مواضيع

الإسلام دين الفطرة

فطرة الله التي فطر الناس عليها: إن الدين الإلهي حق – الإسلام الحنيف – الذي أمرت بأن تتوجه بكل وجودك – قلبك وبدنك – إليه، وتثبت وتستقيم عليه، ولا تلتفت إلى شيء غيره فيشغلك عنه، ولا إلى دين وضعي أو محرف فيضلك عنه، هو الدين الصحيح والنهج القويم والصراط المستقيم والطريق الوسطى الذي يأمر به العقل المستنير ويستحسنه ويستقبح غيره، وتهتف به الفطرة وأصل الخلقة ويميل إليه الطبع الإنساني السليم. ومقتضى العقل والمنطق والبرهان الصحيح والفطرة، أن الدين الذي ينبغي إقامة الوجه – نصبه – له والثبات والاستقامة عليه، هو الدين الذي تهدي إليه الفطرة ويميل إليه الطبع السليم ويقره العقل والمنطق السليم والبرهان الصحيح لا غيره.

وعليه: يجب التمسك بالدين الإلهي الحق – الإسلام الحنيف – والعمل به، يقول العلامة الطباطبائي: «ليس الدين إلا سنة الحياة والسبيل التي يجب على الإنسان أن يسلكها حتى يسعد في حياته، فلا غاية للإنسان يتبعها إلا السعادة»[1] وهذا يدل على أمور عديدة مهمة، منها:

  • إن الفطرة والخلقة الإنسانية والطبيعة الأولى التي خلق عليها الإنسان تهيء الإنسان كسائر الأنواع المخلوقة لقبول سنة خاصة وطريقة معينة ومنهج خاص في الحياة ذات غاية مشخصة تنسجم مع تكوين الإنسان المؤلف من روح وجسد وتلتقي مع تلك الطبيعة والخلقة التي عليها الإنسان وتلبي جميع احتياجاته الجسدية والروحية، المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، وتحقق للإنسان الطمأنينة والسلام الروحي، وتوصل الإنسان إلى كماله المقدرواللائق به، وإلى سعادته الحقيقية الكاملة في الدارين الدنيا والآخرة، وتنجيه من الهلاك والشقاء في الدارين كذلك، وليس الدين الذي يجب على الإنسان أن يتمسك ويعمل به إلا ذلك.

ومن مقتضيات تلك الطبيعة أن للإنسان سعادة حقيقة لا ينالها إلا بالخضوع لما فوق الطبيعة – عالم الغيب والملكوت/الميتافيزيقيا – وتلبية احتياجات الروح، وليس الاقتصار على المتطلبات الجسدية والتمتعات الحسية.

والحقيقة أن تلك السنة والمنهج والطريقة التي تهتف بها الفطرة ويميل إليها الطبع السليم تتمثل بالكامل في الدين الإلهي الحق – الإسلام الحنيف – الذي جاء به الأنبياء والرسل الكرام؟عهم؟ من عند رب العالمين، وآخر حلقاته وتمامه ما جاء به النبي محمد؟ص؟ وقام عليه الأئمة الأطهار من أهل البيت؟عهم؟ من بعده، قول الله تعالى: <الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا>[2].

وعليه: اِلزموا دين التوحيد والإسلام الحنيف عقيدةً وقولاً وعملاً؛ لأنه دين العقل والمنطق والفطرة والطبع السليم، الذي يوصلكم إلى كمالكم وغايتكم في الحياة، وهي السعادة الحقيقية الكاملة في الدارين الدنيا والآخرة.

  • إن الفطرة الإنسانية وما أبدع الله تبارك وتعالى وركز في الناس من الخلقة والجبلّة والطبيعة الأولى، تهيء الإنسان وتهديه لمعرفة الله ذي الجلال والإكرام وتوحيده، وإلى كليات الدين الإسلامي الحنيف الأخرى، مثل: النبوة والإمامة والمعاد والعدل الإلهي، ولمعرفة فضائل الأخلاق والأحكام والتشريعات السمحة، التي فرض الله؟ج؟ على العباد العمل بها في العبادات والمعاملات والسياسات والعلاقات والشؤون العامة والخاصة، غير نائين عنها ولا منكرين لها؛ لأنها متناغمة تماماً مع العقل والمنطق والبرهان الصحيح والفطرة والطبع السليم، فيما يعرف بتوافق التشريع مع التكوين، قول الله تعالى: <رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ>[3] وقول الله تعالى: <الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى>[4] وهذا نوع من المعرفة الحضورية – غير المكتسبة – المتجذرة في أعماق النفس الإنسانية، ولا تحتاج إلى دليل ومقدمات خارجة عنها للتصديق بها، يقول الشيخ محمد جواد مغنية: «كل إنسان حتى أكثر الخلق شراً وفجوراً يود تلقائياً وبدافع من أعماقه أن يصون الناس دمه وماله وعرضه، ولا يمسه أحد بسوء، وأيضاً يحب بغريزته أن يحسنوا إليه ويتعاونوا معه على خيره وصلاحه، ومعنى هذا أنه يطلب من جميع الناس أن يكونوا متدينين من حيث لا يشعر؛ لأن مهمة الدين القويم أن يحمل كل فرد من أفراد الإنسان على أن يستجيب لهذه الفطرة في معاملاته وتصرفاته، يحسن ولا يسيء ويتعاون مع الآخرين ولا يتهاون في شيء من حقوقهم تماماً كما يريد هو أن لا يتهاون أحد في حقوقه»[5].

وهذا يعني تعلق قلب الإنسان وشعوره بربه الواحد الأحد الفرد الصمد، وارتباطه به ومحبته وعشقه وطاعته وعبادته والخضوع المطلق لإرادته، يقول العلامة الطباطبائي: «وإن للإنسان شعوراً بربه غير ما يعتقده بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل، بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب، ولا يجره إلى الغفلة عنه إلا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها، وهي مع ذلك غفلة عن أمر مشهود لا زوال له بالكلية من أصله»[6] تأكيداً منه على المعرفة الحضورية غير المكتسبة.

ولأنها معرفة فطرية فهي موجودة عند جميع الناس لا بعضهم، وإن اختلفت شدة وضعفاً عندهم تبعاً لدرجة طهارة أرواحهم وصفاء قلوبهم وانشغالهم بعالم الدنيا وانغماسهم في عالم المادة واستغراقهم في الأهواء والأغراض الباطلة والشهوات والملذات الحسية والمصالح الدنيوية الدنيئة، وتدنسهم بالذنوب والمعاصي والآثام والجرائم والجنايات ونحو ذلك. غير أن تلك الأسباب لا توجب زوالها بالكلية من أصلها، بل تحجبها وتغطيها، فإذا ارتفعت الحجب وزالت الأسباب بالتوبة والإنابة ونحوها، عادت الفطرة إلى سابق عهدها كما كانت عليه من قبل، مما يدل على وجود الأرضية القوية الصلبة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل لمعرفة الدين الإلهي الحق، والقبول له والعمل به في داخل نفس الإنسان، المتمثلة في فطرته وتكوينه المؤلف من روح وجسد وجبلته وطبيعته الأولى التي خلق عليها.

أما الانحرافات فهي أمر عارض يمكن أن يزول وينتهي، وأن وظيفة الأنبياء والرسل الكرام؟عهم؟ والدعاة الصالحين هي السعي لإزالة ذلك الأمر العارض بإزالة أسبابه وتحقيق التوبة والإنابة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى، لكي تعود الفطرة إلى صفائها وسابق عهدها، ليشرق نور الإيمان والمعرفة في قلب الإنسان ويهتدي إلى الدين الحق ويعمل به.

وعليه: لو ترك الناس وشأنهم وما فطروا عليه، ولم تدنسهم الجاهلية الجهلاء بعاداتها وتقاليدها البالية، وتلوث الأهواء الشيطانية والأغراض الباطلة الدنيئة والشهوات الحيوانية والاستغراق في المصالح الدنيوية العاجلة واللذات الحسية وارتكاب الجرائم والجنايات والذنوب والمعاصي طهارة أرواحهم وتلوث صفو قلوبهم، لاهتدوا بأنفسهم إلى الدين الإلهي الحق، ولما اختاروا غيره ديناً، ولما ارتضوا عنه بدلاً. فكل الذين انصرفوا عن الدين الإلهي الحق إلى غيره، إنما انصرفوا عنه لعارض عرض لفطرتهم فأفسدها، ولو لا ذلك، لم يعلموا أصلاً من ربهم على وجه الحقيقة، ولم يوحدوه ويحبوه ولم يطيعوه ولم يعبدوه من الأساس، ولم يهتدوا إلى ما ينفعهم فيعملوه ولما يضرهم فيتجنبوه، ولما قامت قائمة لتربية صالحة ولا لمجتمع صالح ولا لحضارة إنسانية متميزة ومسيرة تاريخية وحضارة تكاملية من النقص إلى الكمال في مختلف الأصعدة المعرفية والتربوية والعلمية والتكنولوجية والصناعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ونحوها، يقول العلامة الحلي: «لو خير العاقل بين أن يصدق ويعطى ديناراً، وبين أن يكذب ويعطى ديناراً، لتخير الصدق على الكذب»[7] فالذي يصرف الناس عن الدين الإلهي الحق – الإسلام الحنيف – إلى غيره من الأديان المنحرفة والاتجاهات المتطرفة اليمينية واليسارية، هو التفكير غير المنطقي وتعطيل عمل الفطرة وحجبها والتغطية عليها، قول الله تعالى: <وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا>[8] ومعنى دسَّاها: أخفاها بإنمائها على غير ما يقتضيه طبعها، وترك ما يكملها من الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة.


[1] تفسير الميزان، العلامة محمد حسين الطباطبائي، جزء 16، صفحة 161

[2] المائدة: 3

[3] طه: 50

[4] الأعلى: 2-3

[5] التفسير المبين، محمد جواد مغنية، صفحة 534

[6] تفسير الميزان، العلامة محمد حسين الطباطبائي، جزء 8، صفحة 305

[7] التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية، جزء 6، صفحة 142

[8] الشمس: 7-10

المصدر
كتاب الإسلام دين الفطرة | أستاذ البصيرة عبدالوهاب حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟