومُوجباً لإثارة الأحقاد وعاملاً في زيارة أوار الافتتان، كالتفاخر والانتساب بالعشائر والأقوام؛ فالإسلام لا يرفع عشيرةً على عشيرةٍ ولا قوماً على قوم، ولا يرى فضلاً لأحد على أحد ولا جماعة على جماعة إلا بالتقوى <إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ>[2].

وبالتقوى: يُصلح ما فسد من أمر العباد والبلاد، لا بمثل هذه الأمور التي تزيد الأمور سوءاً، والظلمة عتمة، والجرح نزفاً.

وهذه سفينة أخرى من سفن النجاة!

انهض بجناح أو صبر الأرواح!

فالمفاخرة والمنافرة لا تنفعان في الوصول إلى الحق المسلوب، ولا استرجاع ما نهبه السارقون، وإنّما الطريق المعقول والمنهج المحمود لذلك:

  • إمّا القيام والثورة، وذلك عند وجود الأنصار والأعوان، وعند توفر جميع وسائل القدرة والاقتدار.
  • وإمّا الصبر والسكوت وعدم تحريك الأمور عند عدم توفر الأعوان.

فهذان طريقان الفوز والفلاح: فإما أن تكون ذا جناح فتنهض به فتفوز بالمطلب، وإلا فالاستسلام والانقياد حتى تنجو وتريح نفسك ومن معك من تعب المطلب.

وهذه سفينة ثالثة من سفن النجاة!

الخلافة للدنيا؟!

والخلافة بعد رحيل رسول الله (ص) وما لازم ذلك من أحداث السقيفة: كالماء الآجن، والّلقمة التي يغصّ بها آكلها؛ كيف لا، والخلافة من أعظم أسباب الدنيا لمن يجعلها مطية لأهوائه وشهواته، ومعبراً لتحقيق آماله ونزواته!

والدنيا وإن عظمت في عين طالبها ومن وقع في أسرها ورقّها، وإلا أنها صغيرة في عين عليٌّ (ع) ينفر من الدنيا لتعفّنها، وهو زاهد في هذه الخلافة التي سال عليها لعاب أبنائها، فلم يكن (ع) ليستعظم أمرها أو يلهث ورائها أو يتجهّز للدخول في حرب من أجلها!

فإن كانت الخلافة لأجل الحصول على متع الدنيا، كما تريد يا أبا سفيان، فابحث عن غير علي يشاركك في هذا الهم والمسعى، وفتّش عن غير علي يلهث وراءها ويسكر لزخرفها ويطرب لزبرجها!

يقول أمير المؤمنين (ع): «أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ وعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ وضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ ولُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا ومُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.»[3]

الموقف عند الفتنة!

فـ«ربما» يتّسِم الحدث بالفتنة، أي:

  • عدم تماير الحق عن الباطل.
  • أو أن الحق واضح دون أن يتمكن طرفٌ من إثبات حقانيته كاملةً وبطلان الطرف المقابل.
  • أو أن الحق جليّ غير أن اتخاذ الموقف يصبح سبباً في سوء الاستغلال من قبل أنصار الباطل!

فيتعين هنا اتخاذ موقف الحياد في مثل هذه الأزمات الاجتماعية والسياسية.

يقول (ع): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ولَا ضَرْعٌ فَيُحْلَب‏.»[4]

أي عليك في مثل هذه الحوادث العمل بحيث تقطع الطريق على كلا الطرفين من استغلالك.[5]

الحزب الأموي وحزب السلطة!

دخل «الأمويون» الإسلام مقهورين بالفتح، وأعينهم تراقب مجرى الأحداث لعلّ الأمر بعد رسول الله (ص) ينحرف عن مساره المرسوم فيرجع القهقري، ويتجدد لهم الأمل والرجاء في أن يعود لهم سابق شأنهم في الجاهلية، فيمتطون صهوة الزعامة من جديد ولكن بثوبها الإسلامي!

وقد عبر «أبو سفيان» عن هذا الرجاء -في محضر عثمان- قائلاً: «يا معشر بني أمية، إن الخلافة صارت في تيم وعدي حتى طعمت فيها، وقد صارت إليكم فلتقفوها بينكم تلقف الكرة، فوالله ما من جنة ولا نار»[6]!

دخل الأمويون الإسلام ظاهراً بعقلية «الحزب»، وتحسّسوا في البدء الفصائل الأخرى المماثلة التي تعمل في دائرة الصد عن رسول الله (ص)؛ ليقيموا معها أواصر التعاون في ظلال الهوية الإسلامية الساترة، بعدما كانوا قد تعاونوا معها وهم تحت راية الكفر السافرة!

فقد كانت للخليفة الثاني خلوات بمعاوية منذ أوائل الأيام! وكان معاوية يتدلل لعمر ويتملمه وإذا جاوز رضّاه في قضية من القضايا، خاطبه بلسان المتذلل الخاضع: «يا أمير المؤمنين علمني أمتثل» ومعاوية في ذلك إنّما يمثل الدور الذي رسمه له أبوه أبو سفيان -منظّر الحزب الأموي- حين أوصاه قائلاً: «يا بُني، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا، فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعاً، وقد ولوك جسيماً من أمورهم فلا تخالفهم، فإنّك تجري إلى أمد فنافس فإن بلغته أورثته عقبك»[7].

والأمويون لا يترددون في الإعتراف بأنهم أمتداد لحزب السلطة! بل هم يحاجون من ينكر عليهم قبائحهم ممن هم من نسل أبي بكر وعمر: بأنّ الأولين إن كانا قد أحسنا فإنا احتذينا بهما، وإن كانا قد اساءا فهما أولى بالذم المعابة.

والمتتبع لا يجد صعوبة في العثور على دلائل التعاون الجديد بعد أن استقرت نتائج السقيفة لصالح حركة النفاق، وهذه الدلائل كثيرة جداً.

ولا يقدح فيها: الموقف المؤقت الذي وقفه أبو سفيان في طلبه من أمير المؤمنين (ع) في أن يمد يدّه ليبايعه، وفي تنكّره -بادئ ذي بدئ- لنتائج السقيفة، فإن هذا الموقف أملته على أبي سفيان أمنيته المكبوتة في أن يبطش بالاسلام البطشة الكبرى بعد رحلة رسول الله (ص) مباشرة من خلال ايقاع الاقتتال بين المسلمين على الخلافة وإسقاط الدولة الإسلامية وإعادة الناس إلى الجاهلية وإلى قريش بزعامتها السابقة!

ولم تخف نية أبي سفيان في موقفه هذا على أمير المؤمنين (ع) فنهره وأغلظ له قائلاً: «والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شراً»[8].


[1] شرح نهج البلاغة، البحراني، ج1، ص:167 بتصرف

[2] الحجرات: 13

[3] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص:52

الخطبة (5): ومن [كلام‏] خطبة له (ع) لما قبض رسول الله ص وخاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة (وذلك بعد أن تمت البيعة لأبي بكر في السقيفة، وفيها ينهى عن الفتنة ويبين عن خلقه وعلمه)

[4] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص: 469، حكم أمير المؤمنين (ع)‏، الحكمة (1)

[5] رسالة الخواص، ص 38-39

[6] الأغاني، ج6، ص:356

[7] البداية والنهاية، ج:8، ص:126

[8] مع الركب الحسيني، ج:1، ص:73-83

وقد ذكرت في الكامل لابن الأثير، ج:2، ص:220 – تاريخ الطبريّ، ج:3، ص:209

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟