مواضيع

الوحدة الإسلامية

من كتاب خط الإمام الخميني للشيخ جاسم المحروس

من الأمور التي ركزت عليها مدرسة الإمام الخميني (ق) بشدة: هي مسألة الوحدة الإسلامية، ونزع فتيل الفتنة والخصومة من المجتمع، واحترام مقدسات المذاهب والأديان الأخرى، وعدم التعرض لهم بسوء، انطلاقاً من مبدأ التعايش مع الطرف الآخر، وعدم إلغاء الطرف الآخر.

فإذا أردنا تأسيس حضارة، وتأسيس حكومة عالمية، فلابد من احترام الطرف الآخر للتعايش معه والانسجام، وإلا كان لزام ذلك هو الاقتتال بين أطراف المجتمع، وتفكك المجتمع بحيث يكون قابلاً للانفجار في أي لحظة.

إلا إذا كنا نريد أن نلغي الطرف الآخر من الوجود، وهذا لا ينسجم مع هدف تأسيس الحضارة الإسلامية والحكومة العالمية، كما أنه لا ينسجم مع تعاليم الإسلام وأحكامه، فحتى الإمام المهدي (عج) لن يقوم بهذا الأمر، بل سيحارب من يحاربه فقط ويرفع السلاح في وجهه، أما غيرهم فلن يقاتلهم حتى لو كانوا مشركين، إذ لا معنى لافتعال الحروب وفتح جبهات القتال من دون وجود داع لها.

بل إن إلغاء الطرف الآخر وقتله لمجرد كونه على خلاف معنا، لا يتوافق مع روح الإسلام الذي نزل به الرسول (ص) رحمة للعالمين، وهداية جميع البشر، فإذا كنا نريد أن نهدي الناس وندخلهم في الدين الحق، فلا يمكن ذلك إلا بالتعايش معهم وبدأ برامج التبليغ بعد ذلك.

في بلدان أفريقيا والصين والهند وغيرها من المناطق والدول ممن لم تصل لهم دعوة الحق وهم أناس كثر!! بل وصلتهم الدعوة مشوهة، وما في أذهانهم عن ديننا ومذهبنا هو خلاف الواقع.

فتخيل معي لو أن هذه الدعوة قد وصلت لهم بصورتها الصحيحة بعد امتلاك جميع القنوات الإعلامية الرئيسية، ونشر البرامج التوعوية، من أفلام، ورسوم متحركة. وأناشيد، ومسلسلات، وبرامج أخرى، مع إزالة جميع برامج الفساد، فتخيل معي كيف سيكون تأثير ذلك على الناس وعلى المجتمع؟

أوليس من الظلم أن نحرم البشر من منابع الهداية، والمعارف النورانية التي نمتلكها، ونجعلها محصورة علينا وخاصة بنا ونقع فيما وقع فيه اليهود؟

وهكذا أيضاً بالنسبة لما نراه من السلوك الفظ من قبل كثير من الشباب مع الذين يخالفونهم في العقيدة، سواء على مستوى المذهب أم الدين، هذا لا يتوافق مع روح الإسلام ولا مع الدعوة العالمية، ولا مع الرغبة في الهداية، وهو أيضاً لا يتوافق مع تعاليم أهل البيت (ع) الذين يقولون: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم»[1]، فكيف نريد من الناس أن ينجذبوا لديننا وهم يرون الحقد والكراهية والتمييز في التعامل.

فهل الدين هو الذي يدعونا للتصرف بهذه التصرفات؟!

بالطبع الجواب.. لا!

إذاً نحن مسؤولون أمام الله عن هذه التصرفات التي تشوه صورة الدين أمام الناس، وتكره الناس في الدين وكل ذلك بسبب سوء تصرفاتنا، من دون اكتراث بالناس الآخرين اهتدوا أو كفروا، فما دام ليس على عقيدتنا إذاً فليذهب إلى الجحيم، وكأننا نحن أبناء الله، وأما الآخرين فهم ليسوا عبيداً لله، ولم يشملهم الله برحمة قط، وكأن الله يمتلك نفس الأحقاد والأبغاض التي نمتلكها!

الله أرحم الراحمين الذي كان عطوفاً حتى على فرعون، فالله الرحيم عندما أرسل موسى إلى فرعون، لم يقل له اذهب وهدده وكلمه بكلام فظ من دون أن تكترث بإيمانه وعدم إيمانه، بل لاحظ كيف تبين الآيات جانب الرحمة والعطف الإلهي ورغم التسليم بطغيان فرعون.

<اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (17) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى>[2]

فانظر إلى جانب الرحمة الإلهية عندما يقول: <فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا>، لاحظ العطف الإلهي على عبيده رغم طغيانهم، فهو يأمرهم بأن يقولا له قولا ليناً: <لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى>.

هذا بالنسبة لفرعون؛ فما بالك بالآخرين الذين هم أدنى منه طغياناً وكفراً وعناداً.

ألا يحب الله هدايتهم؟ ألا يحب الله أن نقول لهم قولاً ليناً؟

والحال إن أكثرهم أو كثيراً منهم إنما لم تصله الدعوة الصحيحة وليس معانداً.


[1]– الكافي، الجزء الثاني، صفحة 78

[2]– طه: 43-44

المصدر
كتاب خط الإمام الخميني | الشيخ جاسم المحروس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
سلام عليكم ورحمة الله
كيف يمكننا مساعدتك؟