مواضيع

التصدي لتغيير المعتقدات من وظيفة العلماء لمواجهة النفوذ

أشعر أن جميع سلوكياتنا الفردية والجماعية كمسئولين، وسلوكيات أمتنا، متأثرة بمجموعتين من العوامل:

المجموعة الأولى: هي تلك المواهب والإمكانيات ومثل ذلك – الذكاء وقدرات الناس ومواهبهم – لنفترض أننا اخترنا شخصاً معيّناً، فجزء من جهوده ونشاطه في أي مجال من المجالات المتعلقة بتلك المواهب والقدرات وطاقاته الوجودية الخاصة به مرتبط بالبيئة التي يستخدمها.

والجزء الثاني: هو العامل الذي يؤثر على العقلية ويوجّهها. ما نعنيه بالثقافة هي تلك العقليات. أينما استخدم مصطلح الثقافة، أقصد المعنى العام للثقافة؛ يعني تلك العقليات التي تسيطر على وجود الإنسان والتي تبرر سلوكياته فتزيدها سرعة أو بُطئاً- وهذه تقريباً نصف العوامل التي تحدد وتقود جميع السلوكيات. من أجل أن نشعر بالموضوع بشكل كامل، ولكي يصبح القلق الذي يراودني أكثر وضوحاً – فلماذا أتطرق لهذ الموضوع كثيراً – نفترض جبهة حرب فيها مجموعة من الجنود، يقاتلون بالتضحية، والقدرة على اتخاذ القرار وبالإرادة والمثابرة؛ كالحرب التي خضناها في الجبهة لمدة ثماني سنوات. في ذلك الوقت، كنت تدخل إلى منطقة وتشاهد مجموعة من الشباب المؤمن والمخلص والمضحّي الذين لا يهابون الموت صامدين ويقاتلون، لو كنت تسأل أي واحد منهم «لماذا تقاتل؟» لكان رده «إنه واجبي، الإمام قال ذلك، إنه أمر ديني، العدو قام بالإعتداء على بلدي ويهدّد حدودي وشرفي. نحن أمة مفعمة بالحياة ويجب أن ندافع عن أنفسنا»، فهو يشارك مجموعة من المعتقدات العقلية التي تشمل الإيمان بالله، الإيمان بالقيامة، الإيمان بالشهادة، الإيمان بأمر الإمام، ضرورة طاعة الإمام، الإيمان بأن هذا العدو معتدٍ، والإيمان بأنني أمة يجب أن أدافع عن نفسي. تتجلى في تعبير هذا الشاب هذه المجموعة المتشابكة والمترابطة من المعتقدات الدينية. أنتم ترون بأن هذه المعتقدات والقناعات هي التي دفعت هذا الشاب إلى الصمود، والتخلي عن الراحة في بيته وعن حياته وعن تعليمه وجامعته، والذهاب إلى الجبهة والمخاطرة بحياته؛ قد يُقتل أو يُجرح ويتكيّف مع الجرح بقية حياته، وفي هذا المحفل ترون عدداً منهم على الكراسي المتحركة.

الآن، إذا كان هذا الشاب يقاتل في الميدان بهذه الحميّة، فيأتي شخص ويبدأ بتلطيخ هذه المعتقدات، وعلى سبيل المثال يقول:

عندما تقول: إن هذا العدو معتد، فأيّ عدوان تقصد؟ نحن بدأنا الهجوم أولاً! ويبدأ بالتسلل إلى عقله ويُضعف إيمانه باعتداء هذا العدو وبفضيلة الاستشهاد وقيمته، ويُضعف إيمانه بأنه عندما يأمر الإمام يجب تنفيذ هذا الأمر؛ يُضعف إيمانه بضرورة أن يقوم الفرد بالدفاع عن الوطن والذود عنه وعن حدوده. حسنًا، ماذا سيحدث لهذا الشاب المؤمن الجاهز الذي ينطلق نحو صدر العدو كالرصاصة المشتعلة، ويتبدل إلى أي شيء لو تغيرت هذه المعتقدات والقناعات؟! يصبح إنساناً نادماً، مزعزعاً، متردداً، أحياناً مُعرضاً عن جبهة القتال. يعني نفس هذا الشخص، نفس الشخصية، بنفس المواهب، نفس القوة البدنية، نفس الذكاء، نفس القدرة التي يمتلكها جسدياً وذهنياً وقوة الإرادة واتخاذ القرار، من خلال تبديل قناعاته، يتبدل من كائن نشط ورائد ومؤثر إلى كائن منفعل مهزوم. هذا أمر واضح جداً. حسناً؛ يمكن أن يذهب شخص ما ويقوم بتقوية تلك المشاعر وهذا الإيمان وهذه القناعات، أو أن يزرع هذا الإيمان في شخص ليست لديه هذه القناعات ويجعله إنساناً مؤثراً ونشطاً ورائداً. أنا تنبهت بأن مقولة: «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء» تعني هذا. العالِم هو الذي يستطيع أن يحول قناعات الإنسان إلى شيء يمكن أن يجعل من هذا الجسم -أو كما يطلق عليه اليوم بالكيان المادي- إنساناً متعالياً، إنساناً رائداً، وإنساناً نشطاً ومقاوماً.

يمكن للعالِم القيام بذلك؛ «مداد العلماء» هو حقاً «أفضل من دماء الشهداء»، لأن هؤلاء الطلبة الشباب المتواجدين في ساحة المعركة – تلك المجموعة القتالية التي كانت تقوم بالتبليغ – ذهبوا إلى ساحة المعركة وأنا رأيتهم عدة مرات هناك، هؤلاء حولوا الناس العاديين إلى أناس مقاومين، حولوا الضعفاء إلى أفراد صامدين وحولوا المُذبذبين إلى أشدّاء يمتازون بروح المقاومة.

هذا هو دور الثقافة. تصوروا تعميم هذه الثقافة في البلد كله. نحن الآن نظام نحتاج في بلدنا إلى صمود الشعب، والقدرات الفكرية، والعزم وعدم تأثر الناس من عدوّهم. من الذي يجب أن يتحمل هذه المسؤولية؟ من الذي يجب أن يلفت انتباه الناس للعدو، ونوع عداوته، وما تحتاجه هذه الدولة اليوم؟ من الذي يجب أن يقوم بتبليغ الدين، الذي هو مصدر فخر الأمة وصمودها، وسبب التضحية التي يقوم بها الناس، وعدم الخضوع للإغراءات المختلفة – الإغراءات المادية – إلى الناس، إلى جيل الشباب، إلى الطلاب والشعب؟

هل يصح لنا أن ننتظر أن تقوم الحوزات العلمية ويقوم رجال الدين بهذا العمل بنفس الأساليب القديمة والمحاضرات وما إلى ذلك؟ أم لأننا اليوم دولة إسلامية ونظام إسلامي آثرنا على أن نتحمل المسؤولية كقادة ومسؤولين دينيين، سواء كنا أم لم نكن من الذين يرتدون العمائم، وجميع الذين قبلوا تحمل المسؤولية في النظام، قبلوا في الواقع مسؤولية إنشاء وإقامة النظام الإسلامي في هذا البلد وتطويره؟

حسناً، من يأخذ على عاتقه مسؤولية تحويل الناس إلى أفراد صامدين إذا كانوا مُتزعزعين، ويخلصهم من الشك والترديد إذا كانوا مترددين، ويزوّدهم بقناعات ومعتقدات صحيحة وقوية إذا كانت هذه القناعات متدهورة؟ وإذا كان يراودهم الشك والترديد والإرباك في مواجهة أهداف ومسؤوليات العدو، فعلى من يجب إزالة هذا الشك والترديد وتبديل هؤلاء إلى عناصر ذوي عزم وحزم حتى يتمكن هؤلاء الناس من الدفاع بقوة عن الحق الذي يحمل لوائه هذا البلد اليوم؟ من المسؤول عن جذب الناس صوب هذا الإتجاه؟ من غيرنا؟ غير المسؤولين، وخاصة المسؤولين عن الشؤون الثقافية في البلاد، بما في ذلك المجلس الأعلى للثورة الثقافية الذي أنشأ لهذا الغرض؟!

إذا عمِلنا على تثقيف هؤلاء الناس اليوم ليكونوا متدينين، وملتزمين بالشرع والقانون، ومدركين للمبادئ الدينية ولديهم معرفة دينية، نكون قد أمننّا هذا البلد وهذا الشعب ومستقبله.

بمقدار ما نسمح لهذه العوائق أن تتغلغل وتسمح بتشويه معتقدات وقناعات الناس ومقدساتهم الدينية في موضوع الاستشهاد والجهاد وفي العداء الواضح لأعداء الإسلام والمسلمين -وتتسرب أيضاً لعقول الناس- مهما سمحنا بذلك – نكون قد عرّضنا مستقبل هذا البلاد وهذه الأمة للخطر أكثر من قبل، وأضعفنا إمكانية السعادة التي من أجلها انتفضت هذه الأمة وقامت بهذه الثورة العظيمة، وزدنا من إمكانية حضور وغلبة العدو. عملياً لا يمكن ذلك إلا من خلال تعزيز العمل الثقافي ،وفي الواقع فإن مسؤولي الثقافة في البلاد – سواء المجلس الأعلى للثورة الثقافية، أو العناصر المحترمة من الحكومة الموجودة في هذا المجلس، أو المنظمات غير الحكومية مثل منظمة التبليغ وغيرها، والآخرين ممن لديهم مسؤوليات ثقافية تحمل المسؤولية والواجب والنزول إلى ميدان العمل فهذا هو أساس عملنا اليوم.[1]


[1]. بيانات سماحته مع أعضاء الهيئة العليا للثورة الثقافية بتاريخ 14-12-1999م

المصدر
كتاب النفوذ في فكر الإمام الخامنئي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟